توظيف المقولات في الشعر المجموعة الشعرية (صحيفة المتلمّس) أنموذجا

عدد القراءات : 223
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
توظيف المقولات في الشعر المجموعة الشعرية (صحيفة المتلمّس) أنموذجا

داود سلمان الشويلي 

 

في الكثير من المجاميع الشعرية، أو الروايات، أو أي كتابة أخرى، نلتقي بمقولة لكاتب آخر، غير المؤلف، سبق هذا الكاتب، وسارت هذه المقولة بين الكتّاب فتداولتها الألسن، والأقلام، فأدرجت في متن نص آخر، لتكون عتبة نصية نلج من خلالها النص، وذلك لتوسيع آفاقه، فتكسبه معاني ودلالات أخرى، وجمالية أكثر، ليكون نصا عميقا، ومتجذرا، في عقل ووجدان السامع، والقارئ، فيكون تأثيره عظيما.

***

   «المتلمّس الضبعي»، شاعر جاهلي، واسمه جرير بن عبد المسيح الضبعي، وقيل جرير بن عبد العزى، من قبيلة ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، احدى قبائل بكر بن وائل. لقّب بالمتلمّس لبيت من شعره يقول فيه:

وذاك أوان العرْض حيَّ ذبابه زنابيره والأزرق المتلمّسُ

   وهو خال الشاعر طرفة بن العبد. ورويت عنه الحكايات، أنه كان بصحبة ابن العبد حين أتتهما كتب مغلفة من ملك الحيرة تأمر بقتلهما، ففتح المتلمّس كتابه وقرأه، وعلم ما فيه، فهرب، ونجا من الموت، ولم يفتح طرفة كتابه فقُتل. وهذه الحكاية لنا فيها رأي لا مجال له في هذه الدراسة.

***

   «صحيفة المتلمس» هي واحدة من قصائد المجموعة الشعرية للشاعر عبد الأمير خليل مراد التي تحمل العنوان ذاته، والذي سنقف عند بعض المقولات، وتوظيفها في قصائد المجموعة كافة.

   وقبل أن ندرس قصائد المجموعة علينا التأكيد على ان المتلمس الشاعر هو قناع يختفي خلفه الشاعرعيد الأمير لأنه وجد فيه ذلك التطابق، والتماثل، في المواقف المأساوية التي مر بها.

***

   والمقولات هذه تتنوع، وتتعدد، بين الشعر، والنثر، بين قول شاعر معروف، وقول القرآن، أو قول كاتب معروف آخر، وهي تضيف عمقا إلى عمق النص، وجمالا إلى جماله، من خلال زيادة فضاءات النص الدلالية، وفي المعنى.

***

   «صحيفة المتلمس» هي قصائد كابوسية جمعها الشاعر لتحكي لنا ما مرّت به شخصيته من كوابيس هي نفسها التي مرت بشخصيات واقعية من كتّاب، وفلاسفة، وشعراء،  كما في قصيدة «:أَرْشِيَةُ ‏الطائرِ المَبْهُوت»: ص66

* ((يَقْذِفُني  لِتُخُومِ المَوْتِ الأزْرَقِ

‏يُشْعِلُ في عَيْنَيَّ كَوَابِيسَ المُتَنَبّي ... سَقْراط 

... المَعَّري ... ‏الحَلاّج .....السَيَّابَ وَدِعْبلْ)).

   وهو عندما يعدد هذه الأسماء، وغيرها في قصائده، فإنه يشخّص تلك الكوابيس التي مرت به كما مرت بهم، واكتووا بنارها. لهذا نراه يفتتح مجموعته الشعرية بأقوال شاعر، وكاتب نثري. هذه الافتتاحية تعد مدخلا لقصائد المجموعة، وعتبة أولى للولوج في عالمها بدلالاته، ومعانيه. فهو يأخذ من قول النفري مفتاحا لصَّحيفته/مجموعته الشعرية :

((‏يا عبدُ اخرجْ من هَمّكَ تَخرجْ من حَدّك.

‏يا عبدُ بَنيتُ لكَ بيتاً بيدي إن هَدمتَ ما بنيته بيدك.

قالَ لي: إذا كانَ غَيري ضالَّتك فاظفرْ بالحَربْ.

‏قالَ لي: مَنْ لمْ يفرَّ إليَّ لم يَصلْ إليَّ.

‏قال لي: ‏إن لقيتِني ‏وبَيني وَبَيَنكَ شيءٌ ممّا بدَا فلستَ منّي  ولا أنا منك. 

‏قالَ لي: المَماليكُ في الجَنةِ والأحرارُ في النارِ.

‏‏قالَ لي: كلُّ كاتبٍ يقرأ كتابته، وكلُّ قارئ يَحسبُ قراَءَته.

‏قالَ لي: إذا تَكلّمتَ فتكلمْ، وإذا صَمتَّ فاصْمتْ.)).

   ويأخذ من قول الشاعر المتنبي كذلك مفتاحا، وعتبة أخرى:

(( ‏أظمَتْنيَ ‏الدُنيا فَلَّما جِئْتُها       مُستَسقياً ‏مَطَرتْ عَليَّ مصائِبا ))

   فالآخر يدعوه اليه، أي إلى الجنة، وعندما يأتيه يجد المصائب، والمصاعب، أمامه كمن يستسقي المطر فيجده مصائبا تنزل على رأسه.

***

   وظف الشاعر في قصائد مجموعته الشعرية هذه مقولات من النفري، والتوحيدي، والمتنبي. ولم يجعل منهم قناعا يتوارى خلفه، بل جعلهم شهودا لما مرّ به من مآس، وآلام هم وقعوا فيها.

   فهو يأخذ من النفري ما يجعله محتارا بين مسك الخيط، وبين مدّه، أي سحبه إلى الجهة الثانية، في ثقب الابرة:

*(( قالَ لي اقعدْ في ثَقبِ الابرة وَلا تَبْرَحْ

‏وَإن دَخَلَ الخَيْطُ فلا تُمْسِكْه

‏وَإن خَرَجَ فلا تَمُدَّه ‏وَافرحْ فإنّيْ لا أُحِبُّ إلاّ الفَرْحَان)). 

   فيما يطالبه الله بأن يحافظ عليه ولا ينفقه:

*‏(( يا عبدُ إذا قمتَ إلى الصَلاةِ 

‏فاجْعَلْ كلَّ شَيءٍ تَحْتَ قَدَميك

‏يا عبدُ لا ‏تُنْفِقْني ‏عَلَى شَيْءٍ فما الشَيءُ بِعوَضٍ مِنّي )). 

‏   وهكذا نعرف ان الشاعر يترك كل شيء في الحياة، فهو لا يمسك بالشيء ولا يحركه، ولا ينفقه من أجل شيء. حيرة وجد نفسه فيها. وهذه تعدّ الوصية الأولى التي يهتدي لها الشاعر من خلال توظيفه لهذه المقولات.  

***

   ويذهب الشاعر إلى ما ذهب اليه التوحيدي الذي يرى:

*((إذا تَمَّنتْ ‏نَفْسُكَ بقاءَ الأَبدِ؛ فَلا تَسكنْ إلى أَحدْ )).

   أي انه يطالبه ألا يركن إلى أحد، ويطمئن له، فيما لو أحب أن يبقى إلى الأبد. وهذه الوصية الثانية.

***

   ومن الشاعر المتنبي يأخذ بعض مقولاته الشعرية:

* ((أُضْرمَ ‏النارَ في جَسَدي الناحِلْ   

‏وَلا أهمَّ ‏بشَيءٍ لمْ ينلْه ‏أبو الطيَّبِ المتنبي)).

     إذ يشير إلى قول المتنبي:

   أهمّ بشيء والليالي كأنّها         ‏تُطاردني عن كَونهِ وأُطاردُ

   وكذلك:

‏* ((لكنّي أَطَّلِعُ مِنْ شَرْنَقتي ذِئْباً 

‏فَأَرَى المُتَنَبّي يَصْرخُ في وَجْهي!

‏» ومَنْ عَرَفَ الأيَّامَ مَعْرِفَتِي بها 

‏مَنْ بالناسِ رَوَّى رُمْحَه غَيرَ راحِمِ «)).

   وأيضا:

‏* ((أقفُ ... !

‏  «وَما في المَوْتِ شَكٌ لواقِفٍ»)). 

   و:

* (( ‏بِسوْطٍ يَشْهَقُ مِنْ رِئةِ المُتَنَبِّي

« صَحِبَ الناسُ قَبْلَنا ذا الزَّمَانا

                            وَعَناهُم مِن شَأْنِهِ ما عَنَانا

وَتَوَلَّوا بِغُصَّةٍ كُلُّهُم مِنــهُ 

وَإِن سَرَّ بَعضَهُم أَحيانًا» )).

***

   وقد يوظف الشاعر عبد الأمير عنوان رواية أجنبية في شعره، ولكن يغيّر بعض مفردات عبارة العنوان، مثل رواية «للحب وقت، للموت وقت» للألماني ريمارك، فيقول في قصيدته «صَحِيفَةُ المُتَلَمِّس»:

*‏((وَأنا كَصيّادٍ يُبْحِرُ في ‏المَخْطوطاتِ

‏»مَخْطوطاتٍ للحبِّ وأخرى للمَوتِ» )).

   وهكذا نعرف ان في حياة الشاعر رغم مآسيه مجالا للحب.

***

    وكثرت في قصائد المجموعة الشعرية «صَحِيفَةُ الْمُتَلَمِّس» ذكر آيات من القرآن يمكن أن نسميها مقولات، لأنها كذلك جاءت في القصائد، لتخدم النص الشعري، من خلال توسيع آفاقه الدلالية والمعنوية (من المعنى) بما يجعلها، حسب فهم الشاعر، مؤثرة في فهم القارئ والمستمع لكون القارئ ذي ثقافة اسلامية.

   في قصيدة «‏شَوْكةُ المَوَاريث»، يقول:

* ((‏ ماذا ... ! بَعْدَ ‏أن يَصْحُو المُغَنُّونَ 

     (ونَمْضِي حُقُباً ) ‏نَلْتَفُّ في بَرْدِ

‏الزَّوَايا

‏كخُماشاتِ الشَفقْ

ثُمَّ 

‏هذه الشَوْكةُ تابوتٌ تَدَلّى 

‏مِنْ ضَميرِ الحَجَرِ الأسودِ هَمْساً 

‏كيفَ أَخْفَى ما تَبَّقى في ضُلُوعي مِنْ رَمَقْ 

 ‏رُبَّما ‏أَمْعَنتُ ظَمآنَ  وتَحْتِي فَرَسُ 

الخِضْرِ  ... 

‏ورَأْسِي صَوْلَجَانْ

‏رُبَّما أَدرجُ كالحاطِب ( في وادٍ غَيْرِ ذَي زَرْعٍ ) نَجِّياً

‏وَتَمَنَّيتُ ... تَمَنَّيتُ

‏سَفِيْنِي كَوْكَباً مِنْ أقْحِوان)). 

***

وكذلك يقول:

- ‏وهذا الجوعُ لَمْ ( نَبْرَحْ عَليه عاكِفين )

***

   وفي قصيدة «صحيفة المتلمس» فإنه يضمّنها أربع آيات، لتقول ما لا يقوله الشاعر:

* ( ‏بِشيء مِنْ الخَوْفِ والجُوْعِ ونَقْصٍ من الأموالِ

وَالأَنفسِ وَالثَمَراتِ )

   وكذلك:

* ‏لا أُنذِرُكُمْ ( بعذابٍ واقعْ )

فَـ ( سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي ) مِنْ عَرَقِ المُعَلَّقاتِ 

   وأيضا:

* ‏كَيْ أَخرجَ مِنْ حَبائلي كَطيرٍ 

‏( أَبَقَ إلى الفُلكِ المَشْحُون ) .

   و:

* ‏قالَ : - ( ‏ابنِ لي صَرْحاً )  

أعلو فيهِ عَلى الناسِ .

   والشاعر وهو يستخدم هذه الآيات/ المقولات ويرحلها من القرآن إلى شعره فإنه يدفع تفكير القارئ، والمستمع، إلى ان يرتاد مجاهل الخيال، وتقوده تلك المقولات القرآنية حسب تفسيرها الذي انطبع في ذاكرته من كتب التفسير إلى مناطق تجعل النص الشعري أكثر عمقا، وجمالا.

***

   ان الشاعر وهو يستخدم هذه المقولات/النصوص، ويرحّلها من مصادرها الأساسية إلى نصوصه الشعرية، فإنه يثري نصه بما توحيه هذه النصوص/المقولات من معانٍ ودلالات في مصادرها الأصلية، مضافا لتلك المعاني والدلالات ما يقوله الشاعر في قصيدته. انه يوسع آفاق القصيدة، ويزيدها عمقا ابداعيا.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

دلال خلف ... تفاصيل أكثر
قاسم حسون الدراجي ... تفاصيل أكثر
علي العبودي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
  في مقالي هذا أود ان اكون قريباً من الاسئلة التي تطرح عن تجديد السؤال الديني، وسط رغبة بتكرار الدعوة الى اسكات ما ليس له ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر