نساء رائدات في مجال التربية والتعليم

عدد القراءات : 1441
حجم الخط: Decrease font Enlarge font

وفاء الصغير

 

 كان التعليم النسوي في العراق قد مر بمراحل متعددة تأثر في أثنائها بعاملي السياسة والدين ، ففي حقبة الحكم العثماني لم تملك المرأة من وسائل التثقيف والتعليم شيئا يذكر كونها كانت تعيش في ظروف متخلفة فرضها عليها تخلف المجتمع نفسه ، ولهذا لم تشهد هذه الحقبة سوى اعداد قليلة من المدارس والكتاتيب التي اقتصرت على تعليم القراءة والكتابة، واذا ما استثنينا مدارس الأقليات غير المسلمة فان تعليم المرأة يكاد ينعدم ..

ولعل تقاليد المجتمع العراقي وعاداته المترسخة التي كانت ترى في خروج الفتاة من بيتها من اجل التعليم أمرا يؤدي الى إفسادها هي التي وقفت وراء قلة عدد مدارس الإناث فضلا عن أن العراق عاش بمعزل عن تيارات النهضة الفكرية والثقافية الناشئة في مصر وسوريا نهاية القرن التاسع عشر ، تلك النهضة التي دعت الى تحرير المرأة وضرورة إفساح المجال للحصول على حقها في التعليم .

بدا تشدد المجتمع العراقي وتعصبه تجاه التعليم النسوي يضعف ويحل محله اتجاه مغاير بفضل تيارات النهضة الفرنسية التي بدأت تنتشر في ارجاء الدولة العثمانية والتي نتج عنها فتح عدد من مدارس الاناث في أرجاء الوطن العربي ، فضلا عن تأثيرات النهضة الحديثة المنبعثة من بلاد الشام ومصر التي بدات تياراتها الفكرية تجد صداها الواسع في العراق عن طريق الصحف والمجلات التي تصل العراق ، والتي حملت بين طياتها أفكارا ومقالات تدعو لوجوب تعليم المرأة باقلام رواد النهضة النسوية أمثال ( قاسم أمين ) . وقد تركت هذه الصحف والمجلات أثرها الواضح الذي نجم عنه الدعوة لفتح أول مدرسة للإناث في بغداد ، والتي افتتحها الوالي في العام 1899 في محلة الميدان الجديدة ، والتي كانت تعرف انذاك  بأسم ( اناث رشدية مكتبي ) والتي كانت تضم الدراسة الابتدائية والمتوسطة وتدرس علوم القراءة ، مبادىء الحساب ، الجغرافية والتاريخ العثماني ، وبلغ عدد طالباتها انذاك (95 ) طالبة ، وكانت السيدة مشكور خاتم / والتي كانت وظيفتها انذاك كمعلمة اولى (مديرة المدرسة) ،وكانت تعاونها بعض المعلمات مثل زينب خاتم ، أم كلثوم خاتم ، مدام اليانور ، وفاطمة خاتم ..وغيرها 

عد إنشاء هذه المدرسة بمثابة حجر الأساس في حركة التعليم النسوي التي شهدت ، بعد هذا التاريخ تصاعدا تدريجيا وتطورا ملحوظا ، ففي العام ( 1908 ) قامت نظارة المعارف العثمانية بافتتاح ثلاث مدارس للإناث في بغداد ، الاولى في الكرخ والثانية في محلة البارودية في الجانب الشرقي والثالثة في محلة باب الشيخ في الجانب الشرقي أيضا 

ومع بداية سنوات الإنتداب البريطاني للعراق شهد عدة دعوات من السيدات المثقفات الى حكومة الانتداب والتي تدعو الى فتح مدارس أخرى للإناث ، لكن هذه الدعوات شهدت تلكؤا في استجابة حكومة الانتداب البريطانية ، الى ان قامت الست ( زهرة خضر ) بتخطي كل العقبات والمعوقات وافتتحت مدرستها عام ( 1918 ) وبلغ مجموع الطالبات المنضمات اليها (40 ) طالبة ، وقوبل عمل الست زهرة بالاعجاب لجرأتها وعزيمتها وقوتها ، الا أنها في ذات الوقت تعرضت للنقد الحاد من قبل المعارضين ولم تتلق دعما يذكر من حكومة الانتداب واستمرت الست زهرة بالعمل في هذه المدرسة حتى العام (1920 ) عندما قامت ( المس بيل ) بالحث لفتح مدرسة للإناث في الخامس والعشرين من كانون الثاني ، عرفت باسم مدرسة الإناث الرسمية . فقد قامت نظارة المعارف بالطلب من الست زهرة بغلق المدرسة وانضمت لكادر المدرسة التدريسي الذي كان مكونا من الست ( ارسيال خانم ) نائبة المديرة ، والمعلمات زهرة خضر ، نظيرة خانم ، صبرية خانم ، هلن سعدي خانم ، وقد نجحت هذه المدرسة الأولى من نوعها والتي كانت تدرس مواد اللغة العربية ، اللغة الإنكليزية ، الحساب ، التاريخ ، الجغرافية ، التدبير المنزلي ، علم حفظ الصحة ، الرياضة والعلوم ، القرآن ، في تحقيق أهدافها المنشودة بفضل معلمات المدرسة ، الأمر الذي أسهم في تشجيع حكومة الإنتداب على الاستمرار في هذا المنهج في ألوية العراق الأخرى ، فقامت في العام 1920 بتأسيس مدرسة مماثلة في لواء الموصل وثانية في لواء الديوانية ، والثالثة في جانب الكرخ في بغداد ... 

إستمر التصاعد النسبي في إعداد المدارس الإبتدائية ، لكن هذا الأمر لم يسر على التعليم الثانوي الذي لم يشهد افتتاح مدرسة ثانوية الا في العام الدراسي 1929 ــ  1920  في لواء بغداد ، ولم تنتم اليها في سنتها الأولى سوى ( 11 ) طالبة ، وهنا نرى من المستحسن أن نشير على نحو خاص ، الى واحدة من رائدات التعليم الثانوي النسوي في العراق ، وهي السيدة ( أمت السعيد ) التي بذلت جهودا كبيرة لتطوير أول مدرسة ثانوية للإناث في العراق ، ثم أشرفت فيما بعد على شؤون التعليم النسوي في وزارة المعارف ، لتعد بذلك واحدة من فضليات الأديبات حسب تقويم أحد الباحثين ...

إزاء الاستمرار في افتتاح مدارس الإناث ، واجهت وزارة المعارف مشكلة توفير كادر للتدريس بهذه المدارس ، ، فقامت عام ( 1921 ) بإنشاء صف للمعلمات في مدرسة البنات المركزية في بغداد وفيما بعد تم تغيير اسمه الى دار المعلمات الأولية والتي كانت تستقبل خريجات المدارس الإبتدائية اللواتي يقضين في الدار سنتين دراسيتين ، وضم الرعيل الأول من خريجات هذا الدار الطالبات : حسيبة الشيخ داود ، فهيمة ابراهيم ، مديحة توفيق برتو ، نزهت حميد ، مكية صالح ، حسيبة نجيب ، عفيفة توفيق ، وصيفة واصف ، وصيفة توفيق ، مقبولة عزت ، خديجة صالح ، وجميلة علي ...

شهدت الحقبة التاريخية الممتدة قبل عام 1932 وحتى العام 1945 تطورات سياسية ، اقتصادية واجتماعية تركت أثرها الواضح على الوضع الاجتماعي للمرأة فقد شهدت انعطافة جديدة في تاريخ التعليم النسوي ونقطة تحول ملموسة في مسيرتها ، التي لم تكتف بالفرص التعليمية الممنوحة لها ، بل سعت لطرق أبواب التعليم العالي ، الذي كان مجرد التفكير بولوج هذا المضمار يعني سيرها بطريق يحمل عقبات كثيرة ، فالقبول بالكليات كان مقتصرا على الذكور وذلك لوضع المرأة الإجتماعي فإذا ما فكرت الفتاة بإكمال تعليمها العالي إضطرت للسفر خارج العراق ، على الرغم من ان قانون الكليات الأساسي لم يكن يعارض انضمام الاناث للكليات لكن المسؤولين وأساتذة الكليات كانت تحكمهم التقاليد والعادات المتوارثة التي تعارض دراسة الاناث المختلطة مع البنين ، لذلك شهدت هذه الحقبة سفر عدد من الفتيات خارج العراق لإكمال تعليمهن العالي ،.. وهنا تسجل السيدة ( مديحة صالح زكي ) كأول عراقية رائدة تسافر الى الخارج ، وعلى نفقتها الخاصة ، ففي العام 1926 سافرت الى فرنسا لدراسة طب الأسنان ، وبعد عشرة أعوام أي في العام 1936 سافرت مرة أخرى للحصول على شهادة الدراسات العليا في طب الأسنان ، وشهد العام ذاته أي عام 1926 تحولا آخر بسفر أول بعثة حكومية تضم سيدتين هما الرسامة السيدة ( مديحة ياسين عمر ) والسيدة ( مارتا عساف ) .. على ان التطور الأكثر وضوحا جاء في العام ( 1933 ) من قبل الطالبة 

( ملك غنام ) التي سجلت وبكل فخر ، بعدها أول عراقية تدخل الكلية الطبية رغما عن العقبات الكبيرة التي لاقتها عند قبولها في الكلية ، فيذكر والدها الصحفي الرائد ( رزوق غنام ) انه تقدم بطلب عام 1932 الى عمادة الكلية لقبول ابنته ، لكن طلبه رفض فطرق بعدها أبواب مدير صحة بغداد الذي رفض هو الأخر هذا الطلب الذي يعد الأول من نوعه ، فماكان منه الا ان يتشرف بمقابلة الملك فيصل الأول ، الذي أصدر بنفسه قرارا يقضي بقبول ابنته كأول طالبة في الكلية الطبية ، وفي خطوة متشابهة سجل العام ( 1936 ) التحاق أول طالبة في كلية الحقوق هي ( صبيحة الشيخ داود ) .. وكانت هذه الخطوط عاملا مشجعا لبقية الاناث لطرق ابواب التعليم العالي من جهة ، ومحفزا لوزارة المعارف التي شملت انتماء الطالبات للكليات ، ففي عام 1936 فتحت دار المعلمين العالية أبوابها أمام الطالبات مسجلة انتماء ( 15 ) طالبة تخرجنا في العام الدراسي 1940 ــ 1941 وكان من ابرزهن : بدرية محمد علي الهاشمي ، بدرية محمد علي الوكيل ، اليس سمعان ، ، عزة الاستربادي ، لطيفة متي كرومي ، زهرة باقر الجلبي ، جوزفين صالح ، هيلة مراد ، وفي العام الدراسي ( 1940 ــ 1941 ) تخرجت أول طالبتين من كلية الصيدلة والكيمياء ، هما الآنسة ( جوزفين برجوني ) التي تعد اول صيدلانية تمارس العمل الحر والسيدة ( رحيمة يوسف ) .. شجعت هذه الخطوات الإيجابية عمادات الكليات الناشئة حديثا على فتح أبوابها للإناث أسوة بالذكور ، فكلية الهندسة المؤسسة في العام 1942 ، استقبلت في العام 1946 طالبتين هما ( سعاد علي مظلوم ) و ( جوزفين غزالة ) اللتين تخرجتا عام 1950 وخطت كلية الآداب والعلوم التي أسست عام 1949 ، خطوة مماثلة عندما انضمت اليها في سنتها الاولى ( 14 ) طالبة تخرجن في الدفعة الأولى المتخرجة عام 953 /954 وكان ابرزهن : جانيت توفيق قصير ، جوليا غريب ، حياة جميل حافظ ، خالدة ضياء الدين ، سافرة جميل حافظ ، سعاد حبيب سرسم ، ناهدة صبري رسام ، نجلة مظهر ، نصرية نعمان الأعظمي ، وديعة طه النجم ، فيوليت سليم...

أما كلية التجارة والإقتصاد ، المؤسسة في العام 1947 فقد تخرجت الدفعة الأولى من خريجاتها في العام 1950 ــ 1951 فقد خرجت دفعة من الطالبات أبرزهن : رحمة طويق ، جوليت حسقيل ناجي وسمحة يامين ..

حفز هذا التوسع الكبير في اعداد الطالبات المنتميات للكليات من جانب ولسد النقص الحاصل في اعداد المعلمات والمدرسات من جانب آخر ، وزارة المعارف لتأسيس معهد الملكة عالية الذي سار على غرار نهج دار المعلمين العالية ، الذي رفعت درجته الى كلية في العام 1948 ، والتي عرفت باسم الملكة عالية ، والتي استقبلت في سنتها الأولى ( 89 ) طالبة ، استمرت بالتوسع حتى أبدل اسمها بعد ثورة 14 تموز 1958 باسم كلية التحرير للبنات لتكون بذلك أول كلية رائدة للبنات .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر