لعبة المتخيّل والواقع في تقشير رواية (بيت العناكش) للتونسي سمير ساسي

عدد القراءات : 134
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لعبة المتخيّل والواقع في تقشير رواية  (بيت العناكش) للتونسي سمير ساسي

علي لفتة سعيد

 

تبدأ رواية ( بيت العناكش) للتونسي سمير ساسي منذ لحظتها الاولى بالعنوان الذي نسميه البوابة التي يدخل منها المتلقي الى مدينة الرواية.. ولان العنوان مستل من واقعة أو هو عملية نحت لغاية تدوينية وهو النقطة الارتكازية لتفعيل المستوى التأويلي، فان المتلقي هنا سيذهب الى عملية البحث. وستكون عملية التفسير مؤجلة.. خاصة وأن الرواية في استهلالها تبدأ بمستوى إخباري وهو مستوى يحتوي على ثيمة حكائية تبدأ من جملتها الاستهلالية بوجود صراع وتفعيل العنصر الدرامي الذي سيبحث عنه القارئ مثلما سيرتّب المتلقي أدواته لتفكيك المتن السردي التي يقود به الروائي شخوصه وأحداثهم في بنية تدوينية تأخذ بالعلاقات السردية ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار، أن القارئ هو الذي يهتم بتكامل الحكاية والمتلقي هو الذي يبحث عن كل مقومات البنية للتدوينية السردية.

وأول ما يصادف المتلقي، وجود راوييْن يديران كفة الحوار والمتن السردي وبالتالي حاصل جمعهما يؤدي إلى وجود الروائي ذاته.. الأول: هو الذي يروي الحكاية بتفصيل وحركات شخوصها.. والثاني: هو الراوي الموازي الذي يكون الروائي فيه جزءا من اللعبة السردية وهو ما يعني محاولة الروائي كسر جمود التصاعد الحكائي والانتباه إلى اللعبة السردية من جهة وكذلك محاولة جذب المتلقي ليكون معه، وهي طريقة قد تبدو مرتبطة بما يطلق عليه الراوي العليم، لكني هنا أراها طريقة للمناورة في اللعبة السردية (وتلك قصّة أخرى هو الآن منشغل عنها بخلوة يرجوها ويعجّل لها إذ يداهمه وقت السؤال.) ص 5

أدوات السردية

إن المتن السردي يعتمد على طريقتين في ترتيب المفردة: الاولى: الاخبار بطريقة التسارع المعلوماتي لكي يكون متواصلا مع المتلقي.. والثانية: التدوير في التلاعب الحكائي والتحول من الحكاية إلى السرد من خلال إعادة الجمل بطريقة أخرى أو بالتكرار ذاته والإعادة وكأنه يريد البقاء في حلبة الإخباري من جهة وحلبة الروائي على لسان الراوي الذي أراده، وكأنه يتحدث مع المتلقي بما يشبه جلسات السمر حين يتحدث الحكواتي وينتقل ويعيد ويرتب ويمضي إلى زمن آخر بمتنٍ آخر ويعود الى ما مضى ليتقدّم من جديد.

ولهذا نجد ان لعبته التدوينية تريد الانفلات من فم الحكواتي المباشر الى فم التدوين والمفردات واللعبة المسرحية أيضا، في مناورة قد تبدو خارج سياق السرد لكنها داخل تبويب اللعبة ( قال بعضهم: ربّما رقّ لموتها صغيرة، ومثل موتها يبكي له الرّجال.قال آخرون: لعلّه أحد أقاربها الذي لا نعرفه جاء من قرية بعيدة للعزاء) ص6

وهو أيضا يستخدم إعادة التكرار بالمفردة في أكثر من موضع وداخل الصفحة الواحدة ،وكانه يريد التأكيد على أهمية هذه المفردة في تثوير الصراع والتنويع في فعلها الدرامي والانتقال في تأويلها اللغوي.

كما في مفردة ( العرق ) التي وردت في الصفحة التاسعة (يتأفّفون من عرق يتصبّب عليهم) و(إذ انشغلوا بالعرق يتصبّب عليهم ومازال في الطريق) و(لم تهتمّ كثيرا للعرق يتصبّب عليها ) و(حين ذكرت عرق الصّيف) و(ماذا تساوي ساعة من عرق الحافلة أمام سنوات؟) و(من عرق لا ينفكّ في سجن لا ينقطع؟ وزادت إلى العَرَق دمعا لم ينتبه إليه المسافرون، فقد انشغل كلّ بعرقه، وتوجّس من تأفّفه خيفة أن ينقل بعض المخبرين أمره إلى الحرس القديم فيمدّ لهم في زمن العرق المتصبّب بعد أن يغلق دونهم مكيفات الهواء) و(فجاءهما السّجن والعَرَقُ) وهي هنا لعبة الدوائر التأويلية وتفعيل المستوى القصدي في بنية الكتابة. وفي الرواية الكثير من هذه التكرارات التي قد يكون بعضها غير محبّذ إلّا اذا أخذه المتلقي على أساس أنه اللعبة الحكواتية من جهة والتأكيد على اللعبة السردية غير المتصاعدة عموديا ولا تنفرش أفقيا في السياق التدويني.

ولأن الرواية تندرج في ما اصطلحت عليه ( النص الغاضب ) على حقبة زمنية فان الحكاية وتأويلها مناطان بالمتلقي والقارئ معا، وهو ما يمكن رؤيته حين يتحوّل السرد من الراوي الذي يتحدّث بصيغة الغائب الى الراوي الذي يتحدث بصيغة المتكلم، وهي لعبة سردية قائمة على أساس تناوب الروي بين الشخصية الرئيسة وبين الراوي الذي ينيب عن الروائي، وهي لعبة لا تريد أن يشعر المتلقي فيها بالملل أو يكسر لديه أفق التتابع الافتراضي للحكاية وتجعله يفكّر من هو المتحدّث؟.. إنه يستخدم أيضا طريقتين في صيغة الروي.. الاولى: عملية تناوبية في المستوى الاخباري الذي كان مهيمنا كليا على سياق الروي وطريقته التدوينية، بغيابٍ واضحٍ إلى المستوى التصويري الذي يحاول أن يجد له منفذا للخرج ولو برأسه.. الثانية: منح الراوي جرعة معلومات غاضبةٍ ليؤكد فاعلية ردّة الفعل على الوقع الذي تسبّب بأزمة السجن وأزمة الموت وأزمة المقبرة، ومن ثم تلك المناورات العديدة التي جعلت المتن السردي يعتمد على التتابع الاختلافي في طريقة التعاكس ما بين الحكاية التي قد تكون ردةّ فعل، وما بين اللعبة السردية التي يريدها أن تكون هي الفعل (أعجب الحرس بالفكرة لكنّه عذبها حين اجتهدت، طاعته أفضل من سبق قد يفوز به تحمله إليه.. قال لها مدير السجن فاعتذرت فلم يقبل واستشفعت فلم يشفع لها فعرضت عذابها عليه فرضي ولم يعذر.) ص110

اللغة وتقشير العنوان

إن ثيمة الرواية قد تكون أقرب إلى الوقائعية وليس الوثائقية إن صحت التسمية، كونها تحمل حقائق تدوينية زجّت في الغاية التخييلية التي أعانتها اللغة لتكون سردية متخيلة.. بمعنى أن اللغة محمول إنقاذي ومسند إبداعي لكي يتخلّص الروائي من عقبة تحويل الواقع إلى مبنى سردي.. ولأن المتلقي العربي ربما سيواجه مهمة تفسير العنوان ومن ثم تقشيره وإحالة المعنى إلى المستوى التأويلي فإن المستوى القصدي سيكون هو الدارج أيضا في المحمول الدلالي.. فالسجن عالم رهيب لا يدركه إلا من كان ضمنه ولا يريد أن يكون ضمن ( العناكش) التي قد يعدّه المتلقي في البدء عنوانا أقرب الى بيت العناكب، وهو بيت نسيجي للصيد والعيش والأمان، لكنه في الرواية هو بيت المقصلة السياسية والسجن الاستبدادي.. ولأن الواقع العربي هو واحد ولم يتغير حتى  بعد ما حصل في الربيع العربي الذي انطلق من تونس، إلا أن الواقع الروائي هو وحده الذي تغير ليكشف لنا عن المسكوت عنه.. مسكوت ليس السجين العربي بل السجينة العربية المرافقة للسجين الرجل.. ولهذا فان الربط التدويني في الرواية سيكون أشبه بمعادلة بين طرفين مهمين:

العنوان: تقشير الماكنة التأويلية وفق اللّهجة التونسية..

المتن: مراوغة الواقع مع المتخيل في إنتاج مساحة حكائية فاضحة لزمن ماض.

الزمن: ارتقاء المنصة العالية من أجل الرؤية الكاملة وإن كان هناك انحياز مضاد لمرحلة زمنية قاهرة في تونس

اللغة: مناورة الجملة وتكرارها والاعتماد عليها في تبويب الظاهر والمخفي.

التدوين: لعبة استدراكية بين الواقع الذي غلب على الحكاية، والمتخيل الذي أراده السرد.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عبدالامير المجر ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
  في مقالي هذا أود ان اكون قريباً من الاسئلة التي تطرح عن تجديد السؤال الديني، وسط رغبة بتكرار الدعوة الى اسكات ما ليس له ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سهى الطائي ... تفاصيل أكثر
صالح هيجل الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر