كتاب نادو (فصل عن مرئيات الكتاب وسيمائيته)

عدد القراءات : 13
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
كتاب نادو (فصل عن مرئيات الكتاب وسيمائيته)

((ولا تظن أن سر الحروف مما يتوصل إليه بالقياس العقلي، وإنما هو بطريق المشاهدة والتوفيق الإلهي.)) البوني ((عندما رأيتها لأول مرّة كانت تربّي النحول في الكثبان لكي تقوى على العدو وراء الريح..)) شوقي عبد الامير / كتاب نادو

نعيم عبد مهلهل

 

8

إذا تعمّقت الرّؤيا في ذات ليست مقروءة فإن كشف السّر عبادة، والفضل في جعل الحرف في جمعهِ صورة ومعنى يعود إلى حرفة صائغ، ومتى كان الصائغ (مندائياً، عربياً، يسوعياً، توراتياً، ايزيدياً، هندوسياً، بوذياً، وثنياً، ماركسياً) فإن عليه أن يعرف ثقافة التّحوّلات قبل أن يجعل سيماء الكتابة منهجاً لطغراء الغيب في تواقيع روحه، وأشدّ ما يظهر في الفعل لحظة التأليف أن الملامح لا تشي بما يخبّئه العاشق إلا حين تصير صلاته صوتاً تُسمع القلوب قبل صيوان الأذن والمايكروفونات. وذلك هو صوت شوقي عبد الأمير في نادو.

أتيتُ إلى هذا الفصل قبل فصل آخر، أتحدّث فيه عن مقارب روحي يشعره الشّاعر والمنظر المهم علي أحمد سعيد (أودنيس) وهو يكتب مقدّمةً بإيقاعٍ يتوافق تماماً مع ما يسكنني في رؤيا النظر إلى نادو كقارئ وباحث وناقد، غير أني لا أصل إلى تفكير أدونيس ولغته وهو يفتح في مقدمته لكتابٍ شعريّ سيصدر لشوقي عبد الأمير بالفرنسية، يفتح المغلق بمشفرة فهمه العميق للشّعر ومكانته الحضاريّة وتأثيره الروحي، وتبدو كلمات أدونيس تعاليم كاهن أو وصايا عرّاب أو إضاءات لمنظر أو قراءة بديلة لما كان يقوله الحلاج لو قرأ الكتاب بترجمة صديقه لويس ماسينيون.

وبعيداً عن مقدمة أدونيس السّاحرة نعود إلى كتاب نادو في قراءتنا السيمائية للنّصّ والتّعامل مع المادة السّحرية التي يتعطر فيها الحرف ومن ثمّ يمرّ من بين أصابع الشّاعر، ليتحول إلى كلمة، وبكلمة يأتي مؤثر الفهم حتى عندما نراه يأخذ من مرئيات المكان السّومري أو الشّرق في جهويته وموروثاته يأخذ ابتهالات الغرام الذي نسجته القصيدة المقسمة إلى مزامير وأدعية وأناشيد تتجمّع كلّها عبر سيماء السّحر والتّسحير لتكون شاهداً على حضور روح الشّاعر (شوقي عبد الأمير) وهي تعود إلى الزّمن القديم لتنسجم مع مفرداته وموجوداته وممكناته ولذائذه التي تنتج هنا تلك الرعشة الموسيقية التي تنتهي عندها نهايات كل مقطع:

((أعرف الآن أنْ لا فرقَ بين السماء والأرض،

بين طمي الأنهار ولعنات الآلهة

بين القرى والأرامل

وكذا بين الجسد والماء

فقد كنتُ قبل حين

أعوم في رحم الآلهة الأم

وصيحةُ ولادتي لم تهدأ بعدُ

في صوتي.))

هذه اللّغة المسكونة بسيماء التّحدي سبقتها رغبة الشّاعر بالصّعود إلى مكامن الآلهة، وهنا سنعرف تماماً أنّ الشّعر يريد أن يحوّل الغيب إلى وقائع منظورة في عصر تكاد تغيب عنه تلك الإيماءات التي شكّلها ابن خلدون إشارات للتفاهم بين البداوة والحضارة، والتي تحدّث عن روحها باولو كويلو في الخيميائي وبحث في مدلولها السهروردي وابن سينا وكهنة برج بابل وأنبياء اليهود الذين أتوا مع السبي البابلي، هؤلاء لا يستحضرهم بالأسماء كتاب نادو، ولربما الشّاعر لم يشتغل عن قصد معهم على الرغم أنّه يعرف ثقافتهم كلها، ولكنّهم من غير قصد ودراية، يأتون هنا في متن المكتوب وإحساسه، ويتشكّلون مع تدافع الرؤى التي بثها في أناشيد الحدث والأسطرة والغرام وربما مثلي سيتلمّسون بقايا عطر أثر ما يدوّنه، ليشعرنا أن سيماء الحسّ هي ذات سيماء الكتابة في مدونته (نادو)، تجسيد فعليّ للرّغبة في الخروج من أرحام الآلهة إلى عالم المتغيرات هذا ليثبت إمكانيّة الشّاعر ليكون الحامل الدّائم لبوصلة الحلم.

ومادام القول إن أول السّيماء سحر وهي نوع من أنواعه، فإن السّحر الذي يقوم شوقي عبد الأمير بتأليفه وليس تحضيره، إنما هو جزء من حسابات لم ينظر إليها كجمالية أخرى في المشهد الشعري العربي الحديث.

فحين سألوا رابعة العدوية ذات مرة: ما نفع كل هذا الغزل الإلهي وليس قرب وسادتك سوى الرمل؟.

قالت: هذا الرمل متى سمع آهاتي أصبح ذهباً. فاغرفوا منه فهو يباع في أسواق بغداد بالمثاقيل.

نعكس الأمر على تلك الهواجس المبثوثة بصدى إيقاعات اللغة وموسيقى عباراتها، فنستحوذ على لحظة من ذهب الإصغاء المدوّنة وهي تمشي مع منظورها وسياحتها ورحلتها في طرقات الزمن رجوعاً إلى الماضي وعودةً إلى الحاضر، وكلّ بذرة هذا الهوس من الإنشاد والتّأليف والسبك هو شعور بالحبّ ولا غير الحبّ.

((البياض

طباشير روحها

تكتب به على الماء

لا لنقرأ... بل لننسى ما نقرأ

 

تطوف... لا تعوم

كما لو كانت هي الالهة والحجيج

والكعبة البيضاء

هذه البجعة 

نور غريب في البتلات

يشبه ذاك الذي يومض في الإطلالة

على العدم.))

هذا المدلول في سند المعرفة والنظم والقراءة والتغزل هو ما جعل الشّاعر شوقي عبد الأمير يعيش ثمالة أن يكتب، وربما هو لا يعلم أنّه يؤسّس لسيماء غرام تسكنها دلالات الوعي والغيب والتيه والاستحضار والأيروتيكيا التي بقيت مثيرة وهي تحاول أن تتبارز مع ذلك التراث الهائل من قراءاتنا وآثارنا وثقافتنا لتستجمع الآن في لحظة مختلة جسدها، فعل ما كان يراه ابن العربي في سيماء التشبّث بما هو خفي في القول: دعنا نذهب إليه لأن مجيئه خطيئة لا تغتفر.

شوقي عبد الأمير في كتاب نادو، هو يذهب إليه، وذلك بقوامه و روحه وعطره وأنوثة من يجيء إليه، وربما هذه العبارة التي كانت مقدمة للمقطع المستلّ من الكتاب أعلاه، ترينا كل ما قصدناه بأن نجعل من سيماء الجسد والرّوح ممراً لقراءة بعض فصول مرويات ومشاعر هذا الكتاب ذي الغلاف الأزرق، وفيه تعطينا سافو شيئاً من الحيرة والشّهوة والطّاقة لنكتب ونمارس ونكرع خمر تمر نخيل سوق الشيوخ مع الجمع المبارك من آلهة كل مدن نادو صاحبة العلا الأثيرة ونديمة السّحب التي تمرّ من فوق الزقورات:

((المعرفةُ هي ما يَثقلُ حملُهُ

لا الجَمال))

هذه المعرفة في الدلالات الحسّيّة والعلميّة والشعوريّة هي ما دعت الشّاعر ليمضي في مغامرته، وإذا أمهاتنا كنّ يطرّزْنَ سيباتهم بتوهج وجوه الأبناء، فأنا أطرّزها بقراءة تلك الدّهشة الناعمة التي تصنع الأثر بروح تلك السيمائية التصويرية الحاذقة، عبر دلالات الصوت والمعنى. هي معرفة للهاجس، ولدقّات القلب، ولما يؤديه الشّعر من دور روحيّ ومجتمعيّ وحضاريّ حتى عندما يكون كتاباً عن الحبّ مثل كتاب (نادو).

 في النهاية وعند سيماء المكان وحسّه والمؤثّر الذي يصنعه لنا شوقي عبد الأمير في كتابه، سنصل إلى إدراك، أن الكتاب يمنحنا قناعةً بأنه كُتِبَ ليكون مصدراً للبوح في خشيته وسره وعلنه، إنّ الرّؤيا المتخيّلة تأتي ذاكرة مهمومة بتعقيد غريب إزاء كلّ الذي كان يدور في ذلك العالم، فقد كان الانتباه لما يحدث حتى في تعاقب الفصول ودورة اليوم الواحد، والرغبة بصناعة الغرام والمسألة الرياضية، يشغلان حيزاً كبيراً في لغة الوعي التي بدأت منذ ازمنة الاشارة واللغة المسمارية وحتى مدونات مسلات الحروب التي كانت تحمل بين طيات مديحها للملوك المنتصرين، هاجس الرؤيا، عبر جعل هذا الانتصار نشيداً سماوياً لم يتحقق إلا عندما اتت الآلهة بعرباتها المدججة بالسّلاح وهزمت الغزاة، وحتى في قصائد العشق وتضرعات البحث عن الخبز والسّعادة كان السومري يركن إلى روح قانعة في خيارات ما يحدث، لهذا حتى في قصائد الأعراس ومواسم الحصاد والمطر، تشاهد خيط الحزن يلف رقبة القصيدة كما يلف قوس قزح سماء الأرض بعد يوم ماطر، إنها أبديّة ولدتْ ومازالت تعيش في أحفاد المكان، فمرات أتخيّلها مضيئة وواضحة حتى في وجوه أطفال الجنوب عندما تظهرهم صور الصّحف والفضائيات وهم يسدّدون نظرة الريبة إلى دبابة وخوذة جندي محتل.

تلك هي الرّؤى وسيماؤها ومشهدها الذي يكاد يكون مشغولاً بحرفة سينمائية جميلة ومعبرة وغرائبية  عندما يكون فيها الاستحضار والمناجاة هاجسا كبيرا من مادة الكتاب الشعرية، إلا أنها عبر دلالات الفهم والعلم تأخذنا إلى إدراك رسالة الشّاعر في الحياة. وهنا في كتاب نادو لشوقي عبد الأمير فإنّ الرّسالة ليست قادمة من مصطلحات وقواميس وكتب، إنما هي من وضع القراءات بعيداً، وعاش إحساس الشّاعر بذاته وموهبته وقدرته على استحضار من يحب، وهذا أيضاً كما في السيمائية يحتاج إلى استحضار طقسٍ قويّ من طقوس السّحر والمعرفة بعمله وأدائه وإرساله لمن يريد أن يجلبه معه إلى داخل جبته:

((النظر في الما وراء

هو الذي أغرى الآلهة

في استدراجها إلى معابدها

والانكسار

في انحنائها فوق النيلوفر

درسٌ في الأنوثة.))

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سهى الطائي ... تفاصيل أكثر
صالح هيجل الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
احسان جواد كاظم ... تفاصيل أكثر
جواد علي كسار ... تفاصيل أكثر
صادق كاظم ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غياث الكاتب ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر