فنطازيا المرآة وشيطان التاريخ ومأساة الحاضر في رواية ( تعويذة علام )

عدد القراءات : 19
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
فنطازيا المرآة وشيطان التاريخ ومأساة الحاضر في رواية ( تعويذة علام )

في رواية تعويذة علام الصادرة عن دار أكتب المصرية عام 2018 تحمل الكثير من التأويلات والمقاصد والفنية المقبولة بطريقة السرد .. موضوعتها لا تحتمل إلا انتهاج هكذا طريقة سردية في المقابلة التي تمكن الروائية من جعل راويتها تقشر الاحداث المنتشرة على مساحة واسعة من التاريخ والحاضر وما بينهما .. تعويذة علام التي تكشف أسرار الماضي وقسوته ودسائسه وتأثيره على الحاضر مثلما يكشف العنونة التي لا تكون هي بوابة المدينة كما تعودنا ذلك بمعنى أن ( تعويذة علام ) لم تكن سوى لمحة حاضرة في كل زمن، أو روح شيطانية متواجدة في كل حين.. والتعويذة هي ما يصدر عن هذه اللمحة الزمنية أو الروح المتواجدة في داخل كل نفس .. إنه العنوان الجامع الأعلى في مستواه التأويلي مثلما هو في مستواه القصدي وحتى الفلسفي .

علي لفته سعيد

 

الرواية التي جاء الإهداء فيها الى القارئ وليس الى أية شخصية مرتبطة بالروائية هيكل، وهو ما يعبّر عن إن موضوعة الرواية ليست حكاية شعبية ترويها وتمضي ويأتي المتلقّي ليضع التأويل ويفكّك الأحداث ويربط المقاصد، بل هي معنية إنها تتحدّث الى المتلقّي الذي تريده أن يسافر ( بين الكلمات المرتحل بخيالك الى أبعد النجمات. فلنمض سويا نعبر عالمنا الى ابعد المسافات ..) هذا الإهداء عتبة أولى قبل العنوان، لأن العنوان لم يكن عتبة متقدّمة بل هو حاصل جمع الأحداث التي تروى في جسد الرواية وترويها الروائية في روح الفلسفة وتدوّنها اللغة في مبنى المقاصد المتعدّدة التي قد تتجمّع فترةً وتتفرّق وتنفرط عقدها مرات .. لذا فهي تخاطب القارئ / المتلقّي أن يكون معها قادرًا على لملمة الأحداث والأسماء واتّساع الحكايات وتفرقّها، رغم إن مساحة الرواية ضّيقة نوعا ما، فاتّسعت لديها الأحداث.. المساحة هي المرآة التي تبدأ معها بطريقة الاكتشاف .

الاستهلال والدوران في الفلك

    الرواية تبدأ من استهلالها، من سطرها الثالث حيث تنكشف الشخصيات.. الجدّة التي تريد الموت، والحفيدة التي تستلّم التعاليم وتكون الجملة الجبلية ( تخلّصي من كل ما بالبدروم ولا تفتحي مقفولا ولا تنبشي مردوما ! ص7) هذه الجملة تجعل الأحداث تركض وراء بعضها مثلما تجعلها تبحث عن الحبل الذي يربطها .. فيسير العمل في تقشير المقصود في الحكاية، بدءًا من لا تفتحي مقفولًا، حيث يبدأ الصراع بفتح ما لا يمكن فتحه والعثور على المرآة التي تسبّب كلّ الصراعات والفعل الدرامي في الرواية ..الصراع الذي يمتد من الصفحات الأولى في القسم رقم واحد الى القسم رقم 27 وهو القسم الأخير، حيث يبدأ النبش وهو ما يعرف من هذه الكلمة هي العثور على كنز أو العثور على جثةٍ في قبر .. والمنبوش هو جثّة لها مدلول أب الحاضر الذي كان مسؤولًا عن موت الحاضر نفسه، وعدم الارتباط الجدّي بالتاريخ الذي كان تاريخًا متعبًا ومجرمًا ومملوءًا بالدسائس وعدم معرفة الجذور الحقيقة، أو انتهت بجذورٍ غير جذور المكان وهو الذي صنع أحداث المكان المعلوم / مصر .. وما بين الجملتين تمتد الأحداث عبر صيغتين من الروي ..المنولوج الداخلي حيث الحديث مع النفس من قبل الراوية، وهو منولوج يوضح ارتباط المتحدّثة التي تمثّل الحاضر.. والصيغة الثانية هي ما تعطيه المرآة التي يتم العثور عليها في الصندوق الذي يفتح لوجود الرغبة عند الإنسان لمعرفة الخفايا والممنوع الذي يكون مرغوبًا، رغم إن النهايات من هكذا نوع دائما ما يكون فيها الندم هو سيد الموقف .. حيث يتحوّل الروي الى رسم الصورة العامة للخارج المحيط بالشخصية الراوية رغم بقاء اللغة ذاتها في المنولوج.. الراوية تصف كل شيء أمامها في مقدرة تدوينية غايتها عرض كلّ ما يتّصل بالحكاية وتقشيرها أمام المتلقّي في رحلة رسم الموضوعة المرتبطة بالتاريخ من جهة، والممتدة بأصابع خائفة الى الحاضر.. لذا فإن المفردة في هذه الرواية تتمتّع بخاصيّتين مهمتين .. الوصف لكلّ ما يمكن أن يوصل الى المتلقّي من مهام الصورة، وكذلك الانتقال الحكائي مما يحمل عنصر الدهشة والقدرة على الجذب، رغم إن الأحداث محصورةٌ ومتسارعةٌ ومتنقّلةٌ ومقسّمةٌ على  27 قسمًا تتراوح ما بين صفحتين وعشر صفحات، محافظة على القدرة السردية التي تنتقل بالحكاية من كونها حدثًا ماضيًا الى كونها تدوينًا سرديًا.. ومن كونها روايةً ناطقةً بالحروف الى كونها صورةً واقعةً وصفيا.. لذا فإن اللغة تقود الحكاية لتثوير الصراع أيضا، وتقود الصراع لتفكّ أسرار الثيمة التي تنفتح مثل قشور البصل.. أنها مفردةٌ منقسمةٌ على ذاتها ومتوحّدة في مراميها، وأن بدت مكرّرةً في جهاتٍ مقصودة وهناك هنّات لغوية لكنها أيّ المفردة كانت مناسبة لهكذا أحداث.

المرآة والفعل الجامع

 إن المرآة هنا كانت لها وظائف عديدة، ليس فقط كونها المنطقة التي تم فيها فتح الصندوق لتكتشف الخفايا والإرث، بل لأنها الفاضحة لكل الفعاليات الأخرى.. المرآة تتحوّل في الحكاية الى مقابلةٍ ما بين الذات الداخلة للروائية وبين الشخصيات المتّصلة بها، وهي ايضا المنطقة الفاصلة في العملية التدوينية ما بين المونولوج إذا ما عدّ سردًا أفقيًا، وبين التحوّل العام لتثوير الصراع مع الشخصيات الأخرى إذا ما عدّ تدوينًا عموديًا.. وهي كذلك لوح المقابلة السردية من الناحية الانتقالية من الحكي المباشر مع الذات الى الحكي القناعي مع الآخر، كون المرآة هي التي تنقل الوقائع وتجذبها وتحضرها من فعلها الماضوي الى فعلها الحاضر، وهي بهذا أيّ الروائية انتهجت أسلوبًا يخلّصها من تراتبية الحكاية في تدوينها الاعتيادي، وكذلك يخلّصها من تبعية الزمن وتلاصقه وتداخله، فضلًا عن الانتقالات العديدة ما بين الأمكنة التي تعطيها المرآة دفقًا معلوماتيًا مهما.. وكذلك فإن المرآة هي نقطة الارتكاز في البنية الكتابية حيث تدور حولها الأحداث والفعاليات وتثوير الصراع والفعل الدرامي وما يدور في خلد الراوية ومعها الروائية من فعاليات الروي، حتى لكأن الحركة التدوينية تنتهج الأسلوب الدائري، حيث تدور كلّ الأشياء، سواء الشخصيات أو الحكاية أو الفعاليات الدائرة حول المرآة، حتى إذا ما سقطت أو اندثرت أو حتى اختفت لن يكون هناك معنىً للرواية، وهي بهذا تكون المتكلّمة والسامعة من فم الراوية لتضيء الحركة الدائرية لكلّ شيء.. ولهذا فإن هذه الحركة الدائرية تعتمد على التقطيع الى أقسام، وكأنها تعطي للمتلقّي استراحة ولقلمها القدرة على المواصلة بنهجٍ واحد.. المرآة وحكاياتها والراوية وفعلها وهي تدوّن في هذه الفقرة الأنفاس لتحاور لغتها وتفعّل ثيمتها وتعطيها الجانب الفنطازي والغرائبي وحتى الغيبي في التقاط المحور الزمني والمكاني ليكون حاضرًا وسحب الماضي كما أسلفنا ليكون هو الحاضر وترحيل الحاضر ليجلب ما قبله والذي يمكن أن نطلق عليه مرحلة الأبوة أو الآباء رغم إن هذه المرحلة هي الأقل في عملية الكشف التي إرادتها الروائية أن تكون مسؤولةً عن غياب وتأصيل التاريخ بفعل ارتكاب الآباء للجريمة الثقافية والأخلاقية وحتى الدينية والوطنية، وهو ما حصل في الأقسام الأخيرة حين تحضر الأم المنتحرة والأب الذي يعشق أخت زوجته وتم قتله بالسم من قبل الجدّة.. وكلّ هذه الأحداث وغيرها تكشفها المرآة.. ولهذا كانت الراوية تلاحق الشخصيات، خطوة خطوة، حركةً حركةً، قلقًا قلقًا، هذيانًا هذيانًا.. مثلما تحرّك الروائية يد الراوية لتشير الى العالم الخارجي المحيط بالشخصيات من خلال الانتقال الى عملية البحث في الكتب القديمة والصحف عن الأصل والفصل الذي جعلته الروائية عبارة عن سجلٍّ مفتوحٍ مرتبطٍ بالخارج والاحتلال والجذور وتبعثرها المقصود وفعلها المفكّك للأحداث والمرتبطة جميعها في جلمة ( لا تفكّي ولا تنبشي ...) 

إن البنية الكتابية اعتمدت على حركتين أيضا، هما حركة الراوي الداخلية مع المحيط والبيئات وحركة الروائية الخارجية لتحريك الأدوات المتّصلة لموازاة وتنسيق عملية السرد.. وبالتالي كوّنت للمرآة حركتين جديدتين، الأولى كشف العلاقات الماضوية بكلّ جرائمها لأننا لا نجد في هذا الماضي الذي تكشفه المرآة كلّما نظرت لها الراوية الحفيدة المستلمة للإرث إلّا الجرائم والقتل المختلف والانتحار والغيرة والكبت والانفعال، وهي إشارة الى سوء الواقع سواء الماضي الذي تسبّب بعذابات الحاضر، أو الحاضر الذي استلم إرثًا دمويًا لم يستطع معها التحكّم بقانونية الحياة، فستكون النتيجة هي الجريمة ذاتها أو الانتحار بصفته جريمة للتخلّص من فعل المرآة من قبل الحفيدة / الراوية ليتحوّل  الفعل الفنطازي أو السحري أو أية تسميةٍ أخرى، الى فعلٍ واقعي حقيقي ( كانت تسري في جسدي تحولا شيئا فشيئا الى فضول وتشوق لاكتشاف حقيقة هذا الذي أراه امامي في تلك المرآة.. فأنا متأكدة من أنني لا أتخيل ومن انني لا أهذي  ص 31). والذي يبدأ بعلامةٍ دالّةٍ لتكون دليل التاريخ المعلوم ( كانت تشبه الطربوش الى حد كبير ص32) وبهذا يتحقّق هذا الانتقال التاريخي عبر المرآة والذي يتكرّر قوله بين الصفحات، لتأكيد الواقعية وتكذيبها من جهة أخرى ( تحركت الصورة سريعا داخل المرآة لتريني باقي تفاصيل هذا المكان الغريب ص35 ) وهو الأمر يتكرّر ايضا ( خاصة وأنني تأكدت أن ما أراه هي أحداث وقعت بالفعل لشخاصٍ حقيقيين عاشوا في الماضي البعيد ص47 ) بمعنى إن المرآة تتحوّل الى شيءٍ واقعي، الى بطلٍ وشخصية الرواية المحرّكة الى الشاشة التي تعرض كل تفاصيل الماضي، وبالتالي الانتقال من الواقع الحقيقي الى الواقع غير المخالف ليبقى يمثّل الخطّ السردي الذي حافظت عليه الروائية ليكون متينًا وليس واهيا ( ما هذا ؟ هل من أراه حقيقي ! ص36 ) بمعنى أن المرآة تمثّل عملية الانتقال من الفنطازيا الى الواقع، ومن ثم الانتقال من الواقع الحاضر الآني الى المرآة، وهما بذلك يسيران معا مرّة بتعاقبٍ ومرّة بتتابعٍ، لكنهما يلتقيان دوما في عملية التدوين التي انتهجت بأسلوبها البنائي المستوى الإخباري الذي يبثّ مدلولاته بين المستويات الأخرى، لكي تكون المرآة هي منطقة الإجابة على الأسئلة ( المرآة تريني الماضي كله بآلامه.. ماضٍ لم أكن أعيشه  ص37) ولكنها تكتشف منذ البداية ان رؤية الماضي وهي  لبّ الفلسفية الروائية جميلة كل ما يريد معرفة تاريخه سواء الوطني أو العائلي أو حتى الأحداث العامةـ لكنه لم يظهر كذلك ( كنت أظن أن رؤية الماضي مسلية وممتعة، وأنني سأكسب الحكمة من رؤية تجارب السابقين، لكني أم أعايش سوى تجارب حزينة مؤلمة مخزية ) ص37. ولهذا تبرز لنا حركتان جديدتان في البنية الكتابية للرواية .. الأولى الواقع الذي تعيشه الراوية.. والثانية الواقع الذي توضحه المرآة.. والواقعان يمشيان معا بذات الطريقة السردية واللغة والتدوين كـأنها تريد دمج الواقعين وتوزيع الشخصيات مثلما توزّع بؤر الصراع.. والواقع الأول حيث تحتلّه الراوية والثاني حيث تحتلّه جميع الشخصيات سواء منها القديمة الأجداد، أو القريبة من الحاضر الآباء والأمهات، وهي دلالة موت التاريخ أو الرابط الذي يجمع الجميع، وهو ما يتبيّن لنا من قدرة استلهام تعويذة علام التي ظلّت سارحةً مارحةً غير واضحةٍ في الرواية، ولم تعط الكيفية في كيفية صناعة علام للمرآة سوى انها إحدى الشخصيات التي طلبت ذلك.. وهي تخفي هذا لنهاية الرواية للكشف عن موضوعة علام.

التوزيع السينمي ودلالته

إن هذه البنية الكتابية تطلبت ايضا انتهاج الحركة السينمائية في عملية الانتقال ما بين الساردة وهذيانها وأسئلتها وخوفها وترقّبها وبثّها وحفرياتها ومأساتها، وبين الشخوص الذين يظهرون في المرآة وهم يؤدّون أدوارهم السابقة بكلّ تفاصيلها.. فهي أيّ الروائية جعلت الشخوص تتحرّك وتمثّل دورها الكاشف عن الحقيقة من خلال المرآة، ليس بطريقة الإخبار الحكائي، بل من خلال التقطيع السينمائي ومن ثم العودة الى الذات الشاردة / الراوية، لينتقل الحديث من كشف الماضي الى الحديث مع المتلقّي لإيصال المعلومة من جهة، ومشاركته ما تم الكشف عنه في كلّ تفاصيل الماضي التي جنحت الرواية الى عدم الكشف عن الجذور الحقيقية للشخصيات وظلّت رهينة التساؤلات ( وعرفت بعد ذلك من خلال بحثي عن سيرته الذاتية أنه كان عالما ومؤرخا.. ولم يكن من اصول مصرية، ولم يذكر المصدر جنسيته ولا من أي البلاد أتى ) ص46.  وكل هذا يجري بعين سينمائية في عملية الانتقال بين الواقعين المرتبطين بعملية الفنطازيا أو الفعل الغرائبي للمرآة من أجل إعطاء المستوى القصدي مفعوله القوي، من أن التاريخ يعيد نفسه عبر مراحله المتعدّدة، سواء الماضي البعيد الذي يمثّله جدّ الجد، أو الماضي القريب الذي تمثلّه الجدّة، أو الأبوي أو الحاضر الذي تمّثله الراوية، وما يمثّله من حبٍّ قليل وغدرٍ وخيانةٍ وعذابٍ وكذلك كذب (هكذا كذبت علي يا جدتي وقلت انها ماتت من الحمى.. لن الومك على ذلك ص136) وكذلك (ايتها المرآة اللعينة أنت تكذبين,. انك كاذبة ..ص141 ).

من هنا فإن هذا التقطيع ينتقل عبر الأحداث والأماكن ذاتها، حيث تتوحّد المشاهد بطريقة التطابق ما بين الواقع والتاريخ والفعاليات الأخرى، وكأن الشخوص تتناسل بأشكالٍ وصراعاتٍ متعدّدةٍ لتثوير الفعل الدرامي، خاصة وان عملية التذكير في حقيقة المرآة تبدو مكرّرة ولكن في كلّ تكرار ثمةّ سببٌ وحجّة ( شعرت بغصة وكأني أريد البكاء.. أرى الماضي وأرى أشخاصا يعيشون فيه كأنه حاضرِ أمامي ص51) رغم أن هناك قصديات أخرى تريد الروائية بثّها ومنها، أن لا حقيقة تموت فثمّة كاشفٌ وهو ما فعلته المرآة في احدى توليفاتها القصدية، بمعنى ان ما تمّ توارثه من جرائمٍ مختلفةٍ في هذا التاريخ على الأقل الخاص بالعائلة المختارة المتوزّعة بين مدنٍ ودولٍ وأصولٍ وتنويعٍ لا يموت، وإن حاول البعض طمرها وعدم توافرها حتى في الوثائق والصحف، فثمة دائما أسرارٌ مدفونةٌ لدى الآخرين كشهود عيانٍ حتى لو امتدت لعشرات السنين ( فمن المستحيل أن يعيش الانسان لكل هذه الفترة من السنوات التي قد تتخطى المائتي عام وأن يحتفظ أيضا بشبابه دون ان يتقدم بالسن ص101 ).

الفنطازي الواقعي

إن البنية الكتابية اعتمدت على نقل الفعل الواقعي الى المستوى الفنطازي.. الغرائبي اللامعقول، وهي طريقةٌ لمعالجة الوضع العام للحكاية من جهة، والتدوين السردي من جهةٍ أخرى.. فمن الصعوبة الانتقال من الفعل الفنطازي الذي تمثّله المرآة الى الفعل الواقعي الذي تمثّله الشخصية الراوية بوجود المرآة ذاتها، لذا فإن الرواية في نهايتها وفي قسمها الذي يحمل الرقم (24 ) قد انتهجت عملية انتقال الزمن من الماضي الى الحاضر عبر لقائهم المباشر، بعد أن كان عبر وسيط هو المرآة ( فجأة في حجرتي ما يشبه طاقة النور قوية من النور ظهرت أمامي .. كاد قلبي أن يتوقف مما أرى حتى  ظننت أنني نائمة وأحلم ص119) لتتبيّن بعدها كلّ خيوط الواقع، سواء منها التاريخي أو الحاضر، تمهيدًا للانتقال الى المستقبل ( وهل تسافر  عبر الزمن ص121) وهي ربط الأزمان في دلالة قصدية على استمرار كلّ هذا الصراع الى شخصياتٍ أخرى ووقائع مرتبطة وكلّ ما هو يجري له جذر من الفعل التاريخي، بحسب مقولة إن التاريخ يعيد نفسه.. لتبقى الراوية التي تتداخل معها الروائية في بثّ فلسفتها وما يمكن أن تعطيه من تعريف للتاريخ (تارة أسافر لعصر كان الانسان فيه لم يعرف بعد ما هي النار، أنه زمن موحش كان فيه الانسان ظاهريا أشبه بالحيوان يصارع فقط كي يعيش.. أو أسافر للمستقبل.. مستقبل ابعد بكثير من الآن فيه البشر موجودون لكن بأعداد قليلة مقارنة بأعداد مهولة أخرى من اختراع  اسموه " الانسان الآلي " اخترعه الانسان بنفسه ص124 ) إنه تاريخ بنيَ على المرآة في هذه الرواية، فكلّ الأحداث بدءًا من الجدّة والحفيدة والبنات والقليل من الشخصيات الذكورية التي كانت هي أساس الخيانة والجريمة والغدر والمرأة هي الضحية في كلّ التاريخ، إذ يكون الموت هو الحاضر الوحيد الحقيقي الذي يغلّف الصراع والفعل الدرامي، وكذلك هو الحقيقة التي يمكن أن تنتهي فيها الرواية مع وجود احتجاج على  كلّ الماضي من قبل الشخصية الراوية ( كفى.. كفى.. اتركوني .. لا اريد أن اسمعكم.. لا اريد أن أراكم أو اسمعكم بعد اليوم .,. ابتعدوا عني.. ابتعدوا عني جميعا ص144) خاصة وأن الرواية تعود الى شخصية علّام لتكون مقابلةً حقيقيةً مع الراوية، بعد أن كانت تحضر في حلمها للتواصل مع العنونة، لنكتشف إن هذه الشخصية ما هي إلّا الشيطان الرجيم ( رأيت علاما .. رأيته يقف هناك في زاوية من الزوايا وهم يبتسم بخبث ص144 ) وكذلك في ذات الصفحة (يتحول من هذا الشيخ الكبير ذي اللحية البيضاء ، المقوس الظهر الى وجه بشع مسود قميء، وقد نبت له بجبينه قرنان وبرز ناباه من فمه.. كان هو نفسه ذاك الوجه المنقوش على يد الكرسي الذي رايته في بيته، أنه هو.. إنه الشيطان بعينه )

إن الصراع تم كشفه وتقشيره الى النهاية.. انه صراع يعود مع علّام للتخلص من الشيطان ليتحوّل السرد الى مطاردة ما بين الذات الهاذية الى الذات المنسحبة المحتجّة الهاربة، الى شيءٍ مجهولٍ لا تقوى على تنفيذه أو الدخول في صراعٍ جديدٍ معه، خاصة وإن الشيطان/ علام يكون في مواجهةٍ حقيقيةٍ حتى لا ينتهي مفعوله الشيطاني، فيكون اللّوذ بالسماء هو المحصلة النهائية، قبل الفعل الأخير للشخصية الراوية / الحفيدة ( تسلقت السور! وبعد نظرة خاطفة الى المرآة ثم الى السماء توسلت فيها العفو والرحمة من الله ص146 وهو ما يعطي دلالة التواصل الى مدى آخر وزمنٍ جديدٍ وأمكنةٍ أخرى ( كم كنت مثقلة بالآلام والاوجاع التي عايشها اسلافي، وكأنها استقرت جميعها بداخلي وحدي  ص146 ) وهو ما يعني ان هذ الجيل الحاضر يتحمل كل أوجاع لماضي الذي كان واقعها تحت تأثير الصراعات الشيطانية..

إن بنية الكتابة في النهاية تأخذ طريقةً أخرى في الروي، حيث تتحول الصيغة من صيغة المتكلّم، الى  صيغة الغائب، وهي هنا أي الروائية تريد أن تعطي ملمحًا دلاليًا على أن هذه الأسطر الأخيرة، هي موجهة للمتلقّي، وهي هنا ربط مع الإهداء، وأن الانتحار الذي أقدمت عليه الراوية لم ينفع، لأن هناك مركبًا أنقذها، وهي دلالة الماء ايضا، مثلما دلالة وجود علام في كلّ زمان ومكان .  

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

صالح هيجل الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
احسان جواد كاظم ... تفاصيل أكثر
جواد علي كسار ... تفاصيل أكثر
صادق كاظم ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غياث الكاتب ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سامي جواد كاظم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر