ثنائيات السرد والحكاية في رواية (سلالم ترولار ) لسمير قسيمي

عدد القراءات : 17
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ثنائيات السرد والحكاية في رواية (سلالم ترولار ) لسمير قسيمي

علي لفته سعيد

 

لا يبدو عنوان رواية الروائي الجزائري سمير قسيمي له علاقة بالدولار وسلالمه كما قد يبدو في الوهلة الأولى من رسم الحروف المحفورة في الذاكرة الاقتصادية للمتلقي العربي، بل هو المكان الجزائري الذي تنطلق منه كلّ صراعات ومشاهد الرواية التي تحمل عنوان ( سلالم ترولار ).. وحتى الإهداء الذي يشكل مفارقةً غرائبيةً ستكون عونًا لفهم دوافع فكرة الرواية وآلية إنتاجها ( الى زوجتي وابني.. طرقة ساذجة لأكتب حبي ) يمكن ملاحظته حتى على الاختيارات الثلاثة التي كانت موجّهةً للبلاد والثوار والكفاح الذي يبدأ بالأنا مع الآخر العائلة مع الشهداء ومما يراه الثوار عن البلاد. ربما هذه عتبات مساعدة ليس على فهم الفكرة، بل على فهم عملية البنية الكتابية لهكذا رواية تبدأ باختيار مقولة لمالك حداد وجعل لها عنوان ( أبواب ) وكأنه يخبرك أنك ستقرأ وكأنك تطرق ( لا تطرق الباب بقوة فانا غير موجود هنا) لتكون أمام باب القراءة بعيدا عن المؤلّف/ المنتج/ الروائي.. وبذكاءٍ يكتب مقدّمةً يذكر فيها رسالة ناشرٍ عن الرواية من أنها غير جيدةٍ و(متهورة) و(مفككة) وهي لعبةٌ ذكية من الروائي قسيمي ليبزّ متلقّيه وقارئه الذي سيسعى للقراءة لمعرفة ما ينتجه من سردٍ ومقارنته ومقاربته مع رسالة الناشر.

إن البنية لكتابية والمقدرة التدوينية في الرواية تبدأ بلقطةٍ مهمةٍ بعين سينمائية إخبارية.. قطّة وبوّاب (جمال حميدي) ليدخل منذ البدء بما ستقرّره اللغة التي تسعى لرسم صورة الخارج كطريقة سردٍ ورسم صورة الداخل للشخصيات كطريقة تدوينٍ الحكاية.. وهو هنا يرسم مشهدية الشهر دون ذكر السنة وهو ما له علاقة بمواء القطّة أغسطس/آب/أوت بحسب التقويم الجزائري أو المغاربي العربي.. والبواب هنا يعني الحارس وليس البواب في اللهجة المصرية فهو موظّف ينتظر التقاعد ( لم يعد يفصله عن التقاعد إلا خمس سنوات ص19)

إن هذه البنية التي اتّخذها الروائي هو أنه جعل عملية الروي بين الواقع الذي يقوده الراوي وبين ما ذكره الروائي من وجود قصّة لراوٍ آخر، لتتداخل العملية التدوينية بين حالتي الحكي والسرد.. بين اللحظة التدوينية والروي.. بين الروي والمفردة لإنتاج زمنٍ واحدٍ متصاعدٍ حيث يستمر الروي بتقشير القصة/ الحكاية العامة التي يرويها الراوي الآخر.. ومرد ذلك أن الفكرة/الحكاية أريد لها أن تكون واقعيةً من جهةٍ وفنطازية من جهةٍ ثانية ومتمرّدةٍ من جهةٍ ثالثة على السائد والمألوف من الروي.. وكذلك أريد لها أن تكون خياليةً أكثر من كونها واقعيةً رغم وجود الشخصيات والأماكن الواقعية بأسماء المناطق الجزائرية كعاصمةٍ وبلادٍ كما يسمّيها.. وليعطي دفقًا للصراع ومنحه صفة الدهشة ومنح الغرائبية صفة التدوين ومنح التدوين صفة الواقع ومنح الواقع صفة التقريب الى الملتقّي، من أجل تصديقه والتفاعل معه. (اختفت الأبواب وحل محلها فراغ صادم، أهدر بوجوده كلمات تفيد بالعادة تبرير ذلك الشعور التافه والخرافي المسمة " الامان " ص21)،وكذلك إعادة المشهد (احتاج جمال حميدي إلى خمـس دقائـق فقـط منذ استيقاظه، ليدرك بأن اختفاء النوافذ والأبواب لم يقتصر على شقته فحسب، بل امتد الى كل نوافذ وابواب حيه ص )63 ولهذا نجد الراوي يحادث متلقّيه وكأنه يحدّثه ويحكي له (أو إذا شئت، صورة له لما يمكن أن يكون عليه الانسان ص21).

إن بنية الكتابة وفق هذا التفصيل تعتمد على حركتين. الأولى: مراقبة الشخصية حركتها ودلالتها.. والثانية: المفردة التي تعطي مفعول الدليل لما تقوم به الشخصية.. ولهذا احتاج الى أن تكون مفردته هادئةً من جهةٍ ومتمرّدة من جهةٍ أخرى وتحمل فوضويتها التي هي فوضوية الفكرة وجلد الذات والنقد لما هو حول الشخصيات.. وهنا تأخذ العملية التدوينية حركتين أساسيتين.. الأولى فكرة الرواية التي تطرحها قصّة لقاصٍ آخر وهي متداخلة مع ما يمكن أن يُروى من أحداثٍ وشخصيات.. والثانية: التواصل مع الروي على لسان الراوي الذي خلقه الروائي ليكون معينًا لطرح الأفكار والرؤى وهذه النقطة متعالقة مع كمية الحكاية التي جاءت بها القصة.

وكذلك فإن المتن السردي يعتمد على قدرة التوظيف للمستوى التصويري وهو الذي يأخذ على عاتقه صناعة أمرين مهمّين من عمليات التدوين.. الأول: صناعة الدهشة من خلال التفاعل ما بين المتن السردي واللغة. والثاني: صناعة الصراع ما بين الشخصية والمكان.. والاثنان يصنعان الفعل الدرامي ويعطيان المعنى لصناعة الفعل الدرامي وماهية الصورة والكلمة، ولهذا فهو يعتمد على حركتين للتدوين في هذا المجال.. الأولى: مشهدية الشخصية مع الصورة وصناعتها للفعل الدرامي. والثانية: مشهدية الخارج وعلاقة الشخصية بما يحيطه.. والروائي هنا كأنه يصنع الصورة والإطار وكلمات التوضيح المرافقة للصورة، كنوعٍ من شرح المستوى الإخباري.. ولهذا فهو يحتاج الى إطالة المشهد لإعطاء البعد السايكولوجي للشخصية والبعد الفنطازي للحكاية والبعد الغرائبي للواقع.. وهو يمازج في العملية التدوينية بين هذه الحالات الثلاثة التي تسير باتجاهات مرّة متقاطعة وأخرى متوازية، لكنها تنتج المتن السردي الذي يفعل من دور اللغة.. فمثلا إن الشخصية الرئيسية كنوعٍ من الغرائبية الواقعية ولدت يوم 29 من شباط/ فبراير وهو يوم السنة الكبيسة وهو ما جعله يصادف كل ما هو غرائبي في الخيال السردي وكذلك جعل منه أي البطل له كثافة في الشعر( لم يكن يتصور ان الشعر الذي بدا يكسو ذقنه سيمتد الى وجنتيه ومنخاريه وأذنيه وصدره وسائر جسيده ص23) وكذلك (يبدأ جمال حميدي في الشخير، وقبل اربع دقائق مــن استيقاظ سكان عمارته كلهم بحثا عن سدادات أذن ص29).

إن بنية التدوين الكتابية في هذا المجال الغرائبي يمكن ملاحظة بعدين مهمين فيها.. الأول: المخاطبة المباشرة من الراوي الى الملتقّي. والثاني: المخاطبة المباشرة من الروائي الى الراوي ليتحدّث نيابة عنه، ولهذا فهو يحتاج الى استدراك الموقف في المستوى التصويري وبنية الصراع والعودة الى المستوى الإخباري وبنية الفعل ( لا يعني ذلك أنه كان جبانًا ص27 )و( توضيحا لما جرى لم تكن الجنة إلا حيا راقيا يقذف بالتائهين والاوغاد ص35) وهذه البنية تحتاج الى الغوص ليس في أعماق الشخصيات فحسب بل الى حولها، الواقع.. الزمان.. المكان.. الشخصيات الثانوية( وعلى بعد ستين كيلومترا وثمانمائة متر وخمسة وعشرين سنتمترا بالضبط ص 30 ).. رسم المشهدية السينمائية للحركة الدرامية للشخصيات وقيادتهم لإنجاح التدوين السردي سواء كان بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ.. عن طريق الحكي أو عن طريق الروي وهي عين تتنقل ما بين البعد السينمائي والمراقبة السينمائية للشخصيات (استمر السائق في تشــييعهما بعينّيه حتى اختفيا عن ناظريه وهما يدخلان العمارة رقم واحد وعشرين كان يسيران في صمت، وفي تناسق وكأنهـما جنديان متوجهان الى الجبهة ص30).

إن الرواية كحكايةٍ لم تكتفِ بما لدى الشخوص من معاناة ونقل الواقع، بل كان الروائي يجنح الى  نقد الواقع السياسي.. نقد الدولة.. نقد البلاد.. وهو رأي معجونٌ ما بين السرد والمواقف.. التدوين والغاية.. الملمح والهدف، وكأنه جاء من الخارج ليهبط على التدوين والحكاية فتكون حالة الربط بين الفكرة العامة للرواية التي تتحدّث عن قاع المجتمع، وبين الرأي الذي أريد له أن ينتقد المنطقة العلوية للدولة أو المجتمع سياسيًا وتاريخيًا كما هو في المقطع الثاني من الفضل الأول المعنون (أولغا ) حيث تنهمر الرؤية النقدية والبعد الآخر للرواية في قيادة هذا الاتجاه الى حيث الأبعاد الأخرى. 

إن الروائي تمكّن بعين السادر وعين المخرج من الوصول الى مناطق الروي وإن استطال في بعض الأحيان في عملية الوصف الخارجي أو الرأي السياسي فتحوّل ترولار الى مكانٍ قار، تدور حوله رحى الفكرة التي تجمع السرد والحكاية وما يحدث فوق المكان وتحته اي المكان الذي لم يكن مختصرًا بل عاصمةً ومن ثم دولة ليتوزّع بين اتجاهين.. الأول: الآلهة/ القصور/العبيد/الهامش/المهمش الباحث عن لذّة الحياة.. والثاني: الصور التي قد تبدو مفكّكةً لمجتمع له تاريخ الشهادة والثوار، وهي منطقة يمكن أن يعود بها المتلقّي الى الإهداء والاختيارات في عتبات النص الأولى.. لكنها أي هذه الصورة مثيرةٌ لغاية الصراع وبناء الفعل الدرامي الذي يتمحور حول شخصيتين رئيسيتين تدور حولهما الأحداث وتتشعب.

إن بنية الحوار الذي يعد واحدًا من أهم عناصر الروي كونه صوت الشخصيات المنفصلة عن صوت الراوي، لذا الرواية شهدت اندماج الحوار مع المتن لإن الروائي أراد أن يكون صوت الفعل السردي هو المهم في القناعة وهو الذي يحتوي العملية التراتبية في بناء المنطقة الدرامية مثلما يحتوي العملية التدوينية في المنطقة الدلالية ويحتوي الصوت الخارج من الشخصيات في منطقة التأويل والقصد وهو ما يعني بروز المستوى التحليلي للروي حيث تساق الأحداث عبر فصول الرواية الى ما يبتغيه الراوي عبر لسانه الموزّع على ألسنة الشخصيات.

إن الرواية كما يبدو فيها تداخل المخيلة مع القصدية واللعبة الروائية التي اختارها الراوي مع التجريب بين ان تكون هناك قصة وِأن تكون هناك غرائبية ليتم الكشف عنها من إنه هو الكاتب نفسه أي الروائي، وإن اللعبة لا تنتهي بواقعية الشخوص في القاع، بل بالتحوّل السياسي وما تمثّله من اختفاء الأبواب والحكومة والتحوّل الدراماتيكي في الفكرة، وما تمثّله عملية اختفاء الأبواب ولوج الفوضى وعدم الأمان، وكيفية عودة هذه الأبواب بهذه الغرائبية التي كانت فاعلة وفعالة في المتن كتدوين والمتن كحكاية.. أنها وإن بدأت رواية شخوص لكنها رواية واقع سياسي يبحث عن التاريخ وعلاقته بالحاضر.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

جواد علي كسار ... تفاصيل أكثر
صادق كاظم ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غياث الكاتب ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سامي جواد كاظم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي منذ أكثر من عشرة أعوام والحركات الإحتجاجية في العراق قائمة، وبرغم التفاوت في عدد المحتجين بين تظاهرة وأخرى، الا أن تلك الإحتجاجات حققت بعض ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
احمد كاظم ... تفاصيل أكثر
زكية حادوش ... تفاصيل أكثر