شعرية الأدواتية في مُحال فاطمة

عدد القراءات : 85
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
شعرية  الأدواتية في مُحال فاطمة

إن الترابط الايجابي بين الشعرية والأدواتية يعطي للشعر وأدواته , والشاعرية وبُناها , دفعا جديدا للمتعة العفوية المطلقة ذوقا وفنا .. لعل قولنا يحتاج آليتين لفهمه هما التعريف بالشعرية والادواتية , والاجراء المعنى بهما . وبما ان القصائد المعنى بها للشاعرة فاطمة الزبيدي , لذا يتوجب تحديد التعريفين والاجراءين تطبيقا على ما تفيض به شاعرية الشاعرة في قصائدها (لعينيك أشد المحال).

اسماعيل ابراهيم عبد

 

فالشعرية كونها المقدار الجمالي لجوهر اللغة , فهي تنتمي الى ما يتبع الصياغة من جودة السبك النحوي والبلاغي والصرفي , وحسن استثمار الاشارات والعلامات وما تفرزه من فتنة جمالية توحي بدلائل متعددة المضامين .

" مفهوم الشعرية عند تودوروف : مجموعةٌ من القوانين العامة والخصائص التي تحدِّدُ أدبية نصٍّ ما ، وبالتالي فإنَّ المَهمّة الرئيسية لتلك القوانين والخصائص هي كشف الخصائص التي تميِّز الخطاب الأدبيِّ ... ويرى تودوروف أنَّ مفهوم الشعرية يرتبط بمختلف أشكال الأدب من نثر أو شعر ، ويهتم ببنية الأدب ، ولا تعمل الشعرية بمعزل عن بقية العلوم بل تستعين بها أو تتقاطع معها "( ). 

هذا التعريف يقترب كثيراً من فهمنا أعلاه . اذ الأدبية هي الشعرية ذاتها.اما الأدواتية فهي متجهٌ (اود تجذير استثماره) وأعني به الكيفية التي تعمل بها الأدوات اللغوية لتشكلَ نسقاً دلالياً .

هذا التعريف ـ على بساطته الشديدة ـ قد يفتح باباً متناسباً مع العلوم اللغوية الجديدة التي تدعو الى العودة الى توحيد النحو والبلاغة والصرف بقواعد جديدة تجعل اللغة مضموناَ لجوهر المعنى والعناصر المجاورة لمظهر اللغة , التي بمقتضاها تصير العلامات اللغوية  كلها , مساهمة في تكوين الدلالة الدالة على تعدد المعاني للجملة الواحدة.( ).بعد رحلة التقديم أعلاه يتوجب علينا ان نأخذ الاجراءات الآتية للتوصل الى القيمة الشاعرية لبعض محتويات (لعينيكَ أشدُ المحال) للشاعرة فاطمة الزبيدي ..   لنتابع ذلك على النحو الآتي :

أولاً : الأدواتية الأدائية

عندما يؤدي الشعر وظيفته الجمالية فإن أهم أدواته هي عناصر اللغة . 

سنرى عند الاجراءات التطبيقية , أين وكيف يتم ذلك. لنتابع المقاطع القادمة :

[تتسرب الموجودات من بين أصابعي

كحبات الرمل ... 

واعود خاوية المعنى

...

اصب في مسامعك علامات استفهام

واملأ جيوبك بعلامات تعجبي]( ). 

نعتقد ـ ضمن فهمنا للتأويل ـ ان أول العلامات الممثلة للعناصر اللغوية هي الوجود الذي يزاح الى الموجودات . وبما ان الموجودات هي عناصر لغوية متضامنة ـ كشعرية لغة ـ فان الوجود هو القصيدة , وهي متمثلة بصرياً بالرمل , فهي قصيدة ادائية فيها الأشياء تساوي مجسداتها , بمعنى ان حركة الرمل تساوي تماما حركة الجُمَل , وهي جمل القصيدة . 

والقصيدة لا تكتب نفسها .. اذن لابد من عنصر مادي معوض عن العقل المدرك ,             لذا فالأصابع هي من يسرب الرمل ويسرب القصيدة .. ومرة جديدة تصير القصيدة مجموعة من عناصر اداتية ادائية تنحسر مضامينها الى مجسداتها .

وقد لا يفي هذا بموضوعة الشعور والشعر .. لذا ستقترب القصيدة من حالة الدمج بين المجسد والفهم الشعوري للشعر في انصباب علامات الاستفهام , وهي علامات للشك الفلسفي كونه عماد فلسفة الشعر .. والعلامات الاستفهامية مجسدات لغوية والفلسفة معطى أدائي , وبهما تتم القصيدة منحى قصديتها بطريف المزج (للمجسد والمؤدى) عبر مجسد الفهم (المَسامَع) التي دخلت ضمن العناصر التي تهيء للفهم معناه الدلالي .. لكن القصيدة وما يتصل بها تعطينا دفقة جمالية جامعة بدرجة الذوبان الكلي لحالتي الادوات والاداء عبر (املأ جيوبك بعلامات تعجبي). فالجيوب والعلامات مؤديات أدواتية, والتعجب اداء معنى , وكلاهما ذائبة في وجود القصيدة التي كانت تسرب موجوداتها كحبات الرمل , وها هي حبات الرمل تجتمع بقيمة التعجب لتملأ جيوب الدهشة بالصوت الذي هو حالة تتوسط بين الأدوات والاداء .. وهذه الصياغة هي الأكثر قرباً لتمثل المعنى الذي تتحمله أدوات الاداء في قصيدة (حفيف روحي) , ص9 , من مجموعة (لعينيك أشد الرحال).. 

يصلح ما قدمناه في هذا المحور على عدة قصائد من بينها قصيدة (أوقفوها ... انها شغاف) , ص76 من المجموعة , وقصيدة (سقط سهوا) , ص94 من المجموعة.         ثانياً : التخالف الدلالي

يهتم هذا المتجه بالدلالات المتبادلة الاداء التي تشحذ نهج القراءة بإقامة مشيّداتها الواحدة على أنقاض أو تَهَدّم الأُخرى , وقد يكون فضاء القصيدة عابراً الى البيئة الأكثر فطرة في الوجود الانساني , تلك الفطرة التي توحد الموجودات بالمعنى المؤدى , حتى وان بدا ذلك شكلاً للتخالف الدلالي . لنتابع : 

[سارا معاً كضفتي نهر

               لا لقاء لكفيهما

حين أطالت الشمس لعبة الاختباء

تعثرا بحجارة من ضوء ,

ألقتها ذات طفولة . عند عتبة القصيدة

واختبأت خلف ستائر الليل]( ).

هذه المقطوعة مؤلفة من 7 أشطر ,  وهي بهذا تقع بين الومضة والقصيدة , وعلى قصرها فهي تجدد شحن القراءة بالتأمل الخاص إذ أن :

* مظهر المقطوعة :

(سارا معاً كضفتي نهر

               لا لقاء لكفيهما)

 ـ له قيمة بصرية تستغل ترتيب الاسطر لحظة تأمل روحي ومادي لما يسمى بالبياض الشعري , كون الترتيب يتبع قصدية اللعب على المضمر الدلالي.

ـ وان المقطع يضع المَظْهَرَ مَخْبَأً لتوسط وهمي بين البصري واللا بصري , فضفتا النهر قد تقتربان , لكنهما لا تلتقيان , كذلك كفا الحبيبين , لن يلتقيا , وهنا يتولد السؤال , كيف سيكون مجرى الماء في النهر ومجرى العشق بين الحبيبين؟..

ولتفسير ذلك , سيفترض (المُفّسٍّر) قيمةَ بياض سابقة على المدونة تم تهديمها لصالح وجود معنى النهر , ومن ثم تم اعلاء شأن معنى العشق , وبذلك يشاد معنى جديد على انقاض المعنيين السابقين فتصير قيمة الدلالة في تأويلها الآتي :

((للعشق كفّان أجمل من الماء , وارق من الخضرة , وامضى من سريان الماء ..                  كفا الحب يلتقيان عند ضفة الوجود اللا مرئي)) .

ويعني ما تقدم ان الرؤية البصرية خالفتْ ثم هدمَّتْ دلالة البياض الشعري , وأقامتْ مبنى الكفين والضفتين , ثم ان الكفين خالفا وهدّما المعنى الوجودي للضفتين , أقاما معنى نقيضاً على أعقابهما , يُمجد كف الحبيبة ويعطل فطرة الماء والنهر .

* اما المقطوعة :

(حين أطالت الشمس لعبة الاختباء

تعثرا بحجارة من ضوء) 

فـ :

ـ ان مظهرها يقيم المظهر فضاءه على اعقاب الغاء وجود الشمس , ثم يلغي , لعبة الاختباء ويقيم فضاء التحجر .

ـ وسينهدم معنى فضاء التحجر والتعثر ويقام على أنقاضه فضاء الضوء كمعنى لفضاء مقام على أشلاء الشمس والاختباء والتعثر والتحجر .

* اما المقطوعة الثالثة :     

(حجارة من ضوء 

ألقتها ذات طفولة . عند عتبة القصيدة

واختبأت خلف ستائر الليل) ـ لعينيك اشد المحال , ص11

فهي تتضمن التناقض المُشّيِّد للمتخالفات الآتية :

ـ الحجارة تعمي الضوء والضوء يفضح عتمة الحجارة .

ـ الطفولة هي الشعر , والقصيدة هي وعي ما بعد الطفولة , أي ان الفطرة تشبه الطفولة والقصيدة لا تقارب الفطرة الا من جانبها الجمالي , بمعنى ان الفطرة صناعة عقلية نقيضة السذاجة والغلو النفعي .

ـ الشمس = الطفلة , تغيب بعد جولة النهار (عكس) الشمس = القصيدة , التي تعطر الليل بأنفاس الجمال .

ـ تلك المشيدات لها صفتان متممتان لبعضها البعض هي انها تقام على انقاض بعضها عبر المخالفة والهدم.

ثالثاً : متصفات فنية ملحقة

الحاقا بمحوري الـ ((الأدواتية الأدائية , و , التخالف الدلالي)) , المجموعة الشعرية تتضمن محاولات جادة تخص الصياغة والدلالات منها:

1 ـ سردية القول الشعري , مثاله ص13 , ص29

2 ـ نمذجة التمثل الفني الثيمي , المتشابك فلسفيا وادائيا وصياغة , مثاله ص15.

3 ـ تجسيد الذاتية في الشعر , مثاله الصفحات (26 , 27 , 65 , 75) .

4 ـ تجريب التنصيص والنص الموازي , مثاله ص29.

5 ـ تجريب تصعيد قيمة البيئة والغناء والفلسفة في الصفحات 31 , 58 , 60.

------

 1-فاطمة الزبيدي , لعينيك اشد المحال , شعر , دار العرب , سوريا , 2019

 2- تمّام طعمة , الشعرية عند نتو دو روف ,موقع سطور الالكتروني , تأريخ النشر ١٦ / 7 / ٢٠١٩

 3- ملاحظة : لم يجد الكاتب ـ عند البحث عن اصول هذه الظاهرة , ما يؤصل أو يبرمج الطريقة التي تصير بها أدوات اللغة علامات إشارية للمضمون , على الرغم من انتشار وجودها كعناصر دلالية , في الشعر وغيره من فنون الادب.

4- فاطمة الزبيدي , لعينيك أشد المحال , مصدر سابق , ص9 , ص10

5- فاطمة الزبيدي , لعينيك اشد المحال ـ قصيدة هرولة على ضفاف ذكرى , ص11

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
سهى الطائي ... تفاصيل أكثر
صالح هيجل الدفاعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
احسان جواد كاظم ... تفاصيل أكثر
جواد علي كسار ... تفاصيل أكثر
صادق كاظم ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
د. كريم شغيدل ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غياث الكاتب ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر