الرواية العربية المعاصرة ترسم صورة جديدة للواقع

عدد القراءات : 24
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الرواية العربية المعاصرة ترسم صورة جديدة للواقع

ثمة سمات باتت ملتصقة بالواقع الراهن، تشكلت مع المتغيرات العالمية والمحلية، وصارت بالتالي محددة ومؤثرة في نقاط الارتكاز بالأعمال الأدبية للجيل الراهن من الروائيين العرب، ومن ثم فإن رؤية السرد الروائي العربي في إطار تلك التفاعلات الثقافية والتغيرات العالمية تشكل أهمية كبرى في النقد العربي المعاصر. ومن هنا يولي الناقد الجزائري عبدالقادر فيدوح في كتابه “تأويل المتخيل.. السرد والأنساق الثقافية” اهتماما أساسيا بالتعرف إلى الأنساق الثقافية، وتأثيرها في موضوعات وطرائق السرد الروائي العربي الراهن.

حنان عقيل

 

في تسعة فصول، جاء كتاب “تأويل المُتخيل” الصادر حديثا عن دار صفحات للدراسات والنشر والتوزيع، بدأ الكاتب بتفصيل طبيعة الأنساق الثقافية المهيمنة في العصر الحالي على الفكر العربي في إطار التفاعلات والتغيرات العالمية، وتأثير الكولونيالية الجديدة على الثقافات المحلية، ومن ثم التوجهات والأفكار العربية.

وشرع في الفصول اللاحقة لتبيان تأثير تلك الأنساق على السرد الروائي العربي، دارجا عددا من الدراسات النقدية المُوسعة حول عدد من الأعمال السردية الحديثة مثل رواية “حكاية العربي الأخير” للروائي الجزائري واسيني الأعرج، ورواية “كولونيل الزبربر” للروائي الجزائري الحبيب السائح، و”حُبَّى” للروائية السعودية رجاء عالم.

 

مواجهة الآخر

في ظل ثقافة فوضى الكولونيالية الجديدة، بات مجتمع الألفية الثالثة مُحتكما لجملة من التعارضات والاضطرابات المتعاقبة، وتعمق السؤال حول أزمة الذات وصور العجز بأبعاده الثقافية والاجتماعية والنفسية والسياسية، وطالت تأثيرات الحياة المتدفقة تجاوزات العقل المطلق، وتخطت معالم السرديات الكبرى، وحوّلت القيم إلى سلوكيات مجردة من الأخلاقيات، وتولّد صراع بين قطبين؛ قطب المركز في صورة الغرب وقطب الأطراف في صورة الشعوب والأمم التابعة.

وجراء ذلك، أصبح العالم الثالث رهن التمثيل الزائف للواقع وطمس حقيقته، ولم يعد للمعنى المفضي إلى غاية مكانة في نسق المعقولات، بعد أن أصبح وجود الإنسان في الحضارة الجديدة يقود إلى تفكيك المعنى في ظل سلطة الواقع الافتراضي، الذي رسّخ وعي الانفصام وزرع الخلاف بين الثقافة الوافدة بوصفها ثقافة هدف وثقافة الأطراف. وبوصفها مصدرا مستهدفا ينبغي تفكيكها وإعادة إنتاجها وفق ما تمليه دواعي تقويض كل ما هو مركزي.  وفي ضوء ذلك لم تعد ثقافة الهويات القومية تميز بين ما هو أصلي في ثقافتها، وما هو مبني على النسخ والمحاكاة.

أصبحت الذات مرتهنة بواقع جديد يحكمه الاستهلاك، وبالتجارة المربوطة بتخطي الحدود وتسويقها إلى الهويات المحلية، وحوّلت كل شيء إلى ثقافة تسلية مدفوعة الثمن وخلق تجارة ثقافيّة بوصفها شبكات ذات مغزى موجهة إلى الثقافة الفرعية الدونية بغرض خلخلة هويتها، وصار ما هو سائد في حياتنا المعاصرة مصادرة القيم بجميع أشكال هوياتها التقليدية في مقابل مبايعة السوق لإشباع الرغبة الجامحة في الانقياد وراء الأهواء.

وفي إطار ذلك، لم يعد باستطاعة المجتمع الحديث أن يحتمي بضميره الجمعي، كما لم يعد للمرجعية دور التوجيه، وهو ما جعل العالم الجديد يفقد وجوده، وبات العنف مرتهنا بالرؤى الاستراتيجية للوضع السياسي في خارطة العالم الجديد، وبشهوة التسلط ولذة الإذلال، وتحول طبيعة الصراع من الذات مع الآخر، إلى الذات مع أنفسنا، أو الذات مع عقيدتها، وبات الحديث عن الهوية في منظومة العالم الجديد ملتبسا إلى حد ما ومفهوما مفتوحا بالنظر إلى ما يحمله المصطلح من دلالة، وفي ظل منظومة العالم الجديد نقل من معناه الأنطولوجي إلى معناه الأنثروبولوجي الثقافي.

 

فضاء العنف

وفي ظل تلك المعطيات، يوضّح الكاتب أن الرواية المعاصرة ترسم مقاربة جديدة للواقع بأشكال جديدة، تحضر فيها السلطة بجميع أنساقها ووظائفها المعبّرة عن القوة كمحور مهيمن على جميع الأصعدة بالنظر إلى العلاقة التي تجمع بين الرواية والواقع الجديد، ومن ثم فالرواية تقّدم نقدا بحجم ما تقدمه السلطة في علاقتها مع القوة، ومثلما يعيش واقعنا تفككا، تقابله الرواية بالسياق نفسه في شكل سرد مورد بمفاهيم ومصطلحات فرضتها معرفة الآخر، توثيقا للفعل السياسي المهيمن على مؤسساتنا الرسمية.

يرى الكاتب أن سرديات الحقبة الأخيرة فقدت ثقة المتلقي الحصيف فيما كان عليها أن تمنحه من خصوصية لمواجهة سرديات الآخر، إذ يجسد السرد الجديد في منجزه الوجود الفعلي لمنظومة العالم الجديد في ثقافته، منحازا إلى تمثيل معايير العولمة وعدم تقديم أي تمثيل لثقافة الأطراف، وهو ما يستوجب من الرؤية السردية في إبداعنا العربي إعادة النظر في الكثير من السرديات الناجزة نظير فقدها الكتابة النزيهة في تناولها موضوعات لا تعكس جوهر هويتنا الخالصة.

ويشير إلى أن حقيقة ما وصل إليه إبداع الجيل الجديد عليل من حيث تركيبة الموضوعات التي تتناسب مع ثقافة الهدف، وفق ما يمليه واقعنا الجديد، الداعي إلى تحقيق الخلاص من براثن التبعية. وهكذا يصبح السرد لدى الجيل الجديد داعما لمنظومة السرديات الغربية. وكما كانت الرواية الواقعية مسخرة للواقع الايدلوجي الفجّ فإن سرد العولمة في نتاجنا الإبداعي جاء ليكون صورة معبرة عن العناصر المؤسسة لهذه العولمة، أو بالأحرى انعكاسا لعللها واستثمارا لموضوعاتها الموردة إلى ثقافة الأطراف.

وإن كان الأمر كذلك فإن نسق السرد المستورد يغدو مكتنزا بموضوعات الآخر وسلوكياته وثقافته المفككة، فمع أن الرواية تفكك الواقع وتعيد بناءه بطريقة خيالية وبمواصفات خاصة، نجد في رواية الجيل الجديد الحديث عن الواقع المأمول بعيد المنال، نظرا إلى وفرة العناصر الانهزامية التي بات الإنسان العربي يعاني منها.

ارتبطت الرواية الجديدة في معظمها بطرح ظاهرة لبّ العدم وجوهر الحرمان في زمن العنف المستفحل في طويتنا وفي كياننا الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وصارت معظم الروايات تعبر عن تشخيص حالة الواقع العربي المنتشي بالألم والمستيقظ بالأسى بالنظر إلى ما يستفزه من مظاهر، وكان لأسلوب العنف من القوة الكولونيالية الجديدة أثره في الرواية المعاصرة.

يرصد الكاتب العديد من الأمثلة لروايات عربية اتخذت من العنف فضاء له، ففي رواية “حكاية العربي الأخير” لواسيني الأعرج نجد محاكاة لمجريات أحداث العالم العربي اليوم، كذلك فإن رواية “فرانكشتاين في بغداد” لأحمد السعداوي تخلق عالما سرديا واقعيا، يسرد بطلها علاقة الذات مع الآخر الباحث  عن قيم أصيلة في عالم متدهور.

ويوضح الكاتب أن السرديات العربية الحديثة أظهرت أسلوبا جديدا من السرد يظهر الصراع من خلاله على أشده بين الهويات المتباينة، ويُشكّل قطبه الأساس مناهضة الآخر ومواجهة مجتلباته من الصيغ المدمرة الناعمة والمد الثقافوي في افتتانه بتفصيل ثقافة جديدة وتفننه فيها، ولأن الرواية لدى الجيل الجديد قد مالت إلى هذا التوجه من الكتابة عن العنف والإرهاب فإن الانشغال بها مدفوع بالسؤال عن مصير الذات.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
احمد كاظم ... تفاصيل أكثر
زكية حادوش ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
صغيري الجميل:    ها هي ذكرى رحيلك قد تصدرت صباحتنا، وهاهم جميعاً.. أهلك وصحبك ومعهم الأمكنة يفتقدون حضورك وسط هذا الضجيج المسمى فراق، لكني أعلم انك ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
اياد السماوي ... تفاصيل أكثر
عبدالله الجزائري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر