كمية الكلام - الجدوى والفاعلية قراءة في نص ( محاولة للبقاء ) للشاعر حسين المخزومي

عدد القراءات : 28
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
كمية الكلام - الجدوى والفاعلية قراءة في نص ( محاولة للبقاء ) للشاعر حسين المخزومي

جبار وناس

 

في مرحلة فوضى النظام، تغدو الحياة شاهدةً على سقوط الأجساد وتلاشي الأحلام متزامنةً مع اشتداد النوايا المعطلةِ لحركةِ الحياة وعندها لم تَعُدْ تلك الحياةُ تتغنى بما هو جميلٌ زاهرٌ في حدائقها فضلاً عن عدم إنصاتها لضوء الكلام حين يعلو مُبدداً لتلك الحالة الشبحية التي تتنرنحُ عندها لحظات هذه البلاد إذ صار مروجو الظلام والتعتيم يتقافزون في الظلمة، يتصيدون ما تبقى من أحلامِ الناس في الحرية والأمان والعيشِ بكرامة الوجود التي أُقِرتْ ليعيشَ بها الإنسانُ مُعَزَزاً في رحاب الرفعة والإرتقاء الذي يستحقه في وطنٍ معافى بأحلامِ أهله وناسه باتجاه مستقبلٍ آمن كريم • ومن هنا يبرزُ صوتُ الكلام عالياً مُؤَطَراً بشذرات الإبداع الذي بإمكانه رصد الجمال الكائن بين الظلمة والضوء ذلك الجمالُ الذي يَسْتَشعِرُ الخوفَ على الحياة من بطشِ نوايا متوحشةٍ تُشْعِلُ بسعير مطامحها كلَّ الأحلام والأماني الكامنةِ في قلوب الناس في هذا الوطن ( العراق ) فتُحيلُها الى رماد . ولقد أصبحَ خروجُ نصوصٍ إبداعيةٍ أمراً مُلِحاً لفضح حالةِ التعتيم الملثم وهؤلاء القتلةِ الذين أشاعوا رائحةِ الموت والقنوط والتراجعِ في نفوس الناس وتلاشي آمالِهم في الأمل الناصعِ في وطنٍ حرٍّ يتعافى مع فاعلية الحياة • فكان للكثير من الأصواتِ الشعرية في العراق في تواصلٍ دائم مع الإنسان وهمومه في هذا الوطن . ويبدو أمامنا نص ( محاولةٌ للبقاء ) للشاعر الشاب حسين المخزومي والمنشور على صفحته الرسمية في الفيس بوك مثالاً يؤشرُ لنا مقدار القيمةِ الحقيقية للكاتبِ حين يُعطي ويُسلطُ الضوء راصداً ومُعْلِناً عن مجدِ الكلام في المجتمع  ويؤشرُ على تلك العبارة التي تُقارنُ ما بين العبث في الحياة والذي يصنعُه سدنةُ الظلام وما بين لحظات الإبداع التي يصنعها أصحابُ الكلام من الأدباء والشعراء وإشاعته في تفاصيل هذه البلاد .

فالنص الذي أمامنا قصيرٌ لايتعدى الثلاثة أسطر حيث يقول :

صديقي الثمل منذ عشرةِ أيام

لاتخرجْ

الصحو في الخارجِ مُرْعِبٌ جداً

ولعلَّ قيمةَ هذا النص تكمنُ فاعليةُ حضوره في التلقي حين يرصدُ لحظات الإنسان في العراق خلال حركة الإحتجاجات والإنتفاضة العارمة منذ الأول من أكتوبر 2019 ضد صناعة الموت وقتل الحياة وطمر أماني الناس في العيش الرغيد • فكان النص يراهنُ على أن يؤرخَ لحظات حياة الناس أثناء سريان أيام الانتفاضة وتداعياتها التي إنعكست على مزاج الناس وطرق تأملهم لها في الرفض والقبول والمشاركة الفاعلة فيها • فراسم النص ( المخزومي ) لم يؤرخ لحالة العنف المقابل والمفرط من قبل السلطة وحالة القمع التي قامت بها ضد المتظاهرين وإنما كان  مؤمناً بروح الشعر التي تُحددُ  من مكان الإنسان ودوره حيال ما يدور حوله . فهذا النص الواخز يُعلي من شأن الذاكرة وهي تزخرُ بحالات يتعدى فيها الكلام ويرتفعُ من بين لحظات العنف والقمع والنكوص ليكون شاهداً وواخزاً في الوقت نفسه لذاكرة الناس والتأمل في لحظات وجودهم الحياتي  وإبراز المواقف التي تتلاءم وحضورهم الآدمي المطلوب حيال كل التداعيات التي تحصلُ في المجتمع . وعلى الرغم من قصر حجم هذا النص إلا أنه يبدو للقارئ أكثرَ اتساعاً ذلك أنَّ كاتبَه اعتمدَ على حضور مفردات أصبحتْ مرتكزات فاعلة تكاد تُمسكُ بدالية التلقي لدى القارئ فثمة عتبات يقف عندها القارئ بدءاً من العنوان ( محاولة للبقاء ) وكيف يتمادى هذا العنوان في زوغان القراءة والذهاب بها في اتجاهات مثيرة ووصولاً الى ارتكاز مفردة ( الثمل ) التي أخذت لها مساحةً واسعةً من التأويل المادي والمعنوي والمجازي لتحققَ من فاعلية التأويل الجمالي الذي يصيب المعنى • فمن هو الثملُ ؟ أهو الثملُ بالخمرة ؟ أم الثملُ باضطراب الواقع وارتفاع مقدار الشعور والإحساس العالي بالمسؤولية الإنسانية اتجاه ما يحصلُ من تخاذل وتهاون بحق الجسد في العراق ؟ أم الثملُ بتردده وتهاونه وخوفه على مصالحه وتواطؤه مع السلطة القاتلة بدم بارد لتلك الأجسادِ الغضة ؟ أم جِيء بهذه المفردة لتكون علامة تذكير والسخرية من حالةٍ تُطْنِبُ في لحظاتٍ خواءٍ وتصحرٍ تعيشها بعضُ الأرواحِ ويُرادُ لهذه السخريةِ أن تكون مُنَبِهاً باتجاه مغادرةٍ فاعلة مادياً ومعنوياً ؟ وكلُّ هذه السياحة في التساؤلِ ستكون عتبةً يصلُ إليها القارئ وهو بتفاعلٍ مع هذه السطور القصيرة حجماً والمثيرة تفاعلاً عند القراءة . وتبدو المفارقة المائزةُ هنا حين يخرجُ راسم النص المخزومي الى خارج الأسوار التي تُحيطُ بذلك الصديق الثمل والذي ينادي عليه ومن ثم يناه عن عدم الخروج ليضعَ القارئ أمام واقعٍ صادم بصحوٍ مغلفٍ برعبٍ حيث أنه واقعٌ مرئي يُشاهَدُ عن قرب بواقعيةٍ تكاد تقترب من اللامعقول والغرابة، وبهذا يكون القارئ أمام عتباتٍ ثلاث أراد بها باعث النص لأن تكون وخزاً ودليلاً على فاعلية  الكلام حين يحظى بهيبة الحضور بعيداً عن مقادير الكثرة والمبالغة الكثيفة التي يُرادُ لبعض النصوص أن تتبطنَ بها .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
احمد كاظم ... تفاصيل أكثر
زكية حادوش ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
صغيري الجميل:    ها هي ذكرى رحيلك قد تصدرت صباحتنا، وهاهم جميعاً.. أهلك وصحبك ومعهم الأمكنة يفتقدون حضورك وسط هذا الضجيج المسمى فراق، لكني أعلم انك ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
اياد السماوي ... تفاصيل أكثر
عبدالله الجزائري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر