صبيحة ..لكن بعد الفاصل

عدد القراءات : 30
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
صبيحة ..لكن بعد الفاصل

 علي  حداد

 

لم  تكن  الارض تسعها،  كانت تريد ان تخوض التجارب كلها ، النجاح كله ،والفشل كله ، والصعوبات والعثرات ، الحظ الجميل .. والتوافق الرائع ، كانت تواقة الى ان تكون في خضم الحدث، تخوض التجارب وحدها ..فقد دمرتها الصور اليومية التي لاتقبل ان تتغير ، او تتبدل ، وحطمتها مشاهد الناس المتكررة ، فأمها تتسوق صباح كل يوم .. واخوانها وزوجاتهم  واطفالهم يأكلون في كل يوم وجباتهم  الثلاث .. نفس المشاكل وذات الاحاديث .. وذاك الرجل السمين < حجي ربيع > مازال يبيع  < الباجة >  في الصدرية  ، أبي يقول عنه  حين يسكر :- مذ كنت صغيرا كنت أراه يجلس على مقعده هذ ا  حتى ان الحكومة حين ارادت ان تبلط سوق الصدرية  لم يستطيعوا استخراج  المقعد فمرروا القير من تحت ارجله وهم يتضاحكون .  وذات صيف اصطحبتها امها الى السوق فرأته عن قرب  احست كأنه خرتيت وهو يصيح :-

      _  اثنين < باجة> واحد < كراعين > اضافي  ....   ستون سنة أو أكثر وهو جالس على هذا المقعد  الخشبي العملاق . قال والدها ذات يوم ممطر حين كانوا يجتمعون حول مدفأة علاء الدين :- الحاج ربيع لم ير في حياته  باب المعظم ولاالباب الشرقي ولاحتى باب الطوب  ..... 

شعر وجوههن يطول فتحفه امها.. ام صباح الحفافة، ويظهر من جديد شعر سيقانهن فتحفه  المسكينة وهكذا  .. يتشاجر صباح ويكسر المقهى والمسكينة تدفع ..وتدفع  ،ووالدها مازال يسكر ويكذب والجميع  يوافقه على كذبه ..فهو تارة  البطل الذي ادخل يده في حلق الاسد و < كلبه علبطانه > واخرى هوالذي رموه في النار ولم يحترق  .. ماعليهم سوى ان يهزوا برؤوسهم  والا فهو لايتورع عن كسر كل مواعين الفرفوري.. وعراك الكبار بسبب الاطفال مستمر ولارادع له ، هذه المشاهد وغيرها لم يكن عباس يدركها جيدا .. حين تحدثه صبيحة  وهي تتوسل اليه ان ينتشلها من هذا الواقع  .. كان لايفتأ يهز برأسه وعلى شفتيه تلعب ابتسامة بلهاء وكأنه يستمع الى اغنية من اغاني رشيد القندرجي  دون ان يفهمها تماما  .. هو مثل حجي ربيع  يجلس على مقعد حكومي صغير في بدالته الكائنة في علاوي الحلة  .. منذ عصور سحيقة وهو يستمع الى شكاوي المواطنين  وعن هواتفهم التي غادرتها الحرارة .. هاتف بلا حرارة ، طموح بلا حرارة ، احلام وآمال بلا حرارة  ..واخيرا حب بلاحرارة ، وحين كانت تعود الى البيت منكسرة  وحزينة  كانت راهم مثل دمى  خشبية ، دمى لاتفكر الا بالزواج والطلاق .. او بالجنس الذي يلعب بين درابين المحلة وعلى سطوح بيوتها المتلاصقة .. وعباس كان يفهم الشرف فقط حين يؤدي الموظف وظيفته بغيرة وشهامة وان يستمع الى الموطنين وشكاويهم بعفة واخلاص بينما كانت صبيحة تتطلع اليهن وكيف كن يكشفن عن صدورهن  وكأن تحت ثيابهن < سمك يلبط بحرارة >  وحين دخلت صبيحة الى غرفتها واخرجت صورة عباس من الجرار ..راحت تطيل النظر اليه  .....دون ان ترى شيئا   ........................................................

بعد ان توفي  والد عباس وهربت غنية وعشيقها سلمان الاعور بكل مدخراته  ، احس عباس بالوحدة  ووجد نفسه اخيرا  محشورا في غرفة صغيرة وفراش قديم ومضيئة تعود الى زمن امه رضية   ،وكان قبل هذا قد طلق زوجته العاهرة .. وعاد من الاسر ..من ايران بخفي حنين ، احس انه وحيد فكل أصدقائه وأقربائه  أكلتهم الحروب القديمة والقسم الآخر راح ضحية حرب التحرير كما يسمونها  .. احس انه بلا ذكريات  مشرفة  ، فكل ماضيه امتد امامه مثل قاذورات  ، فبأي شيء  سيفتخر عباس  .. وعن ماذا سيتحدث ؟؟  للناس  ام للتأريخ  .. عن الكاكي الذي يملأ  الشوارع مثل دود  ، عن الازمات  عن السرقات عن القتل  عن بطولاته في اقفاص الاسر  عن الحرب والتي عدت رعونة  .. هذا هو عباس الارعن المتقاعد براتب مخز لايسد رمق طفل رضيع  بحليبه وحفاضاته  .. يتحدث عن بلد لايؤمن لعاشقين يريدان ان يتنزها في ليل المدينة عن بغداد التي فقدت ليلها واضويتها وشوارعها المغسولة  كل بلاد الدنيا يتنزه اهلها الا بغداد واهلها  ..ام يتحدث عن الدين الذي يسرقون باسمه ويقتلون باسمه.  احس عباس بالأسى واللوعة وهو يفكر بالاجيال القادمة التي ستسمع عن القتلى والجثث المقطوعة رؤوسها  وعن المغدورين  مجهولي الهوية  وكذلك سيعرفون عما حدث لصبيحة وجثتها المقطعة  وعن قصص الحب والحياة .. المرمية  في صدر القناة  والذي مازال رحبا  .. فتمتم بينه وبين نفسه <  ليتني لم أعش زمني الاغبر .... هذا  >   ....

كذلك سمع عباس ما قاله  ابن الحفافة لأمه  يوم احضروا جثة صبيحة من الطب العدلي :-   يوم جابولج صبيحة ، حضري فلوس الفاتحة لتخزينه ......

كما شاهد ذات ليلة  مذيع التلفزيون وهو يسأل الوزير عن مصير العوائل المهجرة قسرا  وهو يضيف مبتسما  ، سنستمع الى إجابة السيد الوزير  لكن بعد الفاصل ...

فابتسم عباس ببلادة  وردد بينه وبين نفسه  <<   ستصلح أمورنا  وتعود لي الف صبيحة  لكن بعد فاصل طويل.

 ومات عباس في يوم ممطر  ..مات وحيدا  لكنهم وجدوا ابتسامة كبيرة  تتمرغ على شفتيه كأنما أدرك جيدا  ، ان لا شيء جديدا سيحدث .... بعد الفاصل.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
احمد كاظم ... تفاصيل أكثر
زكية حادوش ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
صغيري الجميل:    ها هي ذكرى رحيلك قد تصدرت صباحتنا، وهاهم جميعاً.. أهلك وصحبك ومعهم الأمكنة يفتقدون حضورك وسط هذا الضجيج المسمى فراق، لكني أعلم انك ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
اياد السماوي ... تفاصيل أكثر
عبدالله الجزائري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر