خرزات متناثرة من مِسبحة الحياة .. قراءة في المجموعة القصصية (كتاب الحياة) للقاص عبد الأمير المجر

عدد القراءات : 21
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
خرزات متناثرة من مِسبحة الحياة ..  قراءة في المجموعة القصصية (كتاب الحياة) للقاص عبد الأمير المجر

د. بيان العريّض

 

صدرت مؤخراً المجموعة القصصية الخامسة للكاتب والقاص عبد الأمير المجر الموسومة (كتاب الحياة) عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق للعام2018.

وضمت المجموعة (ثماني) قصص قصيرة، انتظمت ثيمتها القصصية بخيط الانسانية الرفيع غير المرئي، والذي دل على عمق ارتكاز هذا  الخيط وانغماسه في وجدان الكاتب وتراكم ذكرياته، فلقد قدم المجر لمجموعته بمقولة موحية لنيلسون مانديلا (التعاطف الانساني يربطنا ببعضنا، ليس بالشفقة أو بالتسامح الانساني، ولكن كبشر، تعلموا كيفية تحويل المعاناة المشتركة الى أمل للمسقبل).

الانطباع الطاغي على إشارات الكاتب في ثنايا قصصه، يقودك للغوص  في الحياة المتعاكسة لقصصه بتنوعها، فيعود مراراً الى طفولته البريئة الحائرة، والطافية فوق فيض التساؤلات المنهالة من عقله المتنامي، تساؤلات لا تبرح تطرق رؤوس كل البشر صغيرهم وكبيرهم، عاقلهم ومجذوبهم، كادحهم ومترفهم!! أنها ذات التساؤلات الأبدية عن الولادة والموت والفقر والغنى والوجود والعدم، تلك التساؤلات التي لا تحصد في خواتيمها الأزلية إلا الوقوع في دوامة الضياع والتيه المستديم. (حين صحوت من نومي، صعقت وارتبكت تماماً، ولم أعرف كيف أتصرف، فأنا عار تماماً حتى من ملابسي الداخلية، وممدد على خشبة السرير الذي تعرى هو الاخر من كل أغطيته وأفرشته، نظرت الى أرجاء الغرفة فوجدتها عارية هي الأخرى ـ قصة العراة/ ص 7).

ولا يكاد الكاتب يعثر على ما يريده، فلا إجابات على التساؤلات، بل استرسالات عن مشاهدات وحيوات مرت ما بين ضفتي نهر الحياة ما بين انبثاق وولوج، كما في قصة (كتاب الحياة) التي ولف فيها مقولة الفيلسوف الألماني غوتة (أعمق موضوع في تاريخ الانسان، هو صراع الشك واليقين).

(لم أكن في الليلة الماضية قد نمت جيداً، إذ غزتني كوابيس، بعد أن انتهيت من قراءة "كتاب الحياة" الذي أهدانيه صديقي، وظل يردد أمامي، إن هذا الكتاب يختصر كل ما جاءت به الفلسفة! قصة كتاب الحياة ـ ص32).

ويظل هاجس الموت يطارد الكاتب في ذات القصة (بصراحة، لم يشغلني الموت وحده، بل ما بعده ايضاً، لأني لا أعلم لماذا جئت الى هذه الدنيا، ولماذا أغادرها.. ص33). وهذا الهاجس يكاد يتكرر ويظهر جلياً في أكثر من واحدة من قصص المجموعة.

فالموت والغناء يصهر روح النص في أكثر من قصة ظهوراً بيناً أو متوارياً، كما في قصة (العظماء يرحلون بصمت.. أحياناً) وموت (أبو أيوب) صديق البطل وحزن أصدقائه على حياة جافتها الحياة، ولم تعطها ما تستحق، فكانت عنواناً للصبر على المكاره مجسداً بأبي أيوب، وأن افتقد وجود أيوب!!

حياة تختزل حيوات أجيال من المعذبين على الأرض، تتشابه أقدارهم وعذاباتهم، وان اختلفت تسمياتهم وطرائقهم في العيش، انهم يأتون ويرحلون من هذه الحياة دون أن يتركوا أثرا، فلا يعبأ بهم أحد، لا حبيب ملتاع، ولا قريب مدارٍ، انهم أشباه الوجود يمرون فلا تطبع خطاهم بصماتها على أرض الخليقة.

)يبدو أنه مات بالأمس.. لكنهم وجدوه اليوم في فراشه قبل ساعتين تقريباً.. وواصل كلامه.. لم يخرج للعمل ولم يسمع جيرانه أي صوت في غرفته، وحين نادت عليه جارتهم لم يرد، فدخلت غرفته ووجدته ميتاً.. /ص64).

)شعرت في تلك اللحظة، أن الأرض دارت بي ولم أعرف كيف أرد عليه، أبو أيوب، اسم استقر في ذاكرتي من خلال حكايته التي زقها في داخلي على شكل جرعات، امتزج فيها الحلو بالمر.. /ص64).

غرائبية الأحداث تجسدها وقائع قصة (دعوة لحفل المجانين) التي تشف عن حقيقة وواقعية لا تنكر!؟ فالمدعوون نراهم في حياتنا، كما رآهم القاص في نصه السردي (لم أعرف من قبل رابطة باسم رابطة المجانين الأحرار، صاحبة الدعوة، لأن البلاد اكتظت في السنين الأخيرة بمسميات لا حصر لها.. /ص15).

(..أما الآخر فكان يرتدي تراكسوتا ابيض متسخاً، وتعلو رأسه قبعة كتان واسعة، والثالث يلبس سترة سوداء واسعة من دون قميص، وقد ربطها بخيط اصفر، لعدم وجود ازرار، وبنطاله بنفسجي وشبه حاف، إذ كان يرتدي جوارب ممزقة، والرابع لم اتبين تماماً شكل ملابسه/ ص17). وتتعالى غرابة المواقف حدة.

)حين طلب منا النهوض قبل بدء عزف السلام الوطني نهضنا جميعاً، وصرنا نتلفت الى بعضنا بعد لحظات، إذ لم نعرف إن كان هذا هو السلام الوطني لبلادنا أم لغيرها؟/ص19).

قصص مجموعة المجر، تتجانس في بنيتها الحكائية وطرحها الانساني المحبب، وتعكس مرآتها النصية حقيقة القاص المعجونة بالطيبة، والمثقلة بالهموم اليومية للبشر، كل البشر.. فالحنين الى الماضي يكسر مقاومة النص إزاء اغراء المدينة، فتبزغ أطوار القرية البعيدة وأناسها ومعالمها البريئة ما بين سطور أكثر  من قصة من المجموعة، ويكاد يتفرط عقد التماسك عند ذكريات (مسبحة أبي) تلك المسبحة الغريبة ذات الخرزات العجيبة، التي ما أن انفرط عقدها حتى استحالت الى عقارب وأفاع (مسبحة تزداد توهجاً كلما فركتها الأكف وتنزف عطراً أخاذاً منتشياً وهو يعيش ساعات فخره المتجددة وسط المجالس، حيث تكون الأبصار كلها متجهة إليه ومسبحته/ ص26).

في اسقاط ذكي على انفراط عقدنا الجمعي ووقوعه تحت طائلة الافتراس والهجمة الأجنبية، وحتى هنا فإن القاص لا ينكر شغفه بمسبحة أبيه وحنينه الى انتظام خيطها وخرزاتها، فهل هو الحنين الى ما اعتادت عليه النفس أم شغف باجترار الماضي وان كان موجعاً وغير مبهج!!؟ (.. وقبل أن يهدأ غضب السماء كان أبي ممدداً على الأريكة، وحده، وقد تناثرت حبات مسبحته في المكان وأخذت تحاصر جلسته كائنات صغيرة على شكل عقارب وأفاع لا تكاد ترى، راحت تعض حبات المسبحة المتناثرة على الأرض، وتمتص بعضها في مشهد مروع/ ص28).

أما في قصة (الإرث) فكان هو الوجه الآخر للدين وما يمثله في وجدانه القاص، فالدين ليس عقيدة وفكرا وانتماء إنما إرث متنازع عليه، وهذه القصة يضع القاص لها استهلالاً لم أجده ذا دلالة وطيدة الصلة بالإرث! حيث تأتي مقولة لجان جاك روسو (ان ضعف الانسان هو الذي يدفع قلوبنا الى الانسانية، فما كنا لنحس أننا مدينون للانسانية بشيء لو لم نكن بشراً)..

(الرجل يتابع قضية ارث قديم، تركه له أجداده، لكن قضيته لم تحسم، على الرغم من مرور زمن طويل عليها، إذ يقال إن أباه وجده أوصياه في متابعتها، بعد أن فشلا في حسمها قبله).. لا أحد يعرف بالضبط ماهية الإرث أو شكله ونوعه/ ص54).

في هذه القصة يقع القاص في ضبابية الرؤية على شدة وضح معالم الصورة وينجرف الى تداعياتها (ان الأولاد والأحفاد.. يلتقون على شكل جماعات، ورثت ذلك العداء القديم، في ايام اختاروها لكي يتجنبوا التصادم، فمنهم من اختار يوم السبت من كل اسبوع، ومنهم من اختار الأحد، فيما فضل الآخرون ان يكون لقاؤهم يوم الجمعة.. ص59).

ولعل القصة الأخيرة في المجموعة تكاد أن تكون نسيجاً لوحدها، ففي بعض ملامحها هي قصة علمية أو مستقبلية أو هكذا بدت من تواريخها، وان كانت تصح أن تكون قد حدثت في الماضي وتكررت دورتها مرات ومرات وكذلك قد تحدث في المستقبل مراراً وتكراراً.. فدورتها الحياتية متتالية الأحداث ما بين نمو واضمحلال وتدمير وازدهار.. والانسان هو زائر غريب لهذه الأرض وان كان سيدها وسيد أعمارها ودمارها.. كذلك!

في قصة (عودة الانسان) يعود القاص للاستهلال بآيات من القرآن الكريم وقطع من سفر التكوين/ الكتاب المقدس بعد أن استهل قصصه الأخرى بأقوال لمفكرين ومناضلين..! في نص متخيل عن أحداث تقع في عام 2351، حيث تنطلق سفينة فضائية من الأرض الى الفضاء الأرحب وقد كتب عليها بلغة انكليزية وخط واضح (الانسان.. رجل وامرأة.. ذكر وأنثى.. نسكن الكرة الأرضية في المجموعة الشمسية.. وفي يوم 3-7/2351 انطلقت السفينة الفضائية باتجاه الفضاء الخارجي/ ص85).

ويسرد القاص تفاصيل للرحلة وظروف بطليها اللذين سينجوان من اندثار العنصر البشري على الأرض.

ومتعة التفاصيل في هذه القصة تجذبك لأن ساكن السفينة الفضائية هو شاب عراقي!! (.. اختير للمهمة شاب من اصول عراقية وتحديداً من قرية قريبة من قلعة أور في الناصرية.. ص84) وكأن القاص يشير من طرف خفي الى توقه في أن يكون هذا الشاب  الناجي من فناء البشرية ولو  في حلم يقظة.

وما يعزز توق القاص هذا هو رجوع المركبة الى الأرض ثانية بعد تيه لتهبط كذلك.. في الناصرية (اقترب الدوي وبان جسم السفينة العملاقة فرفعت ملايين الحيوانات اعناقها الى الأعلى.. لقد كانت تسرح وتمرح على أرض بلاد ما بين النهرين، المكان الذي حددته السفينة مركزاً للأرض، وقريباً من بقايا قلعة ظهر اسمها بشكل تلقائي على الشاشة، بعد أن تم تلقيم السفينة بخرائط الأرض (قلعة أور).. هبطت السفينة.. هبطت وهي تعيد للأرض سيدها الغائب من جديد/ ص110).

*(كتاب الحياة) مجموعة قصصية للقاص والكاتب عبد الامير المجر /منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق للعام2018.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر