ستار خضير.. قمة المجد والشرف الشيوعي الأصيل

عدد القراءات : 92
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ستار خضير.. قمة المجد والشرف الشيوعي الأصيل

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد علي محي الدين

 

لم يتسنَ لي اللقاء بالشهيد ستار خضير أو الالتقاء به، أو معرفته عن قرب ،ولكني سمعت باسمه عند استشهاده وهو يؤدي واجبه الوطني عندما قام الجبناء باغتياله بطريقة بشعة، حينها نشرت صحافة الحزب نعيه وطالبت بالاقتصاص من قتلته والكشف عنهم ،ولكنه نداء لم يجد استجابة فعصابات صدام ويده اليمنى ناظم كزار، كانت ماضية في اغتيال القيادات الحزبية الرصينة التي رأت أنها تشكل خطورة على مشاريعها المستقبلية وخططها الساعية لإنهاء الحزب الشيوعي والقضاء عليه، وهو الواجب الذي كلفت به القيادة البعثية لقاء تسليمها الحكم في تموز 1968،وكان هذا واجبها الأول وهدفها الأساسي رغم ما طرحت من شعارات تمويهية لخداع القوى الوطنية بأن ابن أوى قد ترك أكل الدجاج وأصبح عابدا ناسكا تقيا ورعا ،فالكلب كلب وإن طوقته ذهبا ،و(أبو عادة اسأل عن سلامته) لذلك ما كانت المشاريع البعثية ولن تكون ذات هدف وطني ،وهذه الجرثومة التي زرعتها الإمبريالية العالمية في المنطقة لن تغير تفكيرها أو تلغي أجندتها وما زالت رغم ما حدث من تطورات مطية الإمبريالية التي يراهنون عليها ويحاولون إبقاءها لتنفيذ مشاريعهم التصفوية لكل من هو شريف،واليوم وبعد الهزيمة التي لحقت بالبعث ،ورغم تاريخه الأسود لا يزال فرس الرهان الذي يراهنون عليه ولابد له أن يلج الساحة من جديد لإكمال مشاريعه التي لم تكتمل بعد وليذهب دعاة الاجتثاث إلى الجحيم إذا كانوا قادرين على اجتثاث هذه الجرثومة وإنهائها فقد أخذت بالتمدد وأصبح لها وجودها الفاعل ولابد لها من أن تعود ذات يوم لتكيل الصاع صاعين لمن حاولوا الإساءة إليها وعندها سيهرب الاجتثاثيون إلى دول اللجوء السياسي،ويبقى (أبناء الخايبات) عرضة للإبادة والقتل ليناضل المناضلون من خارج الحدود ويحاربوا بسيوف الأثير بانتظار المنقذ الجديد ليعيدوا الكرة ثانية ويتصدروا الساحة وهكذا هي دورة البعث في الطبيعة ،كر وفر والتحام وانهزام،والضحية هم المغلوبون على أمرهم الراقصون على أنغام الديسكو والجوبي والمولية والهالي كالي ،فالعراقيون أساتذة في الرقص على جميع الأنغام ويجيدون هز الأرداف لكل من يقرع لهم الطبول ،و(على هالرنة اطحينج ناعم). 

 

أعود إلى سياق الحديث فقد ألهاني  البعثيون عن صلب مقالي لأنهم (حمص بكلشي ينبص) أقول سمعت باسمه بعد استشهاده ،والذي يموت عندنا نحن العراقيين يكون (عزيز محروق….) لذلك انهالت برقيات الاستنكار من الأحزاب الشقيقة والصديقة والعراقية،وتداولت اسمه وكالات الأنباء وعرفنا أنه عضو في اللجنة المركزية وأنه كذا وكذا…ومرت الأعوام،وذات يوم وفد إلى مدينتنا الباسلة طبيب جديد اسمه (باسم الحيدر) يومها كان الناس لا يسألون عن دين فلان أو طائفته ،وعن أهله وعشيرته فالجميع سواسية ولا فرق بين المختلفين كما هو الحال هذه الأيام،وسمعت همسات من هذا وذاك من الاعضاء أنه شقيق ستار خضير،فتقرب منه الاعضاء الشيوعيون  خيفة عليه،وقد جاءت معه بنت في سن المتوسطة ،سجلت في متوسطة البنات كنا نعتقد أنها ابنته ولكنها كانت ابنة أخيه الشهيد ستار خضير،وكانت زميلة لشقيقتي الوسطى وفي ذات الصف فتكونت بينهما علاقة بحكم الروابط التي تجمعنا والطريق المشترك الذي يربطنا ،وكانت تأتي مع شقيقتي ليقرآ سويا،حينها لم أعرف أنا من هي البنت وأنها مجرد زميلة لشقيقتي ولطبيعتنا المنغلقة كنا لا نرتضي لأنفسنا مكالمة فتاة لا تمت لنا بقرابة لذلك كانت تلتقي بأخواتي ووالدتي ،وذات يوم سألت والدتي عن الفتاة من تكون فانها تبدو غريبة لأننا نعرف بنات الحي ونعرف أهلهن واخوتهن بحكم الطبيعة الاجتماعية للمدن الصغيرة ،فأخبرتني والدتي ودموعها جارية أنها ابنة الشهيد،ولكن أي شهيد هذا ما لم أتأكد منه في حينها ،ولأن والدتي بطبيعتها ذات نظرة إنسانية تأسو لليتامى وتحاول مساعدتهم،ولكن اهتمامها بهذه الفتاة كان يأخذ أبعادا أخرى فهي تذكرها دائما ولا تنعتها إلا ببنت الشهيد ،سألتها ابنة من هذه ،قالت (ابنة ستار) ولكن أي ستار هذا فالمدينة فيها أكثر من ستار،فقالت (ولك يمه بت ستار شجاك ما تعرف ستار) ولكن يا أمي يوجد أكثر من ستار فهل ستار آل فلان أم آل فلان،فقالت (ولك يمه هذا الكتلوا البعثيين،وعمها دكتور باسم) عرفت حينها من تكون ولكن والدتي لا تنشف لها دمعة كلما جاء ذكرها سالت دموعها لأنها ابنة الشهيد،والسر في انجذاب والدتي للأيتام كما تقول أنها ولدت يتيمة فاحتضنتها جدتها. 

 

ستار خضير من مواليد الكحلاء أو مسيعيدة أو ما يطلق عليها بلغة الناس (الجحلة) ولد فيها لعائلة مندائية عام 1930، كان والده يمتهن الصياغة ولم تكن هذه الحرفة كما هو الحال عليه هذه الأيام ،فهي تتطلب جهدا ويعاني العامل فيها من لذع النار ووهجها ،وكانت حالتهم المادية شبه ميسورة، ولوالده مكانته في وسطه الاجتماعي لما يتحلى به من صفات جعلته محبوبا من أهله وجيرانه ،فكانت داره مثابة للآخرين يقضون فيها أوقاتهم ويتداولون أسمارهم،في هذه العائلة نشأ ستار نشأة جعلته ينظر إلى الحياة نظرة أخرى فقد أرسله والده إلى المدرسة في وقت كانت الكثير من الأسر تحاول تعليم أبنائها صنعتهم ،أو يقومون بمساعدتهم في أعمالهم إلا أن والده الكريم أراد لأبنائه أن يكونوا شيئا فكان يرسلهم إلى المدارس ليكونوا شيئا في المستقبل ولابعادهم عن تعب هذه المهنة ومعاناتها،وفي المدرسة بدأ ينظر إلى الحياة نظرة أخرى فالكثير من زملائه من أسر فقيرة لا تحصل على قوتها بسهولة فكانت الفوارق الطبقية واضحة في المدرسة، وأبناء الشيوخ والملاكين وأصحاب العقارات والتجار متميزون بملبسهم ومصروفهم وتعامل الأسرة التعليمية معهم ،من هنا نشأ في نفسه الكبيرة الميل للطبقة الفقيرة ومحاولة تقديم العون لها وانتشالها من واقعها المؤلم فبدأت تتفتح بواكير وعيه وهو في الابتدائية،وانتقل للدراسة في متوسطة العمارة،فكانت البداية للارتباط بالحركة الشيوعية والتأثر بمبادئها،ولمواقفه الراسخة في الدفاع عن الطلبة نسب للعمل في اتحاد الطلبة العام فكان أن قاد إضرابا لتخصيص قسم داخلي للطلبة فتكللت مطالبهم بالنجاح ،وحاز على ثقة الطلبة فكان لولب الحركة الطلابية وابنها الأمين ،وهناك تعرف بالشخصية الوطنية المعروفة الشيخ حسين الساعدي والد الدكتور  علي الساعدي،الذي زرع في نفوس الشبيبة المبادئ الوطنية الأصيلة،وأرشدهم إلى الطريق المفضي إلى خير الإنسانية،فكانت وثبة كانون 1948 الميدان العملي للتجربة الثورية ،فشارك فيها مع الشباب الثوري الذي رفض المعاهدة وأسهم بشكل فاعل في قيادة التظاهرات التي عمت المدينة وواجهتها السلطة بالحديد والنار مما أدى إلى استشهاد أحدهم وإصابة آخرين،وقد أغلقت السلطة المدارس والقسم الداخلي فعاد إلى بلدته الكحلاء،ليستأنف دراسته بعد عودة الأمور إلى وضعها الطبيعي. 

 

بعد اكمال دراسته الإعدادية شارك في دورة اعداد المعلمين،وعين معلما في ضواحي بغداد،ولكنه فصل قبل أن ينهي السنة الأولى لانتمائه السياسي فعاد إلى مدينته ليعمل أعمالا حرة وانصرف للعمل في التنظيم الفلاحي،وقد وزع مناشير شيوعية في مدينته ونتيجة وشاية أحد المواطنين اعتقل مع جميع أفراد عائلته وتعرضوا لتعذيب بشع جعله يقر بتوزيعه للمنشورات لإطلاق سراح أسرته،وحكمت عليه المحكمة بالسجن ستة أشهر خرج بعدها أكثر تصميما على النضال والمواجهة. مارس عمله النضالي غير هياب ولا وجل حتى القي القبض عليه مرة ثانية سنة 1954 وحكم عليه بالسجن سنتين أرسل على اثرها إلى سجن بعقوبة،ولمضايقات الشرطة لهذه العائلة المناضلة اضطروا للانتقال إلى بغداد،وبعد خروجه من السجن أبعد إلى بدرة لمدة سنة واحدة،التحق بعدها بعائلته في بغداد قبل ثورة تموز بشهور وواصل عمله التنظيمي في أماكن متعددة وبعد ثورة تموز 1958 عمل في التنظيم العسكري حيث أثبت جدارة وأهلية لما اتـصف به من ضبط صارم وتفان وجرأة واستعداد للتضحية،وعمل في وظيفة ثم استقال بناء على طلب الحزب ليتفرغ للعمل الحزبي،وبعد مؤامرة الشواف الخائبة وقيام القوى الرجعية بحملة تصفيات للقادة الشيوعيين، نسب للعمل في مدينة الموصل لما هو عليه من روح كفاحية هازئة بالصعاب وقادرة على المواجهة فأدى عمله على أحسن ما يكون  ،وعندما شاءت الحاجة الحزبية إلى الكوادر المؤهلة نسب للعمل في مدينة كركوك،ومارس عمله بما عرف عنه من بسالة وتضحية ونكران ذات حتى انقلاب 8شباط الأسود،حيث مارس العمل السري المكثف في ظل أعتى نظام بوليسي شهده العراق ورقابة باحثة مشددة على الرؤوس الشيوعية الكبيرة لإنهائها والقضاء عليها ،وعندما نسب للعمل في كردستان الحبيبة اضطر لإعادة عائلته إلى بغداد أواسط الستينيات ومارس العمل المسلح في  كردستان مع أبطال الحركة الكردية وفصائل الأنصار الباسلة ،وقد نسب للعمل في بغداد عام 1966 ليعمل في التنظيم الحزبي في قيادة منطقة بغداد ثم انتخب عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. مارس مسؤولياته الجسيمة بما عرف عنه من قابلية واقتدار ،وبعد انقلاب البعث الساقط كانت أنظار جلاوزة الأمن الصدامي تتابع خطواته ونشاطه وفي 23/6/1969 كانت بداية النهاية، إذ قامت زمرة من قوات الأمن مدججة بالأسلحة الأوتوماتيكية بمهاجمته وهو في طريقه إلى عائلته في شارع فلسطين، بالقرب من الجامعة المستنصرية، وأفرغت في جسده الطاهر نيرانها الباغية، وكانت مواجهة غير عادلة لكثافة الهجوم وعدد المهاجمين فتركوه يتخبط بدمائه وسط الشارع لاعتقادهم باستشاده، فهرع أبناء المنطقة لاخلائه إلى  الطوارئ للعلاج وهناك رافقه شقيقه وأشرف على علاجه خشية قيام القوى الأمنية بالإجهاز عليه ،ولكن الاطلاقات القاتلة لم تنفع فيها حكمة الطب فأسلم الروح بعد خمسة أيام وعلى شفتيه ابتسامة هازئة بوجه الطغاة، وأمل واعد بأن يأخذ الحزب بزمام المبادرة لإعادة المسيرة إلى طريقها الصحيح والاقتصاص من القتلة المجرمين،وقد شيع جثمانه بموكب كبير إلى مقبرة أبي غريب. اثار غضب السلطة البعثية الساقطة ذلك الحشد الكبير فمنعت سيارات المشيعين من مرافقة الجثمان الطاهر لساعات عدة ،وهناك ووري الثرى ،وكان مقتله صدمة كبيرة للحزب والشعب ومن عرف تاريخ الفقيد ونضاله من أجل الشعب والوطن.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
احمد كاظم ... تفاصيل أكثر
زكية حادوش ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
صغيري الجميل:    ها هي ذكرى رحيلك قد تصدرت صباحتنا، وهاهم جميعاً.. أهلك وصحبك ومعهم الأمكنة يفتقدون حضورك وسط هذا الضجيج المسمى فراق، لكني أعلم انك ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
اياد السماوي ... تفاصيل أكثر
عبدالله الجزائري ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر