وادٍ غير ذي عدل

عدد القراءات : 33
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
وادٍ غير ذي عدل

غرام الربيعي

دار ، دور ،أول  الحروف وأول الكلمات وأول المعاني هو الدرس الأول في المدارس فنعود كل يوم إلى هذا الدار نحبه أكثر وننتمي اليه أكثر، وندرك معنى أن نأكل ما نريد ونلبس ما نريد، وننام متى شئنا، ونمرح فيه ونشارك اخوتنا بكل شيء وفيه أبوان بمعنى الأمن والأمان والكفاف والعفاف والسكينة والمكينة ،وبمعنى أشمل هو حريتنا وحقيقتنا وما نحب .

نكبر ويكبر معنى الدار فيكون وطنا ،فهو الأم والرحم والمرضعة ومسكننا وناسنا وأهلنا وذكرياتنا وكل جذورنا .

هنا نتوقف كثيراً عندما تتحول كل تلك الدلالات إلى الضد من معناها أو حقيقتها وتصبح بلا مرادفات ويصبح الناس بلا دار، وتتحول الدور إلى خيم ومستوطنات وننسى الأمن والأمان ولا كفاف ولا سكينة ولا مكينة ،ويصار أن الوطن يحتاجني أكثر من حاجتي له وينشط شعار نموت ويحيا الوطن، وليس نحيا من أجل الوطن ،ونتمرغ بالحزن والضجر لأن الوطن مُلك يتقاسمه الأشرار بعنوان المناصب  والقادة والأحزاب، تحت شعار الوطن والوطنية . الوطنية فعل وليس كلاما يتبجح به الساسة بعين الوقاحة وهم مختنقون بالخيانات وصفقات بيع الوطن ،فيتحول أبناء الوطن إما مهاجرا مغتربا أو ساكنا مضطربا وحال قول قائد الغر الميامين علي بن أبي طالب (ع):

(الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة ) فالوطن أصابه الكثير من الوباء لا يصلح للعيش إلا بتطهيره من كل المتقزمين من جهلاء القوم والمجرمين والخونة والمحطمين لاول حروف التعلم (دال ،ألف ،راء)والتي تعني حياتنا بأصلها وجذرها ومن شاركنا بها .

:عندما يمسك بالقلم جاهل ، وبالبندقية مجرم ، وبالسلطة خائن ،يتحول الوطن إلى غابة لا تصلح لحياة البشر (مصطفى السباعي ). الدار التي هجرناها قسراً والأخوة الذين رحلوا من أجل الوطن والأبوان اللذان ماتا حسرة على الدار والولد ،والعمل الذي سرقه أهل المغانم السلطوية ،والحدائق التي ماتت بسبب شحة الماء، والأسماك التي قتلوها شنقاً بالخيانة، والحنطة التي حرقتها نار قلوبنا، 

وجواز السفر الذي أشرته الدول بخط أحمر (يمنع دخول أهل المناطق الساخنة )،ومقعد الدراسات العليا الذي سرقه جاهل متحزب ،ومتاحف الحضارة التي هدمتها معاول الشر، وبياض أمي المتحول إلى سواد والمناطق الخضراء تحولت إلى مقابر، ولم يتبق منها إلا منطقة واحدة يسكنها الأوغاد .

حين يتحول أصحاب الشهادات الى عمال في مساطر البناء وعمال أفران وصانعي شاي في الشوارع وسواق للتاكسي سداً لرمق العيش وإعالة عوائلهم مقابل أن يتسيد الجهلاء والمنافقون والمتسلقون وأبناء الساسة وأقاربهم مديرين عامين في أخطر مفاصل الإدارة للبلد، وتسيير أمورها بل (توقيف أمورها ) فالسلام على الدار والدور حين يتولاها الطاغور ويتركها المغدور والمقهور وهناك الكثير من المستور وغير المنشور، تتلذذ به قنوات الفضح والإهانة، يتفرج عليها القاصي والداني من قريب وبعيد، ونحن مازلنا نعلم الأولاد دار ،دور ، وأهم شيء في الصباح أن نغسل وجوهنا من أحلام الليل العالقة كوشم ثابت وغسل الأسنان بما علق بها من عفن فراغ المعدة ،ونرتدي قميصا لم تعرف أمي تقريمه حين منحه لها أحد الميسورين وحفظ النشيد الوطني .

نعم النشيد الوطني كي لا نتهم بعدم الوطنية والسبب الأهم مازلنا نحفظه عن ظهر حب ونخشع عند سماعه بكل جوارحنا .

الدار الذي نافسَ سعره ُدارا آخر تم اغتصابه لعدة تبريرات وهو تجاوز أو زراعي دون قانون سوى الاضطرار والخوف من التشرد .الدار التي ملئت جدرانه صور الشهداء والمغدورين .

الدار الذي كُتب عليه (مطلوب عشائرياً) لغياب القانون .الدار الذي تمت رهينته لسد تكاليف عملية علاج السرطان لأحد أفراد العائلة .

الدار التي أحبها لأن فيها رائحة أمي وزرعات أبي وحكايات جدتي وجدرانه المليئة برسومات أولى تعلمي الرسم للشمس والنهر وكلمات مكررة دار،دور ،دار،دور ، د  ا   ر ، د   و   ر . والسؤال الذي يؤرق ماتبقى من العمر :مَن سرق الدار ومَن هدم الدور ؟؟؟

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد أبو رغيف ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
قاسم حسون الدراجي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. موسى الحسيني ... تفاصيل أكثر
د. سارة كنج ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر