تغييب المجتمعات

عدد القراءات : 126
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
تغييب المجتمعات

 

جاسم جمعة الكعبي

 

 هذه السطور ليست سردا تاريخيا، بل مثل واضح على التحولات والنقاط الحرجة، والحلول الترقيعية في حياة الامم التي ينجم عنها تغييب الجماهير وانحراف المسيرة وتبدل الاهداف، متجسدة بالأصنام والغلو بالرموز او تحريف الحقائق، لتقف الشعوب حائرة عاجزة عن تغيير واقعها. 

 فلما رفض سادة مكة دخول الحجيج إلى البيت الحرام في عصر الجاهلية كما يصفه كتبة التاريخ، وذلك لشدة الفوضى التي يتسبب بها الحجيج عند تأدية الطقوس العبادية، متداخلة مع البيع والشراء وترويج بضائعهم، لذلك  قرروا تحديد أماكن تبعد عن مكة ليلتين او اكثر، يجتمع فيها الحجيج ويتداولون الاحداث الهامة، ويتبادلون الآراء والافكار، ويعرضون بضائعهم ويهيئون أنفسهم للحج. فنشأت ثلاثة مواقيت حسب الطرق التي كانت تسلكها قوافل الحجيج القادمة من كل فج عميق، تجتمع فيها القوافل قبل الدخول الى مكة، أشهرها عكاظ، وبين المجازين، والثلث لم يذكر كثيرا في التاريخ. ومع مرور الوقت، اصبحت تلك المواقع موسما للتفاخر وترويج البضائع، لتتحول الى أسواق بعد ان تفاقم موقفها واشتهر ذكرها، ما جعل الحجيج وغيرهم يعجون ويضجون بأصواتهم في كل مكان من ارجاء الجزيرة العربية وغيرها، إعلاء لأحسابهم وتفاخرا على غيرهم، ودفعا للتنافس من اجل زيادة واردات السوق، إلى الحد الذي جعل هوازن تنقل اكبر آلهتها (جهار) إلى السوق. وتعد هذه نقطة انقلاب حرجة في مجرى الاحداث، مدعية بذلك انها تبارك بيعها وليس تظاهرا على الاقوام الاخرى، لتثبت سيادتها على السوق، بذلك يكون مؤشرا على تغيير الاهداف. فكان موسما رائعا للترويج والبيع بسم الله والاصنام التي كانوا يدعون انهم يتقربون بها زلفى الى الله، فيملكون بذلك الاله والعباد.

 وهكذا فعل الأغلب حفاظا على مكانتهم وقدرة آلهتهم وحماية لموقعها في نفوس القبائل، حتى اصبح هذا الموسم أهم من الحج نفسه. والأمثلة كثيرة على الانحراف عن الغاية الحقيقية. ولا يفوتنا ان نذكر قوم نوح الذين فشلوا في دحض افكار وطروحات نبي الله نوح (ع) فألبسوا الحق بالباطل وخيموا على مجتمعاتهم بالشبهات، لطمس الحقائق وادخال المجتمع في دوامة الصراعات الاقتصادية، لتصل بعد ذلك الى صراعات قبلية شرسة، ايسرها ان تسيل بها دماء الناس الابرياء، كي يقطعوا سبل التواصل بين الناس لئلا يصلوا اليهم، ويقف خلف ذلك دهاقنة المال والمتنفذون والمتعصبون، والمعاندون خوفا على مراكزهم وسطوتهم (وَقَالُوا الَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) (فود وسواع ويغوث و يعوق ونسر) هؤلاء رجال صالحون، فلما ماتوا جعل المنتفعون من مجالس الصالحين اصناما تعبد ودعوا ان بهؤلاء تسير القوافل وتغاث الناس و بهم ينزل المطر. ويظهر من متن الآية الخلط بين الحق والباطل، من اجل خلق الشبهات، وهي اصعب على المجتمع، فجمعوا بين آلهتهم والصالحين الذين كانوا هم اجداد نوح اصلا، وهم من ولد شيث (هبة الله) مما يعقد الصراع ويضفي عليه شرعية.  

  اليوم أكبر القضايا واكثرها شيوعا في عراقنا الجريح قصة استشهاد ابي عبد الله الحسين (ع)  وبالرغم من أن الله تكفل بحفظ قضيته وسماها ثأر الله وابن ثأره، الا ان البعض مازال لا يدرك تلك الحقيقة، ويعملون على عرض بضائعهم حتى التي لا تمت بصلة لقضية الطف. وهذا الحال بدأ بشكل شريط عريض وشريحة كبيرة، في المجتمع والشركات والتجار والإذاعات والقنوات الفضائية والكتاب، فضلا عن الرواديد والشعراء، وإثباتا لذلك فقد لاحظنا في يوم العاشر من محرم الحرام، أن اكثر القنوات الفضائية الشيعية وغيرها، لم ترفع شريط الأخبار او الإعلانات عند قراءة القصة الكاملة لاستشهاد ابي عبد الله الحسين (ع) وأصحابه الأبرار، كما اعتادت في كل سنة. ولم تقف الاحداث عند هذا الحد، بل استنزفوا هذا المحور بجعله موسما لعرض كل ما عندهم، وبيع كل ما لديهم، وإطلاق افكار هجينة وسقيمة، ليذهبوا بالناس بعيدا عن اهداف الثورة الحسينية التي قال فيها: (إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين).

 فتجاهل الاغلب تلك الكلمات، وهذه طبيعة المجتمعات التي تشتر افكارها، ولا تقدم رموزها ورجالاتها بشكل واقعي مدروس، بل تخلق منهم قصصا خرافية وابطالا أسطوريين، ذوي قدرات تفوق الاعجاز، ليس تقديسا منها وتبجيلا لرموزها على احسن الظن، بل أن سادة القوم وكبارهم ومترفيهم، مصرون على تعجيز المجتمع بتلك الاطروحات، حرصا منهم على عدم ولادة مصلح او منقذ او مفكر، يهدي الناس عن ظلالتهم ويهدم صروحهم. علما ان الناس من ذكر وانثى هم القادرون على تغيير واقعهم نحو الافضل، ولم يكن القادة وغيرهم من اصحاب التيارات الفكرية والتحررية والمناضلين، الا اناسا امنوا بما كانوا يعتقدون، وتآزروا وتكاتفوا ليقفوا قبالة اشد طغاة العصور، فتسقط تيجانهم وتهتز عروشهم. 

 فعلى المتصدي ان يقدم ما بجعبته، وان لا يشترط النصر او الربح، بل يراهن على تحويل هذه الاجساد الخاوية الى انوار وفوانيس تضيء الطرقات للقادمين. اما اذا قرأنا الاحداث بطريقة مختلفة، وجدنا ان التأريخ يحمل بين طياته افرادا بسطاء، كانوا النقاط الحرجة في عملية توازن القوى والانقلاب الفكري، وهو الاهم في معادلة الصراع لكونه يطرح مجموعة استفهامية تملأ افق المجتمع، بحثا عن اجابة تحل لغز المآسي التي يعيشها ذلك المجتمع، لتخلق له حدا فاصلا بين الحق والباطل، وبذلك تشق عصا الطغاة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
واثق الجابري ... تفاصيل أكثر
أحمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
رحيم الخالدي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر