قوالب الطين

عدد القراءات : 113
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
قوالب الطين

حسين كامل

 

ولدت في شهر تشريني، أصابني ضيق في قلبي، تلك المضخّة الحمراء العالقة في صدري نبضت يافعة حين جئت، كان أبي يلاعبني ويدخّن قربي، فتنت بي أمي منذ طفولتي، لا أضحك لغيرها، أحبّت 'الشامة' الدائرية النائمة فوق جفن عيني الأيسر، كنت أسمرَ حينها إلى الحد الذي عرضتني فيه أمي مع أخي الأصغر على خالتي التي قالت لها:

- لا أريد هذا المحترق.

مرّت سني عمري مثل طير يحلّق في الأفق تاركًا عشّه الأول في ذكرى ولادة موسم يرميه على قصبة تدفع الأيام، انكسر بيتنا كغصن شجرة، وقع على مدينة مثقلة خريطتها بتقاطعات تنزع روح كلّ من يمرّ بها، لا يدري أيّ أحد بأيّ تقاطع ينذر روحه قنديلاً؛ كي تحضن بقاياه الأرصفة وواجهات المحال. 

انشغل في اللعب حين تبدأ ذروة أول نداء. ضربة واحدة بالحصى على عمود الكهرباء، هكذا اتفقت مع أقراني. 

في حديقة منزلنا التي داهمها اليباس، تتوزع جذور النخلة المحاذية للحائط الخارجي أسفل الأرض، يميل الحائط قليلاً إلى الشارع، يجرّ معه سقيفة المخزن الذي تشوبه رائحة أفراخ دجاج، وهناك أشياء لا نستخدمها مزويّة خلف حاجز من قصب يعزل المخزن عن الحديقة.

إستيقظت أحد الصباحات، احتسيت قدح شاي مسرعًا. الباب مقفل. قفزت إلى سطح  المخزن، حيث الشارع، دفعتني رغبة لاستخراج قوالبنا التي نعملها حين تمطر السماء وتتحوّل التربة وحلاً في مساحة صغيرة بعيدة قليلاً عن بيتنا.

أجدهم ينتظرون قدومي لنلعب معًا، نقوم بإخراج القوالب اليابسة من تحت كيس أبيض يحميهنّ من ماء المطر، نضع كتلة من الطين قبل أن يتغيّر إلى تجاعيد في علبة قيمر فارغة نستخدمها كقالب، ثم ننتظر نبوءة الجفاف، نصنع بيوتًا صغيرة أو نحفر حفرة في الأرض، نضع فوقها قطعة خشب، نرشّها بالتراب حتى تبدو مثل نسج الأرض، وإذا وقع أحدنا في الكمين، يشقّ لنا قطعًا من الطين، ويلوّث بها ثيابه.

هكذا تجتاحنا الرغبة في اللعب، فينوي الواحد منا الرقص تحت المطر. نادى أخي وأنا منشغل، أشق قطع الطين كي ألطّخ ثيابي:

-  أبي يريدك بسرعة. 

 أترك أقراني، أتّجه إلى بيتنا راكضًا، أجد أبي وأمي يهيّأون حقائب سفر، أبي المذعور لأول مرة صاح بي:

- سوف نرحل.

أقف أمامه، أعترضه:

- بيتنا جميلٌ هنا.

- اليوم يضربون المدينة بالمدافع.

 نعدّ حقائبنا مخذولين، نذهب خارج البيت مع عدد من أقاربنا، تحملنا الخطى إلى ساحة ضاجة بناس غرباء، تتوسطها شاحنات حمل يتقافز فوقها الركّاب مثل كومة شيء منقول للبيع، أفلت يدي من يد أمي، أقف في منأى عنها :

- إلى أين ذاهبون؟

تعيدني:

- إلى بلدروز.

ركبنا الشاحنات تاركين مدينتنا، الكلّ يحمل في قلبه حنين الفراق، في منتصف الطريق، دون رغبة، حرّرت فضولي الذي كنت أمارسه مع أبي:

- لماذا هذه الوجهة؟

- هناك مدينة هادئة. 

- أين تقع؟

أخذني النوم صوب حلم العودة، يستمر أبي في الحديث:

-   نهاية الصحراء، على حافة الشرق.

لا أدري، استيقظت في غرفة حائطها من حقائب مختلفة مرتّبة للأعلى، تعزل غرف عديدة في (جملون) طويل احتوى عوائل كثيرة.

خرجت في أحد النهارات إلى نهر الروز الذي يقع خلف مساحة زرعت فيها الحنطة والشعير والذرة... تنهّدت أمي لمّا ترقّبت طريقي:

- نسيت ذكرى لي في البيت.. سوف تنطمر تحت بقايا بيوتنا الأولى.

خلف النهر بساتين حمضيات وتفاح، أمدّ خيط رؤيتي حيث شموخ النخيل، أبوح حروفي قبل أن أبتلعها:

- الطين...

تردّ أمي:

- تيبّس مثل حديقتنا.

- كلا، أخاف أن تهدم المدافع قوالبنا، أو تتفتّت من زلزال ما عند سقوط  بغداد.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
أياد السماوي ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
جواد أبو رغيف ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ريسان الخزعلي ... تفاصيل أكثر
قاسم حسون الدراجي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. موسى الحسيني ... تفاصيل أكثر
د. سارة كنج ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر