معلم من الزمن الجميل ..!!

عدد القراءات : 42
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
معلم من الزمن  الجميل ..!!

حسين الذكر

في عام 1970 اصطحبني والدي رحمه الله الى مدرسة المحمدية الابتدائية وكانت عبارة عن بيت مستاجر في منطقتنا ، لكنه بيت ليس عاديا ، فالله وحده يعلم ، كم خرّج من كفاءات العراق العلمية والمهنية فضلا عن التربوية والوطنية . كلما اتذكره من تلك الايام الاولى ، اني كنت البس دشداشة بازة باول ظهوري في المدرسة للتسجيل .. اذ كانت زي الفقراء ولبسهم بالوانها واشكالها المتعددة ، بجامة او دشداشة او قميص واشياء اخرى .. وقد طلبوا من ابي نصف دينار رسم التسجيل وقد امتنع عن الدفع ، تحت حجة عدم امتلاكه المبلغ الكبير انذاك.  فيما كان ابي يتباكى محاولا التخلص من الدفع ، انبرى احد المعلمين يهمس باذن المعاون : ( انهم فقراء ولا ينبغي ان يحرم هذا الطفل من التعليم تحت عنوان الرسم ، لذا اقبله في المدرسة وساتكفل الدفع عند استلام راتبي ) ..  ذلك المعلم  لا اتذكر اسمه ولا شكله ، لم يكن يمثل نفسه ، بقدر ما هو نتاج بيئة ومجتمع ، حمل من المثل والاخلاق والتضحية وتحمل المسؤولية ما يجعله جديرا لاتمان فلذات الناس عنده.

اول يوم ، اخذونا الى اصطفاف الساحة والقى المدير كلمة عن اهمية الجيل المتعلم والدراسة في مستقبل الفرد والمجتمع ، مع اني لم ادرك اغلب تلك المعاني ، لكنها ظلت لامعة راسخة في ذهني ، وعقلي الباطن حتى اخذت تهديني بلا هوادة الى جادة ، اشكر الله جل وعلى واثني واترحم على اولئك البناة الاوئل والقادة الميدانيين حقا .. حفظهم ورحمهم واحسن اليهم .

في الصف الاول وفي اليوم الاول والدرس الاول ، دخل علينا رجل قصير القامة يحمل كارزما الرجولة والقيادة ، منحنا الاحساس بالدفء والابوة من اول ابتسامة ، ملأت شدقيه واتسعت مع حدقاته لتضمنا جميعا ، ثم وزع علينا حلوى من كيس صغير كان يحمله واخذ يحكي لنا قصصا ويسالنا عن هواياتنا واسمائنا وامنياتنا ومواهبنا ، حيث غنى البعض وصفق اخرون ونكتوا حتى ضحكنا وضحكنا دون ان يتكلم بالدراسة او يتطرق لها اطلاقا .. عرف نفسه انه ( المعلم صدام ) ، لم انس قوله الذي ختم به الحصة الاولى في حياة جيل ليته يتكرر ، حيث قال : ( من الان فصاعدا انا معلمكم ومربيكم ووالدكم ). 

في الحصة الثانية تناول الطباشير وبدا يعلمنا الحروف ، اذ كان يستخدم اصوات الطيور وبعض الحيوانات الالفية والماء والهواء .. غير ذلك من عناوين مجتمعية بيئية دالة ، ترسخت في الاعماق لم تمح الى اليوم . بلا مبالغة تسعين بالمائة من طلبة صفنا كانوا متميزين ، لم يرسب الا واحد من اربعين ، اكملوا الصف الاول وهم يجيدون القراة والكتابة ، وقد تخرجنا من الابتدائية ثم المتوسطة والاعدادية والجامعات والمعاهد...

لم اره منذ اكثر من خمسة واربعين عام ، اذ اختص استاذ صدام بتعليم الصف الاول انذاك ، كامتياز علمي وتربوي لا يعطى الا لمن هم اهل لذلك الائتمان والمسؤولية . قبل ايام لحظت رجلا كبيرا ،ركزت عليه واعدت ذاكرتي ، حتى ظهر في العقل الباطن ، انه استاذ صدام بعينه ، سلمت عليه وكنت انوي ان اقبل يديه وراسه واحتضنه وابكي ، على فقد امي وابي وما ضاع من عمري ووطني ومجتمعي وارثي وحاضري ومستقبلي ... حتى كفكف دموعي بذات الابتسامة التي طل بها علينا قبل اكثر من اربعة عقود .. فقلت له ساكتب عنك شيئا ، فقال : ( انا صدام سعيد من مدينة العمارة ، ولدت في نينوى عام 1936 ، كان والدي عسكريا هناك ، ثم انتقلنا الى كركوك معه ، تعلمت بالملاية ثلاث سنوات ثم دخلت ( مدرسة غازي الابتدائية في كركوك ). وتخرجت من الاعداية عام 1959 ، فدخلت دورة تربوية مدة سنة ، تعينت بعدها معلما ، في مدرسة ( حلاوة القرية بالحويجة ) التي كان ماؤها من البئر . عملت بها اربع سنوات ، ثم انتقلت الى بغداد بمدرسة المحمدية في مدينة الحرية التي تقاعدت فيها وما زلت اسكن ورزقت الكثير من الاولد والبنات كبروا وخدموا بلدهم كل باختصاصه ، واعيش ايامي الاخيرة انتظر رحمة الرب ، بعد ان اديت الامانة لوطني واسرتي واخذ الكبر والمرض مني ماخذا .. ثم سالته عن امنيته وحكمته الاخيرة .. قال : ( اسال الله ان يمن على شعبنا الطيب بالخير والامن والرقي .. وان تتاح للاجيال فرصة تعليم افضل ، تليق بتاريخ وامكانات العراق ، لاني اراى فارقا حضاريا كبيرا ما بين جيلنا ومن لحقنا والله ولي الامر ).

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي     حتى قبل أشهر قليلة من سقوط النظام البعثي وانهيار أكبر دكتاتورية في العراق، بعد الإعصار النيساني عام 2003 كان العراقيون يستذكرون الشهداء عند ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
فاطمة العتابي ... تفاصيل أكثر
هنالك تساؤلات كثيرة حول الاتفاقية الامنية بين العراق والولايات المتحدة الامريكية، كيفية الخروج من هذه الاتفاقية وماهي الاليات وغيرها من التساؤلات بموجب القانون الدولي؟.  إن انقضاء ... تفاصيل أكثر
ابراهيم الخياط ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي رشيد الجبوري ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين الذكر ... تفاصيل أكثر
حسن حامد سرداح ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
ثائر الثائر ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د.بيان العريض ... تفاصيل أكثر
هادي جلو مرعي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر