بين مالرو وعبد المهدي

عدد القراءات : 76
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بين  مالرو وعبد المهدي

عدنان الفضلي

حينما تحررت فرنسا من هيمنة النازية، في نهاية الحرب العالمية الثانية، وعاد قائدها الوطني الجنرال ديغول من لندن إلى باريس.. بادر إلى تشكيل الجمهورية الخامسة، بمساعدة رفاق دربه.. وكان من بينهم الروائي الشهير أندريه مالرو؛ الذي عرض عليه صديقه الرئيس وزارة سيادية مهمة في حكومته.. لكن مالرو رفض هذه الوزارة، واختار وزارة الثقافة قائلاً لديغول المندهش لهذا الاختيار: إن عقل فرنسا أصبح بين يدي!

هذا الإحساس الراقي بقيمة الثقافة، ودورها في صياغة عقل الأمة.. هو الذي قاد مالرو إلى تطوير ملكات المواطن الفرنسي، وتحريره من آثار ثقافة الحرب، وإفرازاتها في العنف الفكري، والاحتقان الاجتماعي.. مما دفعه لبناء المجتمع والدولة، بسخاء في الصرف على البرامج الثقافية، انطلاقاً من القيم الوطنية، الموصولة بمبادئ الثورة الفرنسية، في الحرية الفردية، والمساواة الاجتماعية، والتواصل الإنساني.

وبالطبع فقد استند الفعل الثقافي المتميز بالتعددية والإبداع في فرنسا، إلى إنجازات رواد عصر التنوير، من أمثال مونتسيكيو وجان جاك روسو وفولتير وفيكتور هيغو وراسين ولامارتين، وغيرهم من الذين عملوا على إثراء الوجدان الفرنسي.. بل العالمي بمشروعاتهم الفكرية وأعمالهم الإبداعية. هذه المقدمة التي أقتبسها هنا جاءت نتيجة الفعل المعاكس لها، الذي بادر اليه رئيس الوزراء العراقي الجديد عادل عبد المهدي، حيث ورغم أنه يحسب على شريحة المثقفين، لكنه قام بتكليف شخص لا علاقة له بالثقافة لا من بعيد ولا من قريب، في واحدة من المفاجآت التي أثارت الإستغراب والتذمر في الوسط الثقافي العراقي برمته، وحتماً ان هذا الوسط لا يمكن أن يتقبل مثل هذا الأمر الذي أراد عبد المهدي ومعه بعض الكتل السياسية فرضه كأمر واقع يجب تقبله، لكن هيهات أن يقبل الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ومعه نخبة من الفنانين والاعلامين والمثقفين، حيث بادر الاتحاد باعلان رفضه التام لهذا التكليف الذي يسيء تماماً الى الثقافة العراقية ذات المرتكزات المبنية على أسس متينة لا يمكن ان تستوعب الطارئين الذين يريدون مزاحمة الأدباء في أمكنتهم التي تصنع الجمال.

نعم، كانت ردة فعل اتحادنا العريق اتحاد الجواهري العظيم تمثل الصرخة المدوية بوجه كل من يريد المساس بهوية العراق الثقافية، حيث بادر الاتحاد وعلى لسان أمينه العام الشاعر ابراهيم الخياط ومعه المجلسان المركزي والتنفيذي الى دعوة المثقفين لوقفة احتجاج كبيرة ارتفعت خلالها الأصوات الرافضة لهكذا اختيار سيء، حيث أدان المتحدثون طريقة عبد المهدي السيئة في اختيار وزير لوزارة تعد هي الأهم في هذا الوقت الذي يتطلب إعادة صياغة حياة مجتمعنا العراقي الذي تعرض لانتكاسات كثيرة نتيجة التخبط السياسي الذي تعيشه كتل الفساد والمحاصصة المقيتة، وهذه الصياغة لا يمكن ان تحدث من دون وزارة الثقافة الحقيقية القادرة على بث خطاب توعوي يدعو لتبني الجمال بديلاً للقبح والسلام بديلاً للحروب التي تسبب بها طائفيو سياسة ما بعد 2003 التي أحرقت أخضر العراق ويابسه، وبعد كل هذا سنكون حتماً على ذات الخيار الذي يتبنى رفض كل شخص تريده كتل الظلام ان يكون على رأس هرم الثقافة، وهذا هو المبدأ الذي لن يحيد عنه اتحادنا الكبير.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
قدوري العامري ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    عاصف حميد رجب      سالت قلبي الصغير.. لماذا التردد في العظمة من الامور وتكتفي بانحراف رجفة القلب ويهتز وينبض بقوة  خطرة؟ .هذا في الخيال فالقلب صغير ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر