المفارقة في شيزوفرينيا الثقافة والمال في رواية مزامير المدينة

عدد القراءات : 26
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المفارقة في شيزوفرينيا الثقافة والمال في رواية مزامير المدينة

سليم جوهر

 

حيث يموت الرجل في مدينتي وقلبه مثقل بالهموم ( ص6) ليقول لنا ان الحزن يسكن العراق منذ الازل، فما فارق العراق الحزن يوما، والراوي يتكّئ على هذا الوعي التاريخي، ولكنه في ذات الوقت لا يدري لمن تعزف المزامير؟ ربما الى القبور،. (ص7) فالحرب مثل طابوقة نامت(ص8) ، وهو هنا يستعير مثلا شعبيا معاصرا، لان للحروب آلهتها، والجنود عبيد، (ص8)

فالحرب طابوقة، فبعد ان هلست الحروب كل ريشات الطيران نحو الحلم . ص10)..تتعثر بالحاجة لسد بطن الجوع حتى لوكان حفار قبور. المثقف يشتغل حفار للقبور، فما رمزية هذه الثيمة التي يريد لنا الراوي ان يوصلها لنا.

المفارقة اننا نعيش منذ بداية الرواية المفارق، لأننا لا نعرف مع من يتحدث محسن الى ان نصل الى قوله، وانت تهذي معي. وانا اصغي لك، او بالأحرى انت تصغي لي يا محسن ( ص12)- يحدث نفسه، أهي ازدواجية مقصودة لمنولوج داخلي تظهر المثقف ان له ازدواج الشخصية.

ومع هذه الازدواجية لهوية المثقف والثقافة، هنالك تداخل في الازمنة يترحل بينها الراوي بسهولة تامة، ونستطيع ان نخمن الزمن من خلال ذكره لكلمة داعش في الصفحة 31، وهي تشير الى ما بعد حزيران عام 2014 وما بعدها. 

فهو يعيش في الحاضر لكنه يجتر ماضيه عبر ذاكرته، يستعرض ذكرياته كأنها شريط سينمائي، فهو يعيش عالمين الجسد حاضرا والذاكرة ماضيا، يعيش الانفصام مع الحاضر ومشدود للماضي، وهو بذلك يذكّرنا بمفهوم المثقفين الرحّل. هي ازدواجية الطبقة الوسطى التي ترفض الحاضر لتنزوي الى داخل ذاتها تعزل نفسها، وعن محيطها في محاولة للهروب من الحاضر الى الماضي. المثقفون انهكتهم الحروب وتشظي المعنى وقساوة الحياة، فاشتغلوا حفاري قبور لكي يتعلموا كيف يدفنون الحياة بدل ان يعيشوا الحياة، لكن قبل ذلك على محسن (المثقف) ان تتعلم كيف تتحمل الالم (ص26). فعلى الثقافة ان تعيش هذه الازدواجية لكي تدمن الحياة في حفر القبور. فتعيش حلمك ان تكون دفانا. بل عليك النجاح في ذلك فلو فشلت فسيكون عليك ان تشتغل قوادا، او الموت (ص26). فما هذه الخيارات المفجعة؟. خيارات مفارقة

وتجتر ذكرياتك لترى السلاح ذات السلاح الذي رافقك طوال رحلتك التي بدأتها منذ الأزل، رحلة الحرب، فهو ذات السلاح الذي يتم به القتل في أماكن مختلفة، فلا فائدة من أي شيء، فقط فقدان المعنى هو الذي تعيشه الثقافة، بل حتى الصباح عار مثل حلم ظلّ على السرير، (ص55)، ماذا تفعل سوى أن تنزوي الى ذاتك أيها المثقف، وتعتذر لروحك انها تمتطي ما لا يمتطى لكونك مطية الحروب- ص14. ولكن من يدفع الثمن سوى ذلك المهمّش الفاقد للهوية والمحشور في صناعة الايديولوجيا فقط ابن الخايبة يدفع ضريبة الهتاف وضريبة التدوين والتاريخ المدوّن قبل مئات السنين على حافة طف صار صحراؤها سبيلا- ص14.ومع كل هذا الخواء يتذكّر سلوى طائر النورس (ص67)، هذا الطيف الجميل وهو طيف مدنّس، لذا تراه يعاني من هذا الصراع بين روحه الباحثة عن الطهر وجسده المنغمس في الرذيلة، فكيف الخلاص من هذا الصراع والاضطراب. سوى أن يدفن الثقافة في مقبرة الحياة. أو يفجر جسده الى أشلاء. 

    الرواية هي اقرب الى المنولوج الداخلي السايكولوجي المصور بمزاج أقرب الى السوداوية منه الى أي شيء آخر، يعرض فيها معاناة البطل محسن، الذي يعاني من وضعه الذي هو عليه، والصعوبة التي يعانيها في قبول ما هو عليه، فهو رافض للوضع العام الذي جعله ينزوي مرتدّا الى ذاته، ويعاني عدم قبول وضعه الشخصي في الكون الروائي، انه يعيش صعوبة تكاد تكون صادمة له وللقارئ تمثل صدمة المتبصر بحال الثقافة التي تمارس، كما تعرض الرواية خطّ المقاومة التي يمثلها محسن، ولكنها مقاومة تحمل ثنائية حدّ مقاومة المزدوج، مقاومة الآخر العدو من جهة، ومقاومة كراهية هذا الآخر من جهة اخرى. 

    الرواية تقدم لنا نماذج مختلفة وتحاول أن تقول عبر بطلها محسن كيف يمكن لنا أن نتعلم الحياة مع المختلف ومع الصراع الذاتي الذي يمزقنا، ولكنها في ذات الوقت تنبّه الى إننا جميعا رغم ادعاء الاختلاف متشابهون في هزيمتنا الذاتية، أي تبين لنا أننا قد نبدو في الظاهر وعلى السطح متزينين ومتشابهين ولكننا في الواقع جميعا فزعين من الداخل. 

    الفعل المحوري هل يكمن في هذا التناقض الذي يعيه محسن أم في تلك الشخصية الثانوية حمدية التي تحاول إغواء محسن في نهاية القصة وتنتهي لكي لا نعرف هل تمّت عملية الإغواء أم لا؟ إنها المحنة الأخلاقية التي يعانيها محسن منذ أن أغوى سلوى ومازال يتردّد في صداها.

      وهكذا نجد انفسنا في كل مشهد أمام مجموعة علاقات متشابكة اجتماعيا، كشرطٍ أساسي في تحدد قراءتنا للرواية وتحليل الوضع.. الاوضاع الاجتماعية لشخوصها.. ومواقف الفاعلين عبر تشظّي شخصياتهم، في الممارسة الحياتية اليومية ضمن الفضاء الروائي، ليعكس طبيعة التشظي المجتمعي، امام مجموعة من المواقف.. والأوضاع الاجتماعية ترتبط بروابط علائقية في انشطة اجتماعية، تعكس الفجوات والاختلافات في شخصيات الرواية، يحدّد بعضها البعض في علاقات التقارب والتباعد، التخارج والتداخل، فهم يشغلون موضعا دون أن يحدّد طبيعة مكانتهم الاجتماعية، فلا يمكن تحديد هوياتهم.. هل هم من الهامش أم من المركز بصورةٍ موضوعيةٍ أو يتم مطابقتهم مع هذين البعدين، الهامش والمركز؟

    إنها المفارقة بين رأس المال الاقتصادي ورأس المال الثقافي.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر