شعراء تمردوا على أنفسهم وغيروا تاريخ الشعر العربي

عدد القراءات : 28
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
شعراء تمردوا على أنفسهم وغيروا تاريخ الشعر العربي

حين يراجع الشاعر التاريخ فإنه سيمارس وظيفته وكأنه حفارٌ للقبور، إذ تبدو لعبة الحفر أشبه بمحاولة للكشف عما هو غائر وملفق، وما هو قصدي، ذلك الذي صنعت الأيديولوجيا والسلطة الكثير من أقنعته وقبوره. وهذا ما نجد أنفسنا بصدده إزاء تجربة الشاعر العراقي فوزي كريم.

علي حسن الفواز

 

الشاعر ينتمي إلى الأسطورة وليس إلى التاريخ كما يقول فوزي كريم، وهذا الانتماء يحرره من أوهام كثيرة لها علاقة بالمقبرة والمتحف والوهم، فما بين التاريخ والأسطورة تقاطعات سرديات تمسّ أسئلة الوجود والحرية، مفتوحة، وربما تمسّ نظام “الاستعارات” التي قد يلوذ بها هذا الشاعر أو غيره لاصطناع ما يشبه “زاوية النظر” المؤدلجة، أو المُلفقة، حيث ينسحبُ الشاعر من أفق المتاهة إلى لعبة الرايات أو الكراهيات، أو ربما إلى الفخاخ والسجون، تلك التي استغرق في رهاباتها الكثير من شعرائنا.

كتاب الشاعر فوزي كريم الجديد “شاعر المتاهة وشاعر الراية/ الشعر وجذور الكراهية”، الصادر عن منشورات المتوسط بميلانو، هو جزءٌ من ثلاثية أصدرها الشاعر ضمت كتابيه “القلبُ المفكر، الشعرُ يُغنّي، ولكنه يُفكّر أيضاً” ونسخة مُعدّلة ومُنقحه من كتاب “ثيابُ الإمبراطور، الشعرُ ومرايا الحداثة الخادعة” الذي صدرت طبعته الأولى عام 2000.

واحتوى الكتاب الجديد على مقدمة توصيفية، أو “مطالعة نقدية” كما سمّاها الشاعر لطبيعة التحولات التي استغرقتها وقائع الشعرية العراقية، عبر طبيعة تمثلاتها الثقافية والوجودية والتاريخية، وعلاقة ذلك بصورة الشاعر الذي عاش رهاب راياتها، وشغف متاهتها.

الكتاب "مطالعة نقدية" لطبيعة التحولات التي استغرقتها وقائع الشعرية العراقية، بكل تمثلاتها الثقافية والوجوديةالكتاب "مطالعة نقدية" لطبيعة التحولات التي استغرقتها وقائع الشعرية العراقية، بكل تمثلاتها الثقافية والوجودية

كما ضمّ الكتاب أربعة فصول وخاتمة حاول عبرها الشاعر قراءة ما هو غائر في أنساقها، وما في معطى نظرتها المُلتبسة للعلاقة ما بين الشعر والتاريخ والمتاهة والأسطورة، وعبر أنموذج الشاعر العراقي الذي عاش كلّ اضطرابات هذه العلاقة، وتمثلاته لمفهومات التجديد والثورة والأيديولوجيا والأسطورة، وهي قضايا لم يجد هذا الشاعر الخارج من معطفي التاريخ والأديولوجيا سوى البحث عن مغامرة تستغرق وعيه القلق، وتحولاته العاصفة.

يستهل المؤلف حديث هذه الثنائية بأطروحة الشاعر سعدي يوسف، تلك التي تصف قصائد فوزي كريم بأنّها “تنأى بوضوح عن مُعظم أطروحاته الفكرية” حيث يحتفي شعره بالحياة، وهي لحظة سوء فهم كما يرى، فهو يرى نفسه بأنه “شاعر متاهة” وليس شاعر قضية، وأنّه الأبعد عن التاريخ، والأقرب للأسطورة، لأن التاريخ يعني هنا السياسة والأدلجة والثورة والتعصّب والكراهية، مقابل ما تعنيه الأسطورة من شغف بالحرية والسفر.

ولكي يبرر المؤلف هذه التضادات في وجهات النظر، فإنه يستدعي التمثلات والمرجعيات التي تُشكّل هويته الشعرية، ونظرته إلى التاريخ، من خلال نظرته إلى تاريخ شعراء اليسار العراقي كعبدالوهاب البياتي وسعدي يوسف ويوسف الصائغ والذين يُسميهم بـ”شعراء الراية”، ولشعراء القلق كنازك الملائكة والسياب وحسين مردان وبلند الحيدري وفي مراحل لاحقة حسب الشيخ جعفر وسركون بولص وياسين طه حافظ، والذين يسميهم أيضا “شعراء المتاهة”، رغم أنّ ما يجمع الجميع في تمثلاتهم الشعرية هو العاطفة الجياشة و”الحماسة الواهمة”، فضلا عن طبيعة التأثيرات الغربية التي استطاعت أن تُسهم في تشكيل “الخبرة الداخلية للشعراء” بما فيها خبرة وعي التاريخ، ووعي الأسطورة.

يرهن المؤلف رؤيته لصورة هذا الشاعر من خلال تمرده على ما تأصّل من مفاهيم فلسفية وثقافية وحتى شعرية لوظيفة الشاعر “الواقعي الاشتراكي” تلك التي استغرقتها النظرة الجدانوفية للأدب، المواجهة للثقافة البرجوازية، والنزوع إلى تمثّل “الصوت الفردي، الداخلي، الذي يتعامل مع حالات تتعلق بالذات الباطنية أحيانا، وباللاشعور أحيانا”، وهو ما حاولت أن تقترحه الشاعرة نازك الملائكة في مقدمتها الشهيرة لمجموعة “شظايا ورماد” وفي عدد من قصائدها ذات المسحة التأملية والرومانسية، فضلا عما تمثلته هذه الشعرية لتجارب الشعراء الرواد كالسياب وبلند الحيدري وحسين ومردان ومحمود البريكان، والذين عاشوا التاريخ بوصفه الظاهراتي والواقعي، لكنهم عاشوا عبره لحظاتهم الذاتية بوصفها وعيا للتجاوز، وللانحياز إلى صوت الشاعر الداخلي، والنافذ إلى الوجود عبر الأسطورة والسحر والقلق الوجودي، وعبر تقانات فنية، وصورٍ تضجّ بـ”اللغة الحسية والبصرية” وفي مراحل لاحقة عبر أنموذج الشاعر الستيني الأكثر انشغالا بالرؤيا وبالتجريب و”إغواء اللعب الشكلي”.

يرى كريم في شعرية عبدالوهاب البياتي المُبكّرة أنموذجا لشاعر الراية، عبر قاموسه الشعري المليء بالشتائم، وعبر “حدّة الشعار ونبرة الخطاب ووضوح الهدف”، والتي جاءت في مجموعاته الشعرية “المجد للأطفال والزيتون”، و”أشعار في المنفى”، و”عشرون قصيدة من برلين”، و”كلمات لا تموت”، و”النار والكلمات”، حتى بدا كأنه شاعر اليسار الأممي، والثورة والعقيدة، وشاعر “الواقعية الاشتراكية” التي تتكرّس فيها صور التمجيد للأبطال الحزبيين والثوار، ولرايتهم الأيديولوجية، والتأليب على الأعداء، مثلما يتسع قاموسها لصور الكراهية، والعنف والشتيمة والرفض الطبقي، وتسويغ خطاب الثورة و”غنائية النشيد”. ورغم أنّ عددا من شعراء “المتاهة” قد وجدوا في مراحل مبكرة أيضا نوعا من النزوع إلى هذه “اللغة الشعاراتية” والتماهي مع المزاج الثوري والعقائدي الجارف كما عند السياب والبريكان والحيدري، وحتى حسين مردان، لا سيما في مرحلة ما بعد السجن.

لكن يجد المؤلف في تجربة الشاعر سعدي يوسف أنموذجا لصورة “شاعر الراية” من حيث طبيعة هذه التجربة وفرادتها، ومن حيث نزعتها المحلية والقومية، والتي تجاوز فيها صورة “الشاعر الأممي” الذي اقترحه الشاعر البياتي؛ ففضلا عن طبيعة المرجعيات الأيديولوجية للشاعر، تكمن خصوصيته في لغته الشفيفة وفي جملته الشعرية، وفي تقاناته الصورية ومهارته في توظيف اليومي والشعبوي، ولتبدو صور شاعر الراية أكثر ألفةٍ، وأكثر تعبيرا عن معطى التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الخطاب وفي الرؤية، وفي استثارة “غنائيته الشعرية” لمشاعر الانتماء والحب والحرية، فضلا عن  تأثيره على أنماط شعرية أخرى، لها المزاج الثوري والغنائي، لا سيما شعراء القضية الفلسطينية في مراحل لاحقة.

وفي مقاربته لشعراء المرحلة الستينية في العراق اقترح فوزي كريم جملة من التصورات التي تخص توصيف هؤلاء الشعراء، وعلاقة التحوّل الشعري وتجريباته بالخطاب الشعري ذاته، فثنائية “المتاهة والراية” لها خصوصيات ترتبط بمرجعيات أيديولوجية، وبرؤى شعرية وبنزعات نفسية وثقافية تخصّ هذا الشاعر أو ذاك، فهو يجد في شعراء مثل حسب الشيخ جعفر وسركون بولص، وياسين طه حافظ، والمؤلف، ممثلين لجماعة شعراء المتاهة، على مستوى قاموسهم الشعري، ونظرتهم إلى الوجود والحرية والاغتراب، والجسد، وعلى مستوى نزوعهم للتجريب والغرائبي والرمزي، ولروح الشعر السامية، وكذلك على مستوى لغتهم “بالغة الرهافة والحساسية” والتي جعلت من شاعر المتاهة باحثا عن حريته ووجوده من خلال اللغة، عبر استعاراتها ومجازاتها، وعبر انفتاحه على مديات فلسفية وأسطورية ومعرفية ودينية وشعبية.

ويجد المؤلف في تجربة الشاعر سامي مهدي وحميد سعيد كأنموذجين لشاعر الراية -على مستوى رؤيته للأنا، وللصراع، وعلى مستوى قاموسه الشعري المحتشد  بالكراهية ودحر الآخر- صورة هذا الشاعر متضخمة عبر أناها، ويقيم مقارنة بين أنا الشاعر فاضل العزاوي وأنا الشاعر سامي مهدي، مشيرا إلى الأول “أناه هوائية، لفظية، لصيقة بأهواء الفنطازيا اللازمنية”، بينما تعود أنا الثاني المتضخمة إلى كونها “دنيوية فعلية، لصيقة بالزمن التاريخي التي هي فيه، وقد عزز صلابتها انتماؤه السياسي لحزب انفرد بالحكم في العراق على مدى ثلث قرن”.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر