الكاتبة رغد السهيل ولعبة السرد الباعث للحياة في مواجهة الموت

عدد القراءات : 14
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الكاتبة رغد السهيل  ولعبة السرد الباعث للحياة في مواجهة الموت

هل هو افتقاد إلى الفرح ذاك الذي دعا الكاتبة الدكتورة رغد السهيل لاختيار هذه المفردة العراقية البحتة عنوانا لمجموعتها القصصية (كللوش) لأن هذه مفردة لا يعرفها سوى العراقيين الذين يطلقونها على الزغاريد والهلاهل التي تنطلق في أعيادهم وأفراحهم وأعراسهم.. وتعود في تاريخها إلى تقليدٍ وثني عندما كانت النسوة تغني للآلهة طلبا للغوث والرحمة والمطر... فهل أن افتقاد العراقيين لكل أسباب الفرح هو الذي حمل القاصة لتطلق زغرودتها في انتظار استجابة الإله لتضرعات النسوة المفجوعات ونواح الثكالى وأنين الأطفال المنزوعين من أحلامهم قسرا في بلد الحب والحرب والخير والظمأ والعراقة والمد الهجين؟.

نهضة طه الكرطاني 

 

لربما لكل هذا ولأن الأنثى هي التي احتبس عنها الفرح كما احتبس المطر عن أرض السواد.. ثابت الكاتبة إلى السرد الذي تقول عنه أنه أشبه بفن النحت وليس عليك سوى إزالة الشوائب من الصخر لاستخراج الصورة التي طمستها التفاصيل ووضعها في إطارٍ مناسب. فراحت في قصص مجموعتها (كللوش) تنتقي نماذجها النسائية وفي أولى تلك القصص جعلت منها ثائرة على أقدارها بعد أن توحدت صورة القاتل الجهول وهو يوزع الجهل ويحاول كتم أصوات الحياة فتوحدت صورة بطلتها الأفغانية باسمها الغريب (فرخندة) مع بطلة عراقية عانت الويلات على يد عدوٍ يوزع الموت أينما حل ثم نجت من براثنه واحتفظت نادية مراد العراقية بعذرية روحها التي لم يستطع هذا العدو أن يدنسها بعد أن استباحت همجيته جسدها تحت مسمى الدين والإسلام فوقفت في الأمم المتحدة تسرد كيف اغتصبوها ثم باعوها وليس إلا الصمت يحبس الأنفاس الفزعة من هذا الظلم. ولكن نادية التي ظلت تقاوم لأجل الحياة استطاعت النجاة في الوقت الذي ضاعت فرخندة في دروبٍ مجهولة المصير حينما حاولت أن تتصدى لجهل المتسلطين وعّنتهم فكانت وجه الشمس وابنة الفجر. إن القاصة تتجول هنا بين مستويات الحكاية حتى ليصعب على القارئ غير المتمرس أن يدرك عن أيٍّ من بطلاتها تحكي فيتوه في تنقلات القص والتوظيف. لكنه يظل يدور في فلك الضياع الذي سببه الجهل واستثمار الدين. لقد أرادت القاصة لبطلاتها الثورة على واقعهن عندما ضربت نادية على طاولة الأمم المتحدة ثم تركت المكان منتظرة الرد الحاسم الذي ينتصر للأنثى في كل مكان.   

ومن بوهيمية هذه الأقدار والمصائر العابثة تطالعنا (كللوش) تلك الكائن الأنثوي المبهم وهو يهتم بنظافة الأماكن ثم كان موتها بسبب فرم البصل الذي تسبب في قلب عربتها وموتها. تاركةً القرية تنوء تحت جبال النفايات وتقاتل القوم فيما بينهم مشيعين لنظرية البقاء للأبشع والأقبح وليس للأصلح. ومن هذا الخراب تولد كللوش جديدة، طفلة جميلة بلا أم ثم بلا أب.. وكانت تطلق زغاريدها أينما حلت فاعتادها أهالي القرية جزءاً من تكوين قريتهم وتاريخها.. وشبت كللوش جميلة تنعكس في وجهها صورة القمر.. تبعتها أعين الرجال ونواياهم غير الحسنة دوماً. وبعد موت الجدة التي كانت تعتني بها وانطلاقها للعمل مطلقة زغاريدها تصحبها أسراب العصافير. وفي خضم توتر أيامها تشعر باقتراب الكارثة وتحاول أن تقتنع زوجها ليحذر أهل القرية مما يحيق بهم ولكنهم اعتادوا جهلهم والركون إلى تخلفهم وعاداتهم البالية في تقديس الرموز والشخصيات حتى أفاقوا على كارثةٍ دار فيها قتال ضارٍ كاد أن يهلك القرية بمن فيها وشجوا عن غير عمد رأس الفتاة وأصابتها الحمى التي لم يتحملها جسدها النحيل فأطلقت زغاريدها وقضت نحبها مخلفة القرية لمصيرها المجهول بعد أن غمرتها أسراب الجراد. 

وثمة تساؤلات كثيرة لكن الإجابات ربما صادمة! في قصة (حيوانات الوجوه) فهل للوجوه أقدام تهجر أوطانها؟ والأمر ببساطة يكمن في تهشم المرايا.. والنجار لئيم يبيع الشظايا التي يصنع، لكن من يهشم المرايا لا يصلحها. وقد اختفت في تلك المرايا وجوه الإنس المعتادة وانتصبت فوق الأجساد وجوه حيوانات بينما أصبح البشر بلا وجوه، وفي لعبة السياسة ينقلب السياسي إلى كلبٍ متفوق لا تفوته شاردة أو واردة.. ووحدها الكلاب تركض خلف العظام.

ونجدها تسترسل في نقد الواقع المزري فترسم صورة محزنة لتواطئ الابتذال في حركةٍ مسرحية تمثيلية حيث يتقدم طابور المستقبلين ليصافحوا الأفندي دال نقطة بعد رحلة العلاج وعودته إلى أرض الوطن بكامل عافيته ووسامته وطقم أسنان ذهبي.. استقطع ثمنها من رواتب الموظفين.. وكان والدا الأفندي قد تخاصما كثيراً قبل أن يستقر بهما القرار على اسمه هذا وأجزل له الناس الهدايا والعطايا ومن بينها تلك المراة التي منحته صورة بعيدة عما هو عليه فعشقها.. وفي الكتاتيب سحب كرسي معلمه ليجلس عليه وصار العامل يتبعه حاملاً كرسيه الذي يستبدله كلما وجد كرسياً أضخم وهكذا تجمع لديه الكثير من الكراسي النادرة في بيته. وكان أيضاً من عاداته أن يجمع الكتب ويفتحها على صفحات مختلفة محدثاً نفسه بأنه كثير القراءة. وعندما تزوج أنجب أطفالاً أطلق عليهم أرقاماً بدل الأسماء فتناسلوا وأصبحوا عشيرة.. وفي هذه القصة تلقي القاصة الضوء على التناقض الموجع الذي يشهده المجتمع ما بين طبقاته المتنفذة والطبقات المسحوقة وما تعانيه من إهمالٍ على الأصعدة كافة وإهمال الخدمات المقدمة للمجتمع. 

وفي (لعبتها) السردية تبرز قمة الهاوية في العنوان وفي باطن المتن أيضاً، حينما تفتق باطن الأرض عن القيح الذي تدفق من مجرى التاريخ تحت الأرض، فخرجت الصراصير من مجاريها الآسنة فانقلب الحال بين الناس ما بين لاجئين في أوطانهم وآخرين ضحايا.. ثم اضطرام القدر بأحداثٍ لم يشهد لها التاريخ مثيلا حتى صار العراق نقطة صراع القوى وتجاذباتها وأصبحت الانتخابات و(الكوتات) لعبة جوكر وأصبح الموت والقتل لعبة الأطفال وتمزق جسد المدينة وطابعها تحت وطأة الجشع فقطعت البيوت الكبيرة إلى كانتونات صغيرة بغية الربح وتخرب وجه المدينة وتاريخها. 

وفي قصة حي تدارك.. التي أهدتها الكاتبة لأهالي الكرادة بعد فاجعة الانفجار الذي أكل خيرة الشباب وظلت أعداد الموتى غير معروفة نجدها تحكي قصة الطائر الذي كان ينطق بلغة الأنس وهو يشكو العطش فلم يدخر أهل القرية جهداً لتقديم الماء له من دون أن يتحرك من مكانه ولا يوقف صراخه. بينما كانت أجنحته تنمو ويزداد عددها حتى وصل الثلاثمائة على كل جانب مختفياً في الظلام فسارعوا إلى قطع الإنارة واكتفوا بالشموع وشاع خبره في الأرجاء وقصده الناس للتطلع إليه عن كثب وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة قلقه من هذا الموضوع الغريب وتدافعت العشائر العراقية لتعلق راياتها فوق سطح البناية التي يؤمها الطائر واشتدت معاناة أهل الحي فحاول بعض الشباب المتهور قتل الطائر والتخلص من مشاكله بينما تعامل الشعراء مع الموضوع برومانسية.. ثم تكشف المشهد عن طفل صغير بساقٍ عرجاء يرفض مفارقة المكان وهو يصرخ بانتظار أبيه وأمه وأخواته الذين أكلتهم النيران بينما رمى به والده لينقذه من أتون نارٍ مشتعلة.. وظل صوت الهامة يصرخ "أسقوني فأنا صدية". وهجر المكان أغلب الأهالي الذين لم يعودوا يطيقون سماع الصوت.. أما نشرات أخبار العالم فانشغلت بأخبار اغتيال الحقيبة في باريس. 

تلك الحقيبة التي تشي لنا في قصة اغتيال حقيبة بأن نشرات الأخبار تهتم بالأحلام.. فالصغار الذين فقدوا أحضان عائلاتهم تلقفهم الشارع وتبنتهم مملكة الضحايا العراقية التي أسست في 14 تموز 1958 ومهمتهم الاستجداء في الشوارع ليقدمون ما يجمعون لحلحلة الوضع الاقتصادي المتأزم.. لم يتحمل السكوت على الفساد الذي كشف عنه فطاردته الدولة وقرر الهرب إلى بلاد الجمال والثياب الفاخرة باريس.. ولكن الهروب أتعبه وأنهكته المحطات وتهرأت الحقيبة في يده وهي تنغلق على أسرارها... وهو يحلم بأن شمس الحقائق ستشرق بعد أن قضى أيامه مطارداً... والعالم يضيق من حوله.. والرصاصة تنطلق لتخترق قلب الحقيقة المخبأة في الحقيبة والأخبار لا تذكر شيئاً سوى لاجئ اغتيل في محطةٍ من محطات باريس.   

وفي قصة ركلة قدم تقدم لنا فصاحة طفلة تقودها إلى الصمت لأنها تجد الآخرين لا يشعرون بما تشعر به، لكنها دوماً تشعر بأن هناك قدمين تركلانها، فتتساءل لماذا، ويظهر لنا أن هذا يدور كله في عالمها السري في بطن أمها حتى تحين ساعة ولادتها فتحاول بكل قوتها أن تتمرد على الخروج وتعاند القابلة المتغطرسة الفارغة من الحب، فتقرر مواجهة العالم واقفة على قدميها، وظلت تحن دوماً إلى ذلك الرحم الذي كان يحتويها بهدوءٍ وسكينة.. فتظل تشعر بأن الأرض حبلى من زمن يتوافق باطرادٍ مع عمرها.. وتستمر تشعر بركلات الحياة لها لذا تقرر أن لا تغادر منزلها أبداً ولا تسمح لأحدٍ بإخراجها ثانية من عالمها عنوة. ولما تقرر فجأة الخروج تشعر بركلات الحياة، لكنها لا تبدي امتعاضاً ونفوراً بل العكس تبعث فيها تلك الركلات الراحة وكأنها ترتوي من عطش وتتساءل من أين لتلك الأقدام بكل هذه القوة وكيف لا تشيخ ولا تضعف قوتها.. وهنا نكتشف عمق الإحساس الإنساني بالخوف من التهميش والمجهول والإهمال هذه الأحاسيس التي تبقى تمثل دوامة مرعبة للإنسان وهو يعيش في خضم مجتمعٍ متهاوٍ.    

وفي قصة نخلة أم الحارث التي تحكي تضارب المشاعر الإنسانية والرياء والتصنع.. تلجأ الكاتبة هنا إلى التحايل على النص فتورد اسم الكاتب العراقي غائب طعمة فرمان في إشارةٍ منها إلى روايته النخلة والجيران.. وتحكي أن خلف كل نخلة قصة امرأة عراقية تحلم بالثمر وقد تكون عاقراً. وتحكي عن حياة أم الحارث المنظمة وقصتها مع النخلة وتمرها البرحي وكيف كانت تتداول الأخبار الثقافية مع نساء الجيران.. ثم نكتشف الفجيعة حيث نعرف أن النخلة كانت توأم الطفلة تالة التي اختطفت وعثر على جثتها مشوية متفحمة.. وصار في اعتقاد الأم أن هذه النخلة ستبكي عليها حين موتها بعد أن فقدت عائلتها جميعاً.. فأقامت لنفسها عزاءً يليق بها قبل موتها بخمس سنوات وكأنها كانت تتكهن بأنها ستموت بلا مراسم وبدون أن يلحظ غيابها أحد وهذا ما حدث لها بعد أن هجر الأهالي المدينة بحربٍ طائفية ضروس وأعلن أبنها العاق بيع بيتها وقطع نخلتها الحزينة. 

في قصة دندنة الأرض في العراق يتواصل الرنين منذ خمسين عاماً ولا أحد يفتح الباب، فحينما يكون بعض الرنين إقبال يكون بعضه إدبار أبدي، وكذا هي صورة مروان الذي خرج يشتري ثياباً لعرسه فتوسد النهر وغفى ولم يستيقظ فغنى له الرفاق "عريس وربعه يزفونه" بينما كانت أمه تهدهده "دللول يا الولد يا بني دللول". وظلت تفتش في عيون الأطفال عن ضحكته.. حتى تهاوت روحها الكليمة في إثر أوجاعٍ وفقداناتٍ لا تنتهي كانت قد كتبت على جبين العراق الدامي. 

في موت أم صورة لوحاتٍ تتكرر في هذه المدينة الضاجة بالأسى، حيث يتسول الأطفال وينتشر الباعة بفوضاهم وعبث السابلة وزحمة السيارات... والطفل عارٍ بلا حذاء في نيسان الذي يعلقنا بينَّ بين ففي بغداد لا صيف ولا شتاء في نيسان وحده نعال 9 نيسان 2003 كان ثابتاً.. وحده حذاء منتظر الزيدي امتلك الجرأة التي جعلت أمريكا تنحني لتتفادى الضربة.. ويدور بائع البالونات يرتب بالوناته على الرصيف فيتوقف أمامها الأطفال باكين. وفي عيونهم بريق لقصصٍ تحكي صورا شتى عن أطفال الشوارع في فجائع حياةٍ ألزمتهم الشوارع منفى وملاذ بعد تشظي عوائلهم.   

وفي قصة مواء كان العاشق تحت تأثير سحر فلا يبصر سوى وجه حبيبته. ويتعالى مواء قطة تسلب النعاس... وتعيش البطلة وقائع مكررة وكأن حياتنا عبارة عن فلم رخيص مبتذل الأحداث والحكاية وأبطاله إما مبتذلون وإما مسلوبو الإرادة أو اختاروا أن يهمشوا أنفسهم فيكونوا بلا دور.. لأنهم وجدوا أن القضية برمتها تافهة.. بينما هناك من يختار أن يخرج عن الفيلم ترفعاً عما يدور فيه.. 

وفي (التركة) ندرك أن كل فتاة بعد أبيها أرملة وهذا ما حصل لها بعد غياب والدها شيخ العشيرة الذي خرج ولم يعد.. فظلت تسلم بريدها للنهر فتوزعت سطور قصتها بين النوارس، فتاة عاشت قصة الأنثى الشرقية التي تظل دون مرتبة الذكر في مجتمعها حتى وإن كان الذكر فاشلاً وعلى الأنثى أن تتنازل عن كل حقوقها وأحقيتها في الحياة لهذا الذكر... وتظل دوماً تدفع ثمن اختياراتها في مثل هذه المجتمعات.. فهي أنثى عليها أن تضحي في كل وقت وتنكر ذاتها..  

وفي لعبة سردية ذكية محسوبة للكاتبة تنهي قصصها بذات المكان الذي ابتدأت منه حديقة (جمعة اللامي).. وكأنها تريد أن تخبرنا بأننا ندور في ذات الحلقة المفرغة.. ولا نكاد نغادر إلا لنعود مهما اختلفت الروايات والشخوص. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر