الملك في بيجامته للكاتب خضير فليح الزيدي رواية التاريخ والتوظيف السردي للهامشيين

عدد القراءات : 119
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الملك في بيجامته للكاتب خضير فليح الزيدي   رواية التاريخ والتوظيف السردي للهامشيين

د . نادية هناوي

 

تتجاوزُ رواية التاريخ بوصفها إجناسية سردية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة التصورات المعتادة للتاريخ وتحديداته الثيماتية، وتتعداها متعالية عليها بالكتابة السردية على اختلاف تقاناتها وأشكالها. وإذا كانت الرواية التاريخية تتخذ السرد مسرحا لتمثيل التاريخ بوصفه حدثا ماضيا، فإن رواية التاريخ تتخذ التاريخ مسرحا تستلهم عبره الحدث التاريخي، معيدة كتابته من جديد سرديا، متعاملة معه فاعلا نصيا حيا يتجاوز حدود الماضي إلى الحاضر وما بعده، حسب معطيات التوظيف السردي والميتا سردي معا. وهذا الانفتاح في الأزمنة والتنويعات التخييلية في الأحداث التاريخية، هو الذي يوِّلد من التاريخ تواريخ ويجعل مؤلف رواية التاريخ كاتبا في مجموعة كتّاب، يجتمع في داخله المؤرخ والروائي والفيلسوف والمتنبئ والثوري والتربوي والمصلح الأخلاقي. ولا تستهدف رواية التاريخ القارئ بقصدية الاستهلاك والتقبل الاعتيادي، وإنما بمقصدية جعله منتجا فاعلا ومشاركا يتحداه الكاتب ويستفز فكره وقدراته.

وقد شبّه هايدن وايت التخييل السردي وفاعليته في كتابة التاريخ بصورة الكلب وذيله و»أن الذيل في التاريخ يحرك الكلب»، وناقش في كتابه «ما وراء التاريخ» كيف تميل المؤلفات التاريخية إلى أن تمثل عقدا أدبية يمكن تمييزها مأساويا ورومانتيكيا وهجائيا، وأن التاريخ يتقاسم، وكثير من التخييل الواقعي تقاليد لغوية معينة، فالسارد لا يتحدث بصوته الخاص أبدا، وإنما يسجل الأحداث، معطيا القراء الانطباع بأن ليس هناك حكم شخصي أو شخص يمكن تعيينه، قد شكّلا القصة التي سُردت. وأن بوجود التقاليد التي يتقاسمها التاريخ والتخييل قد لا يكون ضروريا أن نجادل حول واقعية الرواية. وكان الروائي ميلان كونديرا قد شبَّه سلوكه إزاء التاريخ بسلوك المخرج المسرحي الذي يتدبر أمر مشهد تجريدي بعدد من الأشياء التي لا غنى عنها للحدث، «فن الرواية». وحدّد فريد سباير في كتابه «التاريخ الكبير ومستقبل البشرية» أمرين يسهمان في تقديم إعادة بناء تاريخية مقنعة إلى حد معقول هما: 1 ـ كشف حقيقة ما حدث في البيانات منذ نشأتها بما في ذلك اكتشافها بواسطة البشر. 2 ـ كشف حقيقة ما تخبرنا به هذه البيانات حول الماضي، وتساءل في ملحق كتابه أعلاه: هل من الممكن العثور على مرايا بعيدة في السماء قد تعكس الضوء المنبعث منذ زمن طويل مضى، لو أن هذه المرايا موجودة قد تتيح لنا من حيث المبدأ رؤية لماضينا الخاص؟. ولا يتوقف التعاطي مع التخييل في رواية التاريخ عند حدود معالجة وقائع ماضية وشخصيات غابرة، واستحضارها ومدها بالحياة وحسب، وإنما يقتضي أيضا براعة فكرية في أدمجة التخييل بالفلسفة، كي يطبخا على نار هادئة، كما يقول جاك لوغوف، ومن دون خوف ولا تردد. والبغية صناعة تاريخ جديد هو تاريخ الهامشيين والمعوزين والمغلوبين والمهزومين والمستضعفين والمنفيين والمحرومين والمجذومين والمجانين والصعاليك والمنبوذين، الذي سيزيحون أصنامهم، ثائرين على سلطاتهم ناقمين من جبروتهم الذي أذاقهم صنوف البلايا والرزايا والمحن والتشرد وظلف العيش والحرمان والكبت. وثورة الهامش وانقلابه على المركز لا يوثقها التاريخ الرسمي الذي لا يُكتب إلا تحت عباءة السلطة/المركز، وإنما يكتبها تاريخ محكي يبزغ لنا سرديا من تراكمات الذاكرة الحية المودعة في اللاوعي الجمعي، وفي إطار علاقة جدلية لا تعرف حدودا لما هو متخيل وواقعي، كما لا تقر بزمن ولى وحاضر أتى ومقبل مجهول، لأن الازمان تتداخل في ما بينها، ومن ثم يتناسل محكي التاريخ الذي أبطاله هامشيون في أشكال مختلفة، فهناك تاريخ الجسد وتاريخ الأمراض وتاريخ الأزمات وتاريخ السلوك الجنسي وتاريخ الجنون وغيرها، ولكل تاريخ من هذه التواريخ تحولاته الخاصة. ويرى جان كلود شميت أن للهامشيين في نظر المجتمع المهيمن صورة سلبية، فهم ممن ليس لهم مقر دائم اذ يوجدون في كل مكان وهم ممن ليس لهم اعتراف، وإن فحصا بسيطا لمجال الهامشية يكشف عن وجود نسيج مواز من العلاقات التي يصعب على الآخرين اقتحامها. وهذا النسيج الموازي هو الذي يضمن للهامشيين أن يكونوا أداة حية للثورة والتكفير عن ذنوب الآخرين، ومثلما أن التاريخ المتخيل هو إرهاب للمـــــؤرخ، فكذلك يكون تاريخ الهامش إرهابا لتاريخ النخبة. وهذا ما تحرص رواية التاريخ على تمثيــــله جاعلــــة من الثابت الهامشي متغيــــرا تاريخيا ينتصر لأولئك الذين تعرضوا للظلم الاجتماعي وكابدوا ويلات الاستبداد حتى مورست بحقهم شتى صنوف الرضوخ والاستعباد. وفي رواية التاريخ وبسبب إغراءات الفلسفة واتساع مديات التخييل، فألا وجود لحقيقة مطلقة يمكن إثبات صحتها، والسبب أن التاريخ خرج من الدهليز إلى ما فوق السطوح، على حد وصف ميشيل فوفيل، الذي دعا إلى دراسة البنى الاجتماعية سطحا وقاعا. والهدف عنده ليس الحركة الاجتماعية، وإنما القيمة الاجتماعية انطلاقا من كون التاريخ الحق هو تاريخ الشعوب. هذا التفكيك المقولب لبنية التاريخ الرسمي، هو الذي ينتج التاريخ المحكي الذي لا يوازيه وحسب، بل يهيمن عليه من خلال أبطاله الهامشيين. وهو ما نجده ماثلا في رواية التاريخ «الملك في بيجامته» للروائي العراقي خضير الزيدي، الصادرة عن دار الرافدين في بيروت 2018 التي تستلهم حدثها التاريخي من واقعة اقتحام قصر الرحاب يوم الرابع عشر من يوليو/تموز عام 1958 الذي به انتهى عهد الملكية في العراق وابتدأ عهد الجمهورية.  والحدث التاريخي في الرواية مشكوك في أمره تتعدد روايته، وتتنوع تفاصيله وتتذبذب مصداقيته، وتحوم الظنون حوله، وهذا ما يجعل السارد الذاتي خالد الشيخ يستعين بالمخيلة غربالا ترشح عبره حكاية الحدث، وفق نظرية تاريخية يتبناها، مشيدا عليها معماره السردي.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر