سليمة الخبازة في (النخلة والجيران)

عدد القراءات : 70
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
سليمة الخبازة في (النخلة والجيران)

تعد فترة الخمسينيات نقطة انطلاق السرد القصصي والروائي الفني وتفجره..اذ النتاج كما ونوعا..وقد ظهر في هذه الفترة من الكتاب القصصيين: ادمون صبري وغائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر وجبرا ابراهيم جبرا وفؤاد التكرلي وعبدالملك نوري وذنون ايوب وشاكر خصباك وعبدالمجيد لطفي وصفاء خلوصي.. والنخلة التي ظللت حوش(سليمة الخبازة)..بالرغم من كونها قميئة وعاقر..لكنها كانت رمزا للحياة الميتة المقترنة بسليمة (يمر الصيف والشتاء دون ان تحمل طلعا او تخضر سعفة ..)ص78 .. والجيران الذين سكنوا الخان المجاور لبيتها مجموعة من العوائل التي لن تفارقها المعارك الكلامية.. فالنخلة والجيران الرواية التي ظهرت عام 1965 بعد (حصيد الرحى) 1954 و(مولد آخر) عام 1959لمؤلفها الروائي غائب طعمة فرمان(1) تدور احداثها في (المربعة) التي سماها الكاتب(حي الصافن)..وهذا يعني ان الحضور المكاني للحي الشعبي هو السائد في الرواية.. الذي منحه صفة التميز والشهرة..كونه يشكل شبكة من العلاقات والرؤيات ووجهات النظر التي تتضامن مع بعضها لتشييد الفضاء الروائي الذي لايتحقق الا من خلال حركة الشخوص فيه وتفاعلها معه..حتى ان بعض الروايات اعطت للامكنة التي دارت عليها الاحداث اهمية خاصة كما في : الدون الهادئ لميخائيل شولوخوف والحي اللاتيني لسهيل ادريس..

علوان السلمان

    

  وغائب طعمة فرمان في روايته هذه كان صادق التعبير فيها عن مجتمعه وعن القيم الانسانية .. صريحا مع نفسه في نقل ما يجري في البيئة المحلية من وقائع واحداث وشخوص وحوار.. 

انها تمتاز ببساطتها وواقعيتها وأسلوبها السهل الذي يجبرك على الانحياز له تماماً لدرجة أنك تحس وأنت تقرأ أن هؤلاء الناس الذين يصورهم الكاتب معك في الشارع والمحلة والمقهى..لذا تميزت هذه الرواية بتنقل شخوصها في اماكن رئيسة تمثلت في: الاسطبل (طولة الخيل) التي تعود الى الحاج احمد اغا.. وبيت سليمة الخبازة الذي يعيش فيه  كل من حسين (ابنها من زوجها الاول)ومصطفى الذي يستأجر غرفة من البيت للاستيلاء عليه مستقبلا بعد الزواج من سليمة.. والخان ودكان صاحب ابو البايسكلات ومقهى احمد ..هذا يعني ان هاجس المكان عنده مرتبط بالحي الشعبي الذي جعل منه الفضاء المكاني الذي هو(مجموع الامكنة التي تقوم عليها الحركة الروائية..) ويطلق عليه عادة الفضاء الجغرافي..(وهذا الفضاء ليس منقطعا عن دلالته الحضارية والاجتماعية..اي انه ليس مجرد مكان..بل حيوية تتجلى من خلال حركة الشخوص والعلاقة المرتبطة  بزمن معين ..) كما يقول الدكتور حميد لحمداني في(بنية النص السردي)..

   ففي رواية "النخلة والجيران" يستقي الكاتب مادته مما يحيط به بواقعيته وهذا هو سر نجاحه.. إذ أن الأثر الفني الناجح هو انعكاس صورة البشرية بكاملها.. إذ استطاع الكاتب في روايته إبراز الشخصية العراقية بحركة دائمة داخل بيئتها.. حتى إنه حاول أن يدخل القارئ في عالم مرئي يعكس الروح العراقية بدقائقها.. وتصوير الواقع من أجل تطويره والارتقاء به بعدسة تنتقل وتسجل اللحظات بشكل متحرك.. فهي تعرض لنا أحياء بغداد القديمة.. وحياة المثقف والبائع والعامل.. وهذه الشخصيات امتازت بمثابرتها مع استجابة بعضها لبعض وتأثر بعضها ببعض.. وهذا يعني أن أبطال الكاتب يعملون أكثر مما يتحدثون.. وعن طريق رسم الخطوط الخارجية للشخصية وتوضيح أبعادها السيكولوجية يهب الكاتب الحياة للشخصيات حتى تظهر وتبرز ملامحها.. وهنا تكمن دقته وبراعته الوصفية.. فمصطفى الدلال الشخصية المزدوجة يبدو (أفندياً).. نحيلاً يضع فوق رأسه سدارة وفي يده مسبحة..) وهذا يعني انه رجل دين يهتم بالتسبيح وحسر الرأس.. ومن جانب آخر ينسى فرائضه الدينية مشغولاً في تطلعاته الطبقية والزواج من سليمة الخبازة مالكة لدار ورثتها من زوجها ويحبها (كنز بيدها صنعه.. الله يعلم جم دينار جو رأسها..).. إن شخصيات الرواية المتمثلة بسليمة الخبازة (أم حسين)  التي تشترك دارها مع جدار (طولة) الحاج أحمد آغا.. والى جانبها الخان الذي يقطنه (حمادي العربنجي وزوجته رديفة ورزوقي الفراش وزوجته خيرية وفتحية بائعة الباقلاء وثلاث أخوات عانسات ومرهون السايس...) هؤلاء جميعاً يتخذ منهم الكاتب بطل الرواية والذين يواجهون جميعاً الحرب كل بمقدار وعيه للواقع من أجل الخلاص من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي خلفتها الحرب.. وموضوع الرواية (الحرب وهذا الحدث الرئيس.. أما العقدة فهي الحياة بأسرها).. إن شخصية مصطفى الدلال وسليمة الخبازة كل منهما يطمح لتحقيق مآرب مادية فيتزوجان.. أما (حسين) حبيب (تماضر) فهو شخصية سلبية يتزود بربع دينار يومياً من (صاحب) أبو (البايسكلات) ويرتاد السينمات وتحظى صديقته (تماضر) بشيء من هذا.. ويموت (صاحب) الذي قتله (محمد بن الحولة) وهروب (تماضر) الى خالتها (نشمية) بسبب إرغامها للزواج من تاجر كبير السن و(تماضر هنا مأساة المرأة العراقيــة المضطــهدة التي لا تعــرف الرفــض والاحتـجاج..) ينتهي (حسين) بالتمرد والبحث عن قاتل (صاحب أبو البايسكلات) فهو يقول: (ظل شيء بالدنية غير أنه والسجينة؟ تماضر أو راحت.. صاحب أو راح.. حوش أو راح آن هم أروح؟ لا على بختك..) وهناك (خيرية) تقول: (الحكومة الله يسلمها) هي رمز السذاجة أما (حمادي العربنجي) فهو مأساة طبقة اجتماعية امتازت بتفاؤلها وحب عمله وخيوله فهو يناغي حصانه (هلو باباتي).. أما (مرهون السايس) فهو متشائم ضعيف.. يخاطب مرهون المتفائل دوماً (ها أنت مثل أم خشم الأقجم (يقصد زوجته) تسوي الحباية كباية..) ومن هذا نستطيع القول أن معظم الشخصيات عند الكاتب نامية متحركة مع تجنب إثارة العواطف كما في حب (حسين) و(تماضر) هو نتيجة الحياة العادية التي تقل فيها المغامرات فتمضي أيامها برتابة خاوية متشابهة.. مع استخدام الكاتب السخرية الهادفة من أجل التخفيف من حدة المأساة.. لقد عالج الكاتب قضايا تتصل بالطبقات الاجتماعية المسحوقة وحرص على أن يكون قريباً منهم.. في لغتهم وقد نجح في ذلك لما في لغته من مرونة وقدرة على التعبير.. وقدم الكاتب لهجة عامية مناسبة للشخصيات، وفي هذا تعبير عن جوهر التجربة الإنسانية.. واللغة هي الرداء الذي ترتديه الرواية في التحول إلى تجربة فنية سواء كانت فصيحة أو عامية..اذ انها تعكس التحامها بالمكان والشخصية .. 

وغائب طعمة فرمان في النخلة والجيران يستخدم (لغة شديدة الالتصاق بلهجات الناس واحاديثهم الصغيرة واحلامهم وقصصهم اليومية ..وبالاخص تلك الفئات الاكثر قهرا.. ولهجاتها التي تمتد بحميمية قصوى في ثنايا السرد موجهة وقته نحو عوالم قص سهلة ممتعة ..اعادت الاعتبار للعامية العراقية وللهجة البغدادية منها على الخصوص ..) كما تقول فاطمة المحسن في (جماليات البساطة).. والكاتب استطاع أن يزاوج بينها والفصحى بصورة مناسبة، وبهذا نجد أن روايته اتسمت بالوحدة الفنية المتكاملة، إذ أن الحبكة عنده كانت أشبه بالحياة البسيطة التي تنساب انسياباً من تلقاء نفسها مع عدم إهمال الدقة التي تزيد التجربة الفنية واقعية.. 

لقد اعتمدت الرواية على تقنيات فنيةمنها:الاستذكار(الاسترجاع) ..اذ الرجوع بالذاكرة الى الوراء ..كما في سليمة عندما تسترخي للنوم وهي في احلام اليقظة تستذكر..

( واسترخت مستسلمة للنعاس ..طاف في رأسهامثل مويجات.. وتذكرت الزورق الذي عبرت فيه الى سامراء ذات مرة..وهدهدها في رفق على ماء رقراق رأت خلاله الحصى الملون الذي بدا لها قريبا لا يكلفها الا ان تغمس ذراعها في الماء وتلتقطه.. كان الفصل صيفا نزلت القطار وصعدت الزورق معتمدة على ذراع زوجها..) ص19 ..

اما النسق الزمني للسرد\ فقد اعتمد الابطاء مرة عن طريق الحوار(المشهد) الذي يخلق من الناحية الزمنية توازنا بين زمن السرد وزمن القصة ..كما في بداية الرواية..اذ تبدأ بمشهد ذي وظيفة استهلالية وهي عبارة عن حوار بين (سليمة الخبازة) و(حسين)..الذي لا عمل له ..لذا كان سارقا لنقودها وحاجات مصطفى..

ـ قال حسين وهو على بعد خطوتين منها:

ـ انت يومية معذبتني ..مودا احلفلج بالعباس   

   فقالت وهي تخلع ثوب الخبز الاسود..

ـ لعد وين راحت الفلوس عيني؟ ..وين ..؟

ـ اشمدريني..هذا بنطلوني وتعالي دوريه..

ـ هيجي تحسبني غشيمة؟ .. الفلوس اللي تاخذها تخليها بجيب

    بنطلونك..

ـ دوري وين ما تريدين../ص11 ..

   اضافة الى تقنية الوصف المتمثلة في وصف الشخصيات اولا والامكنة بشقيها الموضوعي الذي يستقصي فيه الراوي عناصر المكان ومكوناته التي تساعد على فهم ابعاد الشخصية الروائية والاجتماعية .. والنفسي الذي تصبح فيه الامكنة حاملة لقيم شعورية مؤثرة يتضح من خلالها عمق الشخصية وابعادها النفسية..وهذه الوقفة تحقق وظائفها الجمالية والتفسيرية لسلوك الشخصيات ومواقفها.. اضافة الى الوظيفة الايهامية بادخال المتلقي في عالم روائي تخيلي..وهناك تقنية التناوب(التزامن) التي تتمثل في متابعة سلوك وحركة الشخوص خلال مدة زمنية واحدة ..(اذ ان بنية الزمان والمكان هي التي تولدفضاء النص وتخلق للفعل فيه مسافة ينمو فيها..) كما في تنقل الروائي بين الشخصيات(سليمة الخبازة ومصطفى وحسين)..

  ( قالت سليمة الخبازة: لا توجد فائدة..اليوم سوف ينام هنا.. وتثائب مصطفى وبحث عن الزجاجة بعناد سكران..اليوم راح انام هنا بالكاع..وقال حسين :هذا هولازم آخذ احسن شيء في الحجرة.. وقالت سليمة الخبازة لنفسها: اليوم سهرانة للصبح...  / ص135 ..

 إن عظمة الكاتب تنحصر عندما يكتب عن الناس بصدق.. فالكتابة هي فن التعبير بالكلمة المكتوبة عن الناس وغائب طعمة فرمان يعي ذلك بصدق وأمانة فهو يكتب للبسطاء.. عنهم وعن أحوالهم ويكشف لحظات حياتهم البسيطة.. فيظهر فيها التمرد أحياناً كتمرد (صاحب) على الإنكليز وعلى الحكومة الموالية له:

 (حكومة جايفة مثل طولة حاج اغا تريد الها قلع من الأساس) وتمرد (حسين) على حياته الضائعة التافهة.. إلى جانب نقده لمظاهر المجتمع.. يلجأ غائب إلى وسائل فنية يضمن بها التشويق اللازم ويكسب بها روايته النشاط والحيوية فهو يلجأ إلى الجنس مثلاً كعنصر تشويق مهم إلا إن الكاتب يستخدمه بنزاهة.. وهناك عنصر تشويق آخر هو الانتقال السريع من مكان إلى آخر ينقلنا من حب بغداد الى شارع الرشيد إلى دار سليمة الخبازة..

لقد كتب غائب طعمة فرمان روايته بوجدان يستوعب الحياة وهو يعيش مع أناس يتجرع آلامهم ويتفهم أمانيهم.. ويكثف لحظات حياتهم البسيطة التي عاشوها معتمدين على الصبر والمحن...     

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
قدوري العامري ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
    عاصف حميد رجب      سالت قلبي الصغير.. لماذا التردد في العظمة من الامور وتكتفي بانحراف رجفة القلب ويهتز وينبض بقوة  خطرة؟ .هذا في الخيال فالقلب صغير ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
أحلام اللامي ... تفاصيل أكثر
انتصار الميالي ... تفاصيل أكثر
عاصف حميد رجب ... تفاصيل أكثر
حنان محمد حسن ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر