الفنان الراحل محمد مهر الدين: الفن نظرة استشرافية وحدسية

عدد القراءات : 19
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الفنان الراحل محمد مهر الدين: الفن نظرة استشرافية وحدسية

يبدو لمتابع الاتجاهات الجديدة في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، ان قيمة الفن الذي اشتغل عليه الفنان الراحل محمد مهر الدين عظيم وعلى مدى فترة زمنية طويلة، تنوف على النصف قرن، لم تأخذ بعد كفايتها من النقد الفني، ولم تدرس كما ينبغي، بالرغم من كثرة المحاولات الجادة، المقدمة من لدن خيرة كتابنا، ولاسيما عادل كامل، وعبد الرحمن طهمازي، وحسن عبد الحميد وسواهم من كتابنا المرموقين. ان اغلب النقود الفنية المكرسة لدراسة تجارب هذا الفنان كانت تنظر لقيمة الموضوع الذي يطرق ابوابه الفنان محمد مهر الدين والذي يمثل موضوعا ثريا وخصبا ويسمح بالمناورة الكلامية المستفيضة، والتي تخرج عن حدود الذاتي في الفهم والتفكير لتكمن في الموضوعي الذي يؤطر الحياة العامة بشموليتها، لان محمد مهر الدين، اخذ على عاتقه المسؤولية الانسانية الكبيرة، وصار ينبه الى قيمة الموضوعات المثيرة والتي تتحكم بمصائر الناس، وحياتهم المهددة على هذه الارض.

صلاح عباس

 

 لقد قدم الفنان، وعلى مدى تاريخه الابداعي، نوعاً من الفن الذي اطلق عليه "بالفن الملتزم" حيث يتناول القضايا المهمة، المتفاعلة مع  حياة البشر وتؤثر فيهم، مثل قضايا التحرر الوطني، ونصرة الشعوب المستضعفة، والكشف عن نقاط الخطر في السياسة الدولية الجديدة، المؤدية حتماً الى الفقر والجوع وزرع الافكار الخادشة للقيم الانسانية، وللضمير المجتمعي.

 هكذا هو محمد مهر الدين، يصرخ بملء فمه ليعبر عن الموضوعات الحامية التي تمثل ذروة في التفكير المندمج مع البيئة البشرية، فهل يمكن اعتبار ذلك تماهياً مع الناس في مشكلاتهم الحاسمة؟ وهـل تنكرَ الفنان لذاتيته؟

- ان الفن وعلى مدى تاريخه العام، ومنذ فن عصر الكهوف ولحد الآن، ما هو الا دوال على تمجيد الحياة، والفنان دائماً، يحاول المزاوجة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي، فكما قال "جان جينه" وهو يحاور "جياكوميتي" عن النحت:

- [وكأن الفنان هو لسان حال الامة، لانه هو الذي ابتكر صور الآله، والاشياء المقدسة في الحياة، وهو الذي يصرخ بالملاء: اعبد ايها الملاء الى ما قد صنعت يداي..]

اننا هنا: لا نبتغي سوى حل معضلة فنية، تمس نزوع هذا الفنان باتجاهات متعلقة بين الخاص والعام، بين الموضوعي والذاتي، فهل سنستطيع الامساك بالمشرط للفصل بين هذين العنصرين، في عملية جراحية بسيطة؟

- اقول نعم، يمكن ذلك على وفق اسلوبين، الاسلوب الاول متعلق بآلية انتاج الفن، والكيفية التي يستطيع بها الفنان تحرير الوانه وخطوطه وما يملك من مقدرة فريدة على الابتكار وصناعة الاشكال, والاسلوب الثاني متعلق بالموقف الذاتي للفنان والذي اكتسبه من خلال تمسكه بالافكار الماركسية والتي تنظر الى قيمة الموضوع بطرائق مؤثرة، لان النظرة الاصلاحية في الفكر الماركسي، تفضي الى الجدل التاريخي، والى جوهر الصلة التي تمجد قيمة الانسان باعتباره اثمن راسمال وصانعاً للتاريخ، فلا وجود لشيء الا لوجود هذا الشيء مع اشياء اخرى تكمل كيانه وتفاعله على نحو يمكن حسابه وبالدقة المتناهية.

ان الماركسية، ملكت روادها قوة الفهم للموضوعي، من خلال الديالكتيك، وفهم الجدل التاريخي، وبهذا اكسبتهم مفاتيح سحرية تمكنهم  فتح المغاليق في الفكر والفلسفة وعلوم الحياة المختلفة.

لقد ابتدأ الفنان محمد مهر الدين، خطواته الاولى في الرسم الواقعي، وقد تسنت لي فرصة الاطلاع على تلك الاعمال المبكرة التي تمثل موضوعات عراقية متنوعة من الريف، او من اطراف المدن، ولكن السمة في هذه اللوحات، انها مرسومة وفق قواعد الضبط الدراسي، في احتساب قيمة الالوان، ومدى مطابقتها للشكل المرئي بوصفها مثالاً منظوراً، والتخطيط المتقن الذي يحاكي قيمة الشكل، والتفاصيل الداخلية فيه على نحو، حقق فيه الفنان مستوى رفيع في المطابقة الحرفية، والتي ترتكز على النظرة السليمة للاشياء كما هي، ثم احتساب قيمة الضوء الساقط وانكسارات الظلال على نحو من شانه تحقيق ايهاماً بصرياً قل نظيره، فالبداية كانت مسوغة بخبرات هائلة في مجال فن المحاكاة ورسم اللوحات التشبيهية المتطابقة مع الاصل.

 ان هذه الاشارة، تفضي الى حقيقة مفادها: ان الخبرة الكبيرة في مجال التلوين للفنان محمد مهر الدين، كانت موؤسسة بشكل متين لا يقبل الشك, ومنذ اكثر من خمسة عقود, فاذا، حاولنا الدمج بين المنطلقات الفنية والفكرية للفنان فاننا سنجد ان المحصلة ستكون منطقية جداً في اعتبار هذا الفنان احد اهم رسامي الحداثة في العراق.

ان دراسة فن مهر الدين، هي ذاتها دراسة التجارب المقدمة من لدن فنانينا الكبار مثل جواد سليم، وشاكر حسن، وخالد الجادر ومحمود صبري واسماعيل فتاح وساهم من المبدعين المميزين. 

• فكيف لنا الاستدلال على تمرده؟

- بمجرد نظرة فاحصة للواقع العراقي في العقدين الخامس والسادس، كفيلة باعطاء هذا السؤال اجابة منطقية، ولكن الاجابة الخاصة تأتينا من كون الفنان محمد مهر الدين، من سكنة مدينة البصرة التي تبعد مسافة تزيد عن العاصمة بمسافة كبيرة، وان الفنان حين قدم الى بغداد فلابد ان يكون رأسه محملاً باشياء تتعلق باثبات الحضور من خلال موهبته المبكرة وروحه المتحدية، وهذا التحدي لا يكون مؤهلاً، الا اذا كان صاحبه متمرداً، فالفن في تلك المرحلة من تاريخ العراق، كان يمثل شيئاً آخر، لاصلة له بمشكلات الحياة اليومية، وليس لنا به تراث فخم فيه، ولكن النظرة الماركسية للفنان اعطته حق التحدي وتفهم الفنون والولوج من اوسع بوابات الحداثة، لاسيما بعد ان انهى دراساته الفنية في بولونيا، وفي تلك الفترة كان العالم يتنازعه قطبان، الشيوعية في اوج تألقها، والامبريالية في عظمته تاثيرها وضغطها السياسي. لقد كان رواد الثقافة والفنون والاداب الجديدة في العالم معظمهم من الماركسيين او الشيوعيين، فلا غرابة ان نجد محمد مهر الدين، هذا الشاب المتوثب، المندفع بقوة حماسهِ وطموحه المسوغ بمطلقاته الفكرية ورؤيوية متقدمة، مهدت لموهبته الفنية، لكي يشارك في صناعة الافكار والتطلعات بوصفه فنان ثوري، وقبل ان يلتحق باللدراسة الفنية في احدى مدارس بولونيا، كان اسماً معروفاً في الوسط الفني العراقي، وقد اشار اليه الفنان نوري الراوي في كتابه الموسوم "تامىت في الفن العراقي الحديث" المطبوع سنة 1962، وكان يعدهُ من الفنانين المهمين في العراق واعتقد ان السبب وراء اختياره الدراسة في بولونيا وذلك للاثر الرائع الذي تركه الفنانون البولنديون الذين هربوا من جحيم الحرب العالمية الثانية واستقروا في بغداد ويعتبر البعض ممن درس تاريخ الفن التشكيلي العراقي المعاصر وبخاصة الناقد شوكت الربيعي، في كتابه "لوحات وافكار" ان لهؤلاء الفنانين دوراً كبيراً على مسار هذه الحركة وانهم اول من فتح ذهنية جواد سليم في الاخذ باهمية الموروث المحلي وتأسيس منهج فني خاص". 

لقد كانت الفنون الحديثة في تلك الفترة تمثل الذروة في تطورها، حيث مواكبة المستجدات العالمية،  وكان الفنان محمد مهر الدين، شهد ولادة هذه الفنون الجديدة وسمحت له الظروف للتعرف على الكثير من الفنانين العالمين والمشاركة معهم في المعارض الدولية، كما اطلع عن قرب على آخر التوصلات الفنية والتقنية في مجالات استثمار المواد الخام وتطويعها لصالح العمل الفني، وكانت دراسته في بولونيا تتضمن التصاميم، والرسم، والطباعة اليدوية "الكرافيك"، ولهذا وجدناه على الدوام متمسك في انجاز لوحات، تعتمل فيها الرؤية التصميمية، والتصميم لابد ان يتألف على شكل، والشكل لابد ان يكون جديداً ومغايراً.

اما فنون الطباعة اليدوية، الكرافيك، فانها دربت ملكاته الادائية، على تفهم الالوان الصعبة، الرصينة كما مهدت له لوضع مقاربات بين مفاهيم اللوحة وبين صناعة الاعمال الكرافيكية, وبعد عودة الفنان محمد مهر الدين من بولونيا سنة 1964، وجد ان جمهورية الشعب العراقي تقوضت، وانهارت اركانها، وان الشعب ينوء تحت مطرقة الحرس القومي، والاشياء كلها تغيرت، وتخرب الحلم الجميل، اذ ذاك، كان يرسم بحرية شديدة ولكن برمزية عالية، فاختار الارقام وبعض الحروف وبعض الجمل المكتوبة باللغة الانجليزية للتعبير عن رفضه وكراهيته لكل اعداء التقدم والانسانية، لقد رسم الفنان، الكثير من اللوحات التي تتماس مع حياة المجتمع العراقي، سواء أكان بشكل مباشر او بشكل مرمز، وانجز ذلك بعدة انتقالات اسلوبية، والاسلوب الذي عرف في فترة الستينات، كان متمثلا بتوظيف العجائن الكثيفة واللواصق، وقطع الخشب وقصاصات القماش او الورق وعمل المجسات، بطريقة تشبه الى حد ما اعمال النحث البارز(الرليف) التي يمكن توظيفها لصالح اللوحة.

لقد تنبأ الفنان مهر الدين بالمستقبل المأساوي للعراقيين. وفي لوحة له رسمها سنة 1980 وهذه اللوحة من مقتنيات السيد عبد الواحد سكران, جسد فيها ملامح بغداد المحترقة, بينما صورة رئيسة وزراء بريطانيا تتكرر وتتضائل شيئا فشيئا وفي هذا الانشاء التصويري حالة توقع وحدس عن المصير الماساوي المعبر عنه بالحرب المدمرة مع ايران واستغرقت زهاء الثمان سنوات.

ربما يمثل محمد مهر الدين، ارثاً وطنياً كبيراً، لانه فنان حاذق استطاع استشراف المستقبل الدموي وبذا فانه انتبه لقيم الموضوعات الخطرة وافصح عن رأيه بكل جرأة وشجاعة واستطاع النطق بما لم يستطع احد غيره، النطق به.

وعلى مر السنوات الاخيرة انشغل الفنان بدراسة الافكار التي جاءت بها العولمة، وايدتها السياسة الدولية الجديدة التي تريد اضاعة خصوصية الشعوب الضعيفة وبمجرد تتبع  لخط سير هذا الفنان العراقي الكبير، نجد ان المؤسسة القائمة على الثقافة في العراق، منذ عودته من بولونيا وحتى آخر يوم من حكم الديكتاتور، حاولت تهميش دوره وصرف الانظار عنه، ولكنها لم تستطع ابداً، لان لسان حال الفنان فنه الراقي المرتكز على الفهم المعمق للمعاني الانسانية، يبدو لي: ان قناعات الفنان راسخة، ولا يستطيع احد كائن من يكون، ان يمسها، فالفنان جدير بمبادئه، وحريص على افكاره، وقد استطاع ان يجسد المعاناة الانسانية بصدق وحرية 

 ففي الكثير من الاحيان تتشذر الرموز الابداعية مثل مجوهرات في تواريخ الشعوب واذا كنا نبحث عن ذاتية الفنان فانها ولا ريب مثل ذاتية جواد سليم متماهية مع ذاتية الشعب داخلة في ضمير الثقافة باقية متجددة على مر السنين.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر