من أرأسيات نقد المرحلة الملكية وأزمتها البنيوية:

عدد القراءات : 26
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
من أرأسيات نقد المرحلة الملكية وأزمتها البنيوية:

ومن الناحية الموضوعية والمصداقية العلمية المستندة على جملة المفاهيم النظرية ومن تاريخية الدولة العراقية المعاصرة، فلابد من الإقرار بأنه «... على الرغم من أن الملكية الهاشمية كانت من صنع الانكليز فقد كانت خلال العقدين الأولين من عمرها مفعمة بروحية مناقضة اساسا لروحيتهم, ونظرا للتداخل الحميم الذي كان قائما في البداية بين مصالح الأسرة الهاشمية ومصير حركة العروبة الجامعة، فإن التوجه العفوي الأساسي لهذه الملكية في الفترة 1921-1939 كان باتجاه الذهاب، إلى المدى الممكن في ظروف تبعيتها للانكليز، في عملية بناء الأمة- الدولة في العراق ... «.

د. عقيل الناصري

الحلقة الثانية والاخيرة

 ولهذا افتقدت الدولة العراقية المعاصرة إلى «... الشرعية القانونية، الشرعية الاجتماعية، الشرعية الإنجازية... وتتسبب أزمة الشرعية المركبة والمضاعفة هذه عادة في إضعاف استقرار الدولة ونضامها الحاكم معاً، وتقلل احتمالات إستمرارها، وتهدد في النهاية وجودهما، لأن النتيجة الطبيعية والمنطقية لها، هي شعور المواطن بعدم ضرورة إستمرار وجود كيان اجتماعي- سياسي لا ينتمي إليه ولا يعبر عنه (الدولة)، ونظام قانوني مؤسسي لا يلبي احتياجاته، ولا يؤمن مصالحه، ولا يحقق أهدافه( نظام الحكم)، بما ينتهي بهذا المواطن إلى الاعتقاد بحقه المشروع في السعي لإيجاد بدائل أخرى لهما، وهو سعي قد يبدأ سلمياً، لكنه غالباًما ينتهي عنيفاً وقسرياً حين يتعذر إنجازه سلمياً...  «

لقد كان تأسيس الدولة المركزية هو بمثابة نقلة نوعية جديدة مقارنة بمرحلة اللادولة السلطانية العثمانية، وكان من أهم معالمه تغيير النمط الاقتصادي السائد، كما كان في المرحلة العثمانية،إذ أصبح النمط شبه الاقطاعي هو المجال الأرأس المهيمن على الاقتصاد العراقي، ومثل نمط رأسمالية الدولة الوطنية الذي تصاعد في وتيرة تطوره وغيرهما من الانماط الاقتصادية، مما فسح المجال للانتقال من اقتصاد الكفاف إلى الاقتصاد السلعي، وأدى الى نمو وتوحيد السوق الوطني وشموليتها للعراق برمته، وبالتالي، وكعاقبة لهذه التحولات التي أدت إلى التغيير النسبي للبناء الفوقي وإحدى معالمه هو الخروج من التقوقع الفكري والانفتاح على خيارات جديدة المعالم وكان من أهمها تبني فكرة الاستقلال الوطني والهوية الوطنية.

 بمعنى آخر أن «... النجاح النسبي للمملكة لقد نجح النموذج المعتمد في عهد فيصل الاول (رغم الابتعاد عنه لفترة بعد وفاته، هي فترة غازي ١٩٣٣-١٩٣٨ وبوسعنا الإشارة الى عوامل النجاح التي استمرت حتى بعد ثورة تموز بقليل :

1- انفتاح النظام السياسي- الديمقراطي- البرلماني- الدستوري، لسائر الجماعات القومية/ الاثنية/ الدينية / المذهبية (يهود١٩٤٨هم الاستثناء الوحيد).

2- انفتاح اقتصاد السوق الحر امام رؤوس الاموال والتجارة المحلية، وساهم هذا الاقتصاد في ربط الافراد والجماعات عبر الروابط العضوية للتبادلات والتجارة.

3- المشاركة في الثروة الوطنية (=الأرض)، باستثناء أكبر طبقة ملاك أراضي على قاعدة التملك الحديث (الطابو) وليس الاقطاعية المؤقتة القديمة (الحيازة المقيدة). وتضم طبقة الملاك الجديدة التي تشكلت بفضل برامج الخبير البريطاني دوبز  من أكثر من ٤٠ في المائة شيعة، ٢٠ في المائة كرد، ١٨ في المائة سنة عرب، فضلاً عن تركمان وآشوريين ومسيحيين عرب. وهي طبقة تحاكي التعدد الاثني- الديني المذهبي للجماعة الوطنية، بوصفها جماعة تشترك في إقليم واحد موحد. هذه الطبقة تشكل القاعدة الاجتماعية للدولة الجديدة.

4- فتح باب المشاركة في الجهاز الإداري الحكومي (الوزارات...الخ).

5- فتح باب المشاركة في الجيش/الشرطة/ الامن. كان بعض قادة الفرق اكراداً وأول انقلاب عسكري قاده كردي (بكر صدقي).

6- احترام التنوع الثقافي خصوصاً العربي-الكردي في التعليم، والاعلام الرسمي...   «.

لكن مع هذا ابتلى العراق بـالتصورات القومية فكرياً حسب النموذج الألماني «...قبل نضج مجتمعاتنا لها، قبل نشوء الاقتصاد الحديث، وقبل ظهور المدن المتطورة، وقبل الدولة المركزية، الخ. كنا مجتمعاً زراعياً- حرفياً متجزئاً، مفتتاً، تنغلق اجزاؤه في قبائل وعشائر، ومدن، كما تنغلق مدنه في احياء، وينقسم سكانه بين حضر وزراع وبدو، وينقسم لغوياً إلى كرد وعرب، وينقسم دينياً ومذهبياً...  «، مما أدى إلى: - تعثر الدخول إلى العصر الحديث بصورة نسبية ؛

- تبني الدولة الوليدة مع قوى الاحتلال الأول، لتأسيس العلاقات شبه الاقطاعية عبر التشريعات والمراسيم عوضاً عن الرأسمالية الموجه  التي أخذت بها ثورة  تموز؛

- كذلك تحكم ذو الأصول العسكرية في إدارة الدولة الوليد ؛

- تبني السلطة الملكية للافكار القومية ذات النزعة (الشوفينية) عوضاً عن تعزيز البناء المادي للهوية الوطنية العراقية الأكثر ملائمة للمجتمع المتعدد المكونات، ومن ثم الانطلاق نحو الأمة العربية ؛

- عدم قدرة السلطة الاولغاكية على إعادة تنظيم بوصلة الصراعات السياسية المحتدمة على أساس أن الاتجاه المنشود الذي يتوجب التأشير نحوه مصلحة الشعب برمته، لا مصالح النخب الحاكمة والانطلاق من الهوية الوطنية المتآخية، عوضا عن الانتماءات الفرعية المتناحرة من الطائفية والعِرقية والمناطقية والعشائرية والتي بمجملها  تمثل ما قبل المدنية ( ما قبل الدولة الحديثة  ؛

- انعكست الأزمة البنيوية في فشل الحكومات الملكية في : تحقيق التنمية الاقتصادية ؛ في التداول السلمي للسلطة ؛ في التوزيع العادل النسبي للثروة .

واعتقد ان هذه السياسة وتلك التوجهات كانت تمثل في ماهياتها الملموسة الهروب إلى الأمام إزاء معالجة المشاكل الاجتصادية والسياسية والفكرية وتهيئة المجتمع نحو الغد الموعود على أسس اعتماد الهوية الوطنية ومن ثم الانطلاق نحو الأرحب وهو الانتماء إلى الأمة العربية ووحدتها..بمعنى غلبت السلطات القومانية ( الملكي والجمهوري) العروبوية على العراقوية. وإزاء ذلك فقد «... واجه النظام الملكي سيلا من الاحباط السياسي، وفي العديد من المناسبات أظهرت النخبة السياسية أنها ليست بحجم مهمة معالجة ذلك الاحباط ، فالنزوع لدفع السياسات من دون إستشارة مناسبة، ومضايقة الأحزاب السياسية وإلغاء تراخيص عملها، والرقابة المفروضة على الصحف وإغلاقها، والتلاعب بالعملية الانتخابية، وفي بعض الاحيان تعطيل البرلمان، كلها عملت على التسبب بالضرر الذي احدثته النخبة الحاكمة بنفسها التي لم يسورها القلق لاسيما من إستدعاء الجيش وزجه في شوراع بغداد بغية مواجهة الغضب والاحباط الشعبيين...  «.

وتأسيسا على ذلك  «... أرى أن حقبة الملكية لم تكن وردية كما يظن الواهمون. ولم تكن « فندق بخمس نجوم» إلا في مخيلة مرضى الضمير. على العكس، لقد كانت تلك الخروقات الدستورية والانتهاكات الجسيمة للحريات الشخصية والعامة الأساس الحسي المنظور والفاعل المؤسس لمرحلة سيادة العنف الشامل، التي حلـّت بسقوط النظام الملكي... «. بالاضافة إلى ضيق سعة النخبة الألولغاركية السياسية وعدم تداول السلطة سلمياً بين الطبقات والفئات الاجتماعية.. لهذا، في اعتقادنا، أن السلطة الملكية هي من فتحت أبواب السلطة أمام ولوج المؤسسة العسكرية منذ لحظات بداية التأسيس للدولة، كما مر بنا، وهي من فتح شهية الضباط  في تغيير الحكم منذ الثلاثينيات، لكن كانت ميزة ثورة 14 تموز المرة الأولى لتدخل الضباط من خارج سيطرة النخبة الألوليغاركية الحاكمة.

وفي الوقت نفسه وأمام معارضة غير ناضجة بما فيها الكفاية وعدم قدراتها على شرح الواقع المستعصي على التفسير من قبل الفئات والطبقات الحديثة الناشئة، المتواضعة نسبياً، كانت لها نتائج فكرية تمثلت وتجسدت في «...تحول النكوص امام التكوين الوطني، والبنية التاريخية، الى سبب ومبرر، للقفز واستبدال الواقع بالمستورد، وهذه الانتقالة، اتخذت منحى شديد الصرامة الداخلية والانتحاء عن الواقع، اولا بسبب حضوره الداهم والثر المتدفق، ماسهل على القوى الايديلوجية تحويره، واسباغ معاني وصيغ تصفه، اوصافا منتزعة من ترسانتها وتسمياتها، مستغلة تفردها، وثانيا ولان وتيرة الصراع والمواجهة، عالية وشاملة كما اسلفنا، فقد اضطرت القوى الايديولوجية للانغماس العملي ماعزز لديها الاعتقاد بنطقها عن الواقع وتفاعلها معه سلوكا وفكرة، مع غلبة للعملي، واقتصار على الحد الادنى الفكري المفهومي، ينتهي عند «البيان الحزبي»، والمقررات والشعارات، غير الخاضعة للمناقشة، او الفحص، ماقد خلق مع الوقت قوة فعل وتفسير من خارج الواقع، تتغذى من غياب وتأخر لحظة وامكانية اكتشاف الخاصيات التاريخية...«.

--------------

  -- المصدر السابق.. ويشير المؤلف إلى وجود مقاربتين لمفهوم الأمة وهما: «...هما المقاربة الألمانية، والمقاربة الفرنسية : فالمقاربة الألمانية التي وضعها الفيلسوف الألماني يوهان فيخته (١٧٦٢- ١٨١٤) في نص يُعرف باسم «خطابات الى الامة الألمانية» (١٨٠٧)، حدد فيه مفهوم الامة على اساس اللغة، واواصر الدم، بل شبهها بـ»القبيلة»، لجهة قرابة الدم، والجماعة المغلقة بثقافتها ولغتها.منذ ذلك الحين وصيغة فيخته لمفهوم الامة كجماعة ثقافية ذات لغة مشتركة، وصلة رحم سادت، مع بعض التعديلات، تحت اسم النموذج الألماني. فالثقافة حددت اما باللغة، او بالدين، او بالعرق. اليابان تحوي كل هذه العناصر، والهند مثلاً لا تحوي أي عنصر مشترك من هذه. مع هذا، النزعة القومية اليابانية لا تقل قوة عن نظيرتهاالهندية.

النموذج الفرنسي لا يعتبر أواصر الدم، ولا اللغة اساساً لبناء الامة. واضع هذا المفهوم المفكر الفرنسي ارنست رينان، في محاضرته الشهيرة في السوربون (١٨٨٢) بعنوان: ما هي الامة! كان رينان ينظر الى تجربة اميركا الشمالية وتجربة اميركا اللاتينية في الاستقلال عن إنكلترا وعن اسبانيا رغم وحدة اللغة والثقافة.في رأيه الامم تقوم على عنصرين: وحدة المصالح المشتركة لأعضائها، ونسيان الماضي (الاقطاعي) المحترب. بدون نشوء مصالح مشتركة، وبدون نسيان احقاد الماضي، لا يمكن بناء الامة. وله قولة شهيرة: «الامة استفتاء دائم».اغلب الحركات القومية والدول القومية اعتمدت النموذج الألماني، رغم وجود تنوع في بلدانها ما يقتضي المرونة، واعتماد النموذج الفرنسي .

  -د. طارق العقيلي، مقدمة في تاريخ العراق، ص. 439، مصدر سابق

  - سلام عبود،الاغتيال والتحقير السياسي في العهد الملكي، الحوار المتمدن، في 18/8/2013.

  - عبد الأمير الركابي،مصادر الهزيمة التاريخية للنخب العراقية(1/2)، الحوار المتمدن في 26/9/2017.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر