من أرأسيات نقد المرحلة الملكية وأزمتها البنيوية:

عدد القراءات : 9
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
من أرأسيات نقد المرحلة الملكية وأزمتها البنيوية:

في البدء، هنالك تناقض بين ظاهرة التبني للنظام الملكي في العراق من قبل قوى الاحتلال البريطاني، وبين ظاهرة الملكية في العالم وتحديدا بالشرق الأوسط، إذ ألغيت الانظمة الملكية وبخاصة المستبدة منها، في كل من إيران وتركيا وروسيا قبيل الحرب العالمية الأولى وتضاعف سقوطها بعد الحرب العالمية الثانية في الهند ومصر وليبيا واليمن وأفغنستان. بينما لا يعرف النظام السياسي في العراق لا في تاريخه القديم ولا الحديث النظم الملكية، إذ كانت الملكية المستحدثة هي شكل عابر في تاريخية النظم السياسية في العراق. ويشير تأريخ العراق السياسي إلى تناقض آخر بصيغته التناحرية، كما هو سائد في مجمل العالم النامي ومنها الدولة العراقية بصيغتها الملكية أو الجمهوريات الثلاث، ويكمن هذا في النصوص الدستورية المشرعة وبين أساليب إدارة الحكم للسلطة ومدى تطابقها مع ماهيات وروح ذات الدستور، بالإستثناء النسبي لمرحلة الجمهورية الأولى، بحيث ما زلنا نعتقد أن ثوابت الدولة القومية التي أنشئت سواء بالملكية أو في الجمهورية الثانية ( 9 شباط 1963- 9 نيسان 2003)، «... لا سيما تمذهب الدولة وارتباط سياستها بالخارج وردود فعلها على العراقيين، قد جعل ممارسات هذه الدولة الواحدة لا تستثنى منها حكومة، ولا وزارة، ولا فترة، سوى فترة 14 تموز التي عرفت بخلوها من الارتباطات الأجنبية وممارسات التميز الطائفي، لكنها تعتبر استمرارا مع حالة الدولة العراقية في بعض النقاط التي حاولنا استقراءها:

د. عقيل الناصري

الحلقة الاولى

1- ممارسة التعذيب بالمعارضين، خلافاً للمادة الخامسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ؛

2- القبض والحجز والنفي التعسفي، خلافاً للمادة التاسعة ؛

3- منع مواطنين من السفر لأسباب سياسية، خلافاً للفقرة الثانية من المادة13 ؛

4- نزع الجنسية العراقية عن أشخاص لأسباب سياسية خلافاً للمادة 15 بفقرتيها ؛ 

5- منع حرية الرأي والتعبير، خلافاً للمادة 19 ؛

6- منع قيام الجمعيات الحرة، خلافاً للفقرة الأولى من المادة 20 ؛

7- حرمان المواطن من إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون اختيارا ً حراً خلافاً للمادة 21 ؛

8- حرمان العراقيين من الانتخابات النزيهة خلافاً للفقرة الثالثة من المادة ؛

 9الحرمان من التنظيم النقابي الحر، خلافا للفقرة 23 ؛

10- لم تكن الضمانات الاجتماعية كافية، ولم يكن التأمين الاجتماعي قائماً، في حالات كثيرة، خلافاً للمادة 25.

وبهذا تكون الدولة العراقية قد خالفت معظم إن لم تكن جميع المواد الأساسية التي جاء بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي نضمنها الدستور العراقي الدائم والدساتير المؤقتة ...   ". وحتى بالجمهورية الثالثة (9 نيسان 2003-  ولحد الان) ولكن بصورة معكوسة من حيث تمذهب الدولة..

كانت ولادة الدولة العراقية المعاصرة، كبقية أقطار( العالم النامي) وبخاصة في المشرق العربي المنسلخة من الامبراطورية العثمانية, على يد المراكز الرأسمالية الغربية وبالأخص بريطانيا وفرنسا, وكانت "... تحمل في ثناياها العديد من التشويهات المفتعلة على الحدود المصطنعة وانتهاءً بالضعف الداخلي لمؤسساتها. وقد واجهت هذه الدول منذ نشأتها مشكلات وتحديات هائلة من الداخل والخارج على السواء.. فلا هي استفادت مما في تراثها من حكمة المؤسسات المدنية التقليدية (قبل الحديثة) ولا هي سمحت بمساحة عامة كافية للمؤسسات الحديثة لكي تنمو وتزدهر. ونتيجة ذلك وجدت الدول العربية الجديدة نفسها تحارب على جبهات داخلية وخارجية عديدة...  ". حسب قول د. سعد الدين إبراهيم.

 - لقد رافقت الأزمة البنيوية الدولة العراقية منذ ولادتها وإلى الوقت الحاضر في الجمهورية الثالثة.. وخير دليل على ذلك هو أن المؤسسات السياسية بكل أشكالها في العالم الثالث، بضمنها العالم العربي وبخاصة العراق، هي في ماهياتها "... لا تمثل سوى مجموعة صغيرة من أفراد المجتمع تجمعهم مصالح معينة وذلك انطلاقاً من أن بلوغ أية منزلة سياسية رفيعة في المؤسسات السياسية  لتلك الدول يكون بتأثير قيم القوة، مثل القوة العسكرية والوجاهة (أي الوجهاء كزعماء القبائل) والتعليم الحديث.. وأن ندرة هذه القيم واقتصارها على مجموعة  صغيرة تجعل المناصب السياسية حكراً على فئة سكانية محدودة. لذا فإن انتشار الأمية وانخفاض المستوى الثقافي لأغلب أفراد المجتمع، يعني أن تلك المؤسسات لا تمثل إلا نفسها، وما هي إلا مجرد ديكور دستوري تلعب من ورائه القوى المسيطرة على السلطة أدوارها الحقيقية ...  ". 

- ومن جانب آخر فقد تمثلت إحدى هذه التشويهات للأزمة البنيوية للسلطة في تطبيق الفكرة النفعية (السلطة- التملُك)، التي مفادها إن النخبة الحاكمة الأوليغاركية بالعالم النامي، ومنها العراق، وبخاصة فئة الضباط الشريفيين منهم، عندما سيطروا "... على جهاز الدولة وتهيمن على مجتمع مفكك البنية، ستكسب قوة الدولة مما يجعل مهمتها تتجاوز عملية تسير جهاز الدولة إلى أن توجه هذا التيسير لخدمة مصالحها بالدرجة الأولى ومصالح الفئات الاجتماعية المرتبطة بها والتي تشكلت من بين أوساطها... وعليه فإن الدولة في مجتمعاتنا لا تحتفظ بنفس العلاقة بينها وبين المجتمع والسائدة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فهي نشأت بمعنى ما، (متقدمة) بمراحل عن الحاجات الحقيقة للمجتمع وبناه الاجتماعية والانتاجية وبذلك فهي تجابه المجتمع باعتباره نقيضاً لها محاولةً القضاء على كل ما يتعرض فرض هيمنتها عليه أو كل ما يشكل منافس لسطوتها وتغلغلها...فإن جوهر هذه العلاقة وطبيعتها لم يتغير متمثلاً بسيادة الدولة على المجتمع وهيمنتها عليه... ".

- وتأسيساً على ذلك، فيمكن "... وصف السياسة خلال الحكم الملكي العراقي، بأنها صراع مستمر بين أعضاء النخبة من أجل القوة والنفوذ الشخصي على حساب بناء قيم وممارسات عملية جديدة ( كالكفاءة والخَلق والمبادرة) حيث كان الأفراد يقيمون وفق معايير شخصية لا موضوعية (الحسب والنسب والصداقات) ومن ثم تطبيق الاحكام والقوانين وفقاً للاعتبارات الشخصية. لقد كانت السلطة الرسمية ضعيفة حيث استمدت أساسا ودعمت من خلال تبوء الفرد المنصب الوزاري أو عدة مناصب وزارية في آن واحد. ومن ناحية أخرى فإن عناصر القوة استمدت من عدة مصادر متداخلة ذات طبيعة رسمية ولا رسمية اشتملت (بالإضافة للمنصب الرسمي) على : الثروة ؛ رابطة الدم ؛ الشللية ؛ والنفوذ الأجنبي (البريطاني). ومن ناحية أخرى استعمل المنصب الرسمي، كرسي الوزارة في هذه الحالة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة لدعم قيم القوة الشخصية كالثروة أو المحسوبية أو المحاباة...   ". وغيرها من المناصب كالنواب والأعيان والمناصب الرسمية والقيادات العسكرية العليا. وهكذا فان كل ما ذكر من "... السياسات الداخلية في العراق كانت منذ البداية متأثرة إلى درجة  كبيرة بوجود الشخصيات المتنفذة. فكل شخصية بارزة جمعت حولها عدداً من المؤيدين، قامت بإصدار صحيفة، ونظمت حزباً سياسياً صورياً للحصول على قوة شخصية وشهرة ومركزاً رسمياً على حساب الكفاح للاستقلال عن انكلترة... فلقد تجزأت النخبة السياسية  إلى شلل متناحرة عرف كل منها بأسماء نواتها (مؤسسيها) من الشخصيات البارزة. وقد كان هناك على سبيل المثال جماعة رشيد عالي الكيلاني لتي وقفت ضد جماعة نوري السعيد، جماعة صالح جبر ضد جماعة نوري السعيد، جماعة الأخير ضد جماعة علي جودت الايوبي، جماعة جميل المدفعي ضد جماعة ياسين الهاشمي وجامعة السعيد، جماعة حكمت سليمان ضد جماعة ياسين الهاشمي وجماعة الكيلاني، جماعة حمدي الباجه جي ضد جماعة توفيق السويدي، وجماعة الأخير ضد جماعة صالح جبر وجماعة الكيلاني ... " .

- وقد كانت هذه علاقات (الأخوة- الاعداء)، إن جاز التعبير، ناجمة من ذات الظروف التي كانت سائدة آنذاك، ومن إحداها هو: "... لم يقيّض إدارة المجتمع العراقي، فكر أصيل مؤهل لاستيعاب جوهر مشكلاته وانقساماته، ومستوى نضجه لتقبل التغيير. وينصرف ذلك إلى القوى السياسية كافة (السلطوية والمعارضة). فإذا كانت القوى السلطوية قد أساءت إدارة شؤونه، فان قوى المعارضة قد أخفقت في تعبئة الجماهير للكفاح من أجل إرساء نظام حكم عقلاني مؤهل لدفع مركبه إلى شاطئ الرفاه والطمأنينة..  ".

- ومما زاد الطين بلة هو عدم تبني السلطات الملكية فكرة توفير الظروف الموضوعية والذاتية للتطور بغية التحقيق المادي لمشروع نخبة المثقفين الوليدة النشوء، ومن هنا بدأ نزوع الصراع بين السلطات وبين (المثقفين) التقليدين من جهة ؛ والقاعدة الاجتماعية للحكم الملكي من جهة ثانية ؛ والواقع العصبوي للقوى التقليدية من جهة ثالثة. لهذا رنت فئة المثقفين (الانتلجنسيا) إلى الحضارة الغربية وتم "... تبني مذاهب وايديولوجيات  تلك الحضارة وفي ظنها أن البرامج السياسية لتلك المذاهب والايديولوجيات تمثل بلسماً لأمراض التخلف التي يعانيها المجتمع العراقي، وردم الهوة السحيقة التي تفصله عن المجتمعات الغربية...   ". رغم عدم قدرة وتمكن، كما أزعم، فئة المثقفين من التكيّف الابداعي لهذه النظريات وتلك الايديولوجيات على وفق ظروف المجتمع العراقي الحسية ومع مستوى تطور قوى الانتاج.. ولربما يكمن السبب في حداثة نشوء هذه الفئة الاجتماعية وعدم فهم العلاقات الجدلية واولوية التوازن الداخلي لهذه النظريات ومدى استجابتها للظروف المحلية والتكييف معها أو/و قصر فئة الانتلجنسيا في استيعاب هذه النظريات والمذاهب.. وخير دليل يضرب هنا خلو الابعاد الطبقية من الرواد الأوائل للفكر الاشتراكي، بل وحتى بعد عقدين من الزمن، خلت الافكار اليسارية المتمثلة بالحزب الشيوعي من هذه الأبعاد والذي جسدها الشعار المركزي{ وطن حر وشعب سعيد}، اي بمعنى آخر لا يمكن ليّ يد التاريخ، كما عبر عنها أحد مؤسسي الحزب فهد . 

- ومع هذا فقد فشلت الدول الاستعمارية والمراكز الرأسمالية، إن لم تكن غائيتها المقصودة، وهذا استنتاج مستنبط من جملة الظروف الموضوعية والذاتية التي سادت في المجتمعات المستعمِرة، في سيرورة «... عملية التوطين الدول الاستعمارية لانموذجها السياسي الغربي في مستعمراتها، (إذ) واجهت ثلاث مشكلات أساسية هي:

-عدم توافر الشروط الذاتية والموضوعية لتوطين الأنموذج السياسي الغربي في المستعمرات ؛

-عدم توفير الدول الغربية للشروط الذاتية والموضوعية لتوطين لتوطين أنموذجها السياسي في المستعمرات ؛

-عدم التزام الدول الغربية بقيمها الحضارية التحدثية واللبرالية والديمقراطية في توطينها لأنموذجها السياسي في المستعمرات...    «. في العراق وبقية المستعمرات. 

- وبالتالي فشلهم في تحقيق وبناء الأسس المادية اللازمة لنقلة نوعية تتماشى مع روح التحضر والعصر وبالتالي تشكيل الدولة - الأمة والانطلاق من الهوية الوطنية وبناء ممهداتها المادية، التي غالبا ما ترتبط»... بعصر الرأسمالية، عصر الصناعة، الليبرالية السياسية (الديمقراطية)، والليبرالية الاقتصادية (اقتصاد السوق)، والمدن الكبرى، في ظل جهاز حكم مركزي (الدولة). لا وجود للأمم والدول القومية قبل هذا العصر، رغم ان بعض لبنات تشكُّل الامة (اللغة، الثقافة... الخ) ذات تاريخ موغل في القدم احياناً...   «، بمعنى آخر «... أن الدولة الحديثة هي شرط المواطنة الكاملة، اصطدمت هذه الأخيرة بمشكلات الأولى في مجالات الهوية والمشاركة والمساواة التي لم تحسم في بنية مؤسسية مستقرة، وأصبح العبء مزدوجاً:

- بناء دولة متكاملة كمؤسسة تؤمن المشاركة والمساوة والسيادة ؛

- بلورة هوية وطنية مجمع عليها لمواطنين أحرار.

ثمة تساوق للدولة الحديثة مع مكوناتها الاجتماعية ، وبقدر ما تعبر الدولة عن مجمل هذه المكونات، تكون المصالحة هي سمة الأبرز، والاستقرار هو المدى المتوقع وتكون المواطنة هنا، حالة تاعل ذاتي حر بين المكونات التي لا  تخشى تسلط الدولة ولا تهميش السلطة ، ولا  تضيع الهويات الفرعية...  «. كما حددها حسين الرحال، منذ اواسط العشرينات.

 - كما فشلوا في إرساء الأسس الديمقراطية نتيجة «... التنافس والصراع بين أعضاء النخبة استمر لما بعد التاريخ المذكور (عام ) وحتى الخمسينيات. إلا أن صراع القوة هذا تميز بسمة فريدة حيث أنه لم ينطلق من اختلاف وجهات نظر سياسية بين أعضاء النخبة، وإنما كان حصيلة استمرار التنافس حول السلطة والمصالح الشخصية. وتبعا لذلك فان أنماط التفاعل التي اثرت على سلوكية أعضاء النخبة، اختلفت عن تلك التي شهدتها الفترة ما قبل سنة 1941...  «. وفي الواقع»... إن أكبر خطأ قاتل ارتكبه النظام الملكي في العراق يكمن في موقفه من الديمقراطية، فعلى العكس من منطق الأشياء سار الخط البياني لتطور الديمقراطية في العهد الملكي من الأعلى إلى الأسفل، لا من الأسفل إلى الأعلى، ويتحمل الجميع وزر ذلك ...  « هذا الموقف قل نظيره في قياس الزمكانية (الزمان والمكان) وانعدام التداول السلمي للسلطة بين المكونات الاجتماعية.

- إن طبيعة الصراع بين النخبة الاوليغاركية الحاكمة، وجملة االظروف الداخلية والخارجية، كانت قد استبعدت من التأثيرات على القرار المركزي للدولة، كل من مؤسستي: القبلية والعشيرة بعد استكمال صيرورة الانتقال االقانوني للأرض وتسجيلها، عبر جملة من التشريعات  والمراسيم، باسم رئيس العشيرة وليس العشيرة ذاتها كما كانت في المرحلة العثمانية ؛ والمؤسسة العسكرية بعد عام 1941 إلا في حالات الضرورة القصوى، كما كان سائداُ منذ تأسيس الدولة ولغاية فشل حركة مايس التحررية.. من أجل الحفاظ على النظام الملكي ومصالحهم الأنوية.

 بمعنى كان عام 1941 الحد الفاصل بين توجهين للنخبة الاوليغاركية الحاكمة، إذ بعد هذا العام توحدت هذه التوجهات نحو الدفاع على النظام الملكي والارتباط أكثر فاكثر بتحالفاتها الخارجية مع بريطانيا، وسيطرة نوري السعيد على وزارة الدفاع، والابتعاد عن التوجهات الوطنية (العراقوبة) والقومية (العروبية).. بدليل أن الحكومات الملكية المتعاقبة، لاسيما التي ترأسها الفريق نوري السعيد(14 مرة)، بخاصة ما بعد الحرب العالمية الثانية وعلى الأخص في العقد الأخير من النظام الملكي، كمنت تحالفاته في السياسية الخارجية مع الحليف البريطاني والدول الاقليمية غير العربية، كما كان أداة معرقلة للتقدم نتيجة نظرته متخلفة إلى ضرورات المرحلة، الموضوعية والذاتية .

- ويمكننا القول إن تأسيس الدولة العراقية الحديثة المعاصرة، كما مثيلاتها من دول العالم النامي إذ لم تتشكل»... على وفق تعاريف الفكر السياسي والقانوني الحديثين، إذ كانت دولة عصرية ذات طابع ديمقراطي من حيث الشكل الخارجي، أما جوهرها فكانت استمرارا للدولة السلطانية التسلطية، حيث تنعدم فيها ظواهر الدولة الحديثة باعتبارها دولة مؤسسات وقانون وحقوق والسلطة فيها مُلْكية عمومية لم تكن قائمة على مبدأ التداول السلمي بين المكونات الاجتماعية. والدليل على ذلك ان النظام الديمقراطي، على الأقل نظرياً، ينهض على خمسة أسس وبدونها يمتنع قيامه، وهذه الاسس تكاد ان تكون مشتركة بين سائر النظم الديمقراطية في العالم، وهي :

1- الدستور، باعتباره السلطة المرجعية العليا للكيان الوطني ؛

2- حرية الرأي والتعبير، وتشمل حق الأفراد والجماعات في التعبير عن آرائها على مقتضى الحرية المكفولة بضمانات قانونية ؛

3- مبدأ التعددية السياسية، بإعتباره التعبير المادي المباشر عن حرية التعبير، بغية كسر احتكار السلطةفي المجال السياسي ؛

4- النظام التمثيلي النيابي أو التشريعي المحلي والوطني المعتمد في الجوهر على المشاركة السياسية وضمان صيرورة الاقتراع بالضمانات الدستورية والقانونية حتى تكون نزيهة وشفافية ؛

5-إقرار مبدأ التداول السلمي للسلطة بين المكونات الاجتماعية والسياسية.                       

 علماً بأن هذا النظام المتكامل لا يقبل التجزئة أو/و الانتقاء، انه منظومة شاملة تؤخذ بكليتها، وكل محاولة للنيل من عناصرها الخمسة، هي محاولة لتدمير هذا النسق والمنظومة...   «. 

 تُرى هل هذه المنظومة من المبادئ لماهيات النظام الديمقراطي كانت مطبقة في النظام الملكي ؟  وهل طبق ما سطر في الدستور الدائم من حقوق المواطنة وحرية الرأي والإختيار في الانتماء الفكري والفلسفي وحرية الأحزاب السياسية والتنظيم النقابي وغيرها المقترنة بالنظم الديمقراطي؟ أعتقد أن السلوكية السياسية  للسلطة الاوليغاركية والملوموسية الإدارية تنفي ذلك، يمكن الاستدلال به حسب التجربة التاريخية الحسية لمظامين وماهيات تلك المرحلة، ويمكن رصدها من وفرة هذه المبادئ من الناحية الشكلية فحسب دون أن تطبق على الواقع، حيث تدلل على ماهيات النظام وأوالية ( ميكانزم) إدارته وطبيعته الطبقية، على بعده بمسافة زمنية طويلة عن جواهر هذه المبادئ. وإلا لما دخل النظام الملكي في أزمته البنيوية منذ فجر تأسيسه. بمعنى آخر أن هذا يفسر إلى حد كبير مأزق الدولة العراقية الحديثة منذ التأسيس عام 1921 وإعادة التأسيس عام 2003. 

- ومما زاد الطين بلة أن المؤسسات الدستورية الحديثة والافكار الجديدة لم تنبثق من خلال الصراع الاجتماسياسي والفكري للمجتمع العراقي، كما هي الحال في المجتمعات المتطورة تاريخياً، بل تم فرضها من الأعلى على وفق مقتضيات تأسيس الدولة، وبالتالي فلم تكن نتاج ظروفها الداخلية ولا حسب طبيعة الأشكال المختلفة للصراع الاجتماعي وتناقصاته، بل جرى تأسيس الدولة على العكس من ذلك وعلى وفق منظومة المفاهيم النظرية الغربية سواءً الحقوقية أو/و تركيبة الدولة وبنائها ومؤسساتها، التي كانت سائدة في المجتمعات المتطورة التي لا تتشابه مع الوضع العراقي وأبعاده :

** لا من حيث تجربة تاريخية التطور؛ 

** ولا من ماهيات الصراع بكل ابعاده الاجتماسياسية والفكرية ؛

** ولا من حيث المؤسسات السياسية واولوية النظم الدستورية والاحزاب ؛

** ولا من حيث المؤسسات التشريعية والصيرورات البرلمانية وأواليتها ؛

** وأيضا عدم تطور المجتمع المدني ومؤسساته. 

لذا تعمقت التشويهات البنيوية للازمة السياسية للمرحلة الملكية برمتها، وكان من أبرزها سير صيرورة العملية الانتخابية، التي كانت على درجتين منذ أول انتخابات ولغاية عام 1953، حيث أمست بصورة مباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان التدخل المباشر لمثلث الحكم (مؤسسة العرش والوزراة والسفارة البريطانية) في هذه الصيرورة الانتخابية وتزويرها لصالح مرشحي السلطة الحاكمة. فعلى سبيل المثال يذكر توفيق السويدي، احد أعمدت الحكم الملكي والوزير المزمن، على سبيل المثال، فيقول: «... إن مشكلات  البلد ناشئة في الدرجة الأولى من ضعف الوزارات التي قامت في البلاد، لأنها لم تستند إلى مجالس تشريعية منتخبة انتخابا حراً لتمثيلها تمثيلاً صحيحاً، إن فقدان التمثيل النيابي الصحيح هو الذي باعد بين الشعب وحكومته، فلو أن مجلساً تشريعياً تجري انتخاباته وقام في البلاد، لقلَّتهذه المشكلات إلى درجة محسوسة...  «. 

- وعلاوة على ذلك فإن احدى مشاكل أزمة الحكم البنيوية في العراق المعاصر، كما في إعادة تأسيس الدولة العراقية بعد الاحتلال الثالث (9 نيسان- 31 كانون أول 2011) في تأريخ العراق المعاصر قد كمنت في تأسسها «... على يد قوى ونخب محلية استقوت بالمحتل البريطاني، واستمدت قوتها وشرعيتها منه على الرغم من الإجراءات والأساليب الديمقراطية الشكلية المتمثلة بمجلسي النواب والأعيان، مما افقدها السيطرة السياسية وكيفية الاستجابة للأفكار الثورية الناشئة من دون تقويض العلاقات الاستراتيجية التقليدية...  «. كما استمدت قوى الحكم بعد عام 2003، من المحتل الأمريكي. مما أبقى الدولة العراقية لحد الآن فاقدة لشرعيتها المجتمعية وبقاؤها حتى هذه اللحظات مشروع دولة قيد التكوين والانجاز.

--------

 1 - حسن العلوي، الشيعة والدولة القومية في العراق، ط. 2، ص. 170 1990، دار النشر ومكانها بلا.

2 - مستل من د. فالح عبد الجبار, الدولة والمجتمع المدني في العراق. ص. 15, مركز ابن خلدون, القاهرة  1995.  

 3 - د. موسى محمد آلطويرش، القائد السياسي، ص. 119 ، مصدر سابق.

4- د. عبد المجيد الهيتي، الدولة والمجتمع ما بعد الاستعمار، ص. 28، الثقافة الجديدة، العدد 259، حزيران 1994.

  5-د. نزار الحسو، الصراع على السلطة في العراق الملكي، ص. 24، مصدر سابق.

 6 - المصدر السابق، ص. 112.

  7- د. سليم الوردي، ضوء على ولادة، ص. 111، مصدر سابق.

8 -  الايديولوجية، مفردة فرنسية ظهرت أبّان الثورة سنة 1789 وأول من اشتقها الفيلسوف الفرنسي  د. ترسي  Destutt do Tracy (1754- 1836) .. وهي نسق من الآراء والأفكار: السياسية والقانونية والاخلاقية والجمالية والفلسفية والدينية. وهذا المفهوم  جزء من البناء الفوقي وهي بهذه الصفة تعكس في النهاية  نمط العلاقات الاقتصادية. كما أن هذا المفهوم قد يكون علمياً وقد يكون غير علمي، أي بمعنى أن يكون  انعكاسا صادقا للواقع المادي أو زائفا له. ومع هذا فللمفهوم استقلالا نسبيا عن البناء التحتي للعلاقات الاقتصادية. ويفسر هذا الاستقلال بكونه يتأثر بعدة عوامل تتجاوز النطاق الاقتصادي. ويمكن النظر إلى هذا المفهوم من خلال التناول للعديد من هذه  تعريفات لجانب أو أكثر من جوانب هذا المصطلح، بوصفه مفهوماً حديثاً. وأحد أوجه هذه التعريفات الأكثر تكاملاً بأنها "النسق الكلي لـلأفكار و المعتقدات والاتجاهات العامة الكامنة في أنماط سلوكية معينة. وهي تساعد على تفسير الأسس الأخلاقية للفعل الواقعي، وتعمل على توجيهه. وللنسق المقدرة على تبرير السلوك الشخصي، وإضفاء المشروعية على النظام القائم والدفاع عنه. فضلاً عن أن الأيديولوجيا أصبحت نسقاً قابلاً للتغير استجابة للتغيرات الراهنة والمتوقعة، سواء كانت على المستوى المحلي أو العالمي. ويعني تراسي بالأيديولوجية علم الأفكار هذه الأفكار التي تُبنى منها النظريات  الفرضيات، التي تتلاءم مع العمليات العقلية لأعضاء المجتمع..وهناك تعريف آخر بوصفها مجموعة قيم أساسية ونماذج للمعرفة والإدراك، ترتبط ببعضها وتنشأ صلات بينها وبين القوى الاجتماعية والاقتصادية. فإذا أخذنا بتصور مانهايم هذا لمفهوم الأيديولوجيا، نستطيع أن نميز في أي مجتمع طبقي بين أيديولوجيتين:أيديولوجيا الجماعات الحاكمة التي تريد فرض تصوراتها وأفكارها على بقية أفراد المجتمع، وتبرير الأوضاع الراهنة والدفاع عنها.أيديولوجيا الجماعات الخاضعة، التي تحاول تغيير هذه الأوضاع لصالحها وإحداث تغيرات في بناء القوة القائم، بما في ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية وتوزيع الدخول توزيعاً عادلاً. بمعنى آخر كل التعاريف المعجمة لهذا المصطلح تشير الى انتمائه الفلسفي والمعرفي، بالاضافة إلى توفيقيته بين الرؤى الفكرية  والسلوك التطبيقي في صيرورات التغيير المجتمعي. راجع الموسوعة الفلسفية ، ص. 68، مصدر سابق .

  9- د. سليم الوردي، ضوء على ولادة،، ص. 112. مصدر سابق.

  10- للمزيد  راجع حنا بطاطو ، الجزء الثاني ، صص. 102، و 169، 

 11 - د. علي عباس مراد، مشكلات إعادة بناء الدولة في البلدان العربية، حالة العراق 2003-2015، ص. 20دار قناديل ، بغداد 2016.

 12 - د. فالح عبد الجبار، دولة - الأمة، النزعة القومية وحق تقرير المصير مفاهيم أساسية، الحوار المتمدن، العدد: 5659 - 2017 / 10 / 4 . ويشير ذات المؤلف في ذات الدراسة، "... إلى شروط نجاح نموذج الدولة - الأمة  بالقول: ما هي شروط بناء الامة في أوضاع متخلفة لم تكتمل فيها مقومات العصر الصناعي- الرأسمالي الحديث. اول شروط بناء الدولة- الامة هو السيادة الداخلية القائمة على الشرعية الدستورية- الانتخابية، والسيادة الدولية المرتكزة الى القانون الدولي (اعتراف دولي). ثاني هذه الشروط وجود اقتصاد سوق، لا اقتصاد ريعي، اقتصاد السوق يخلق روابط عضوية، شبكة مصالح مترابطة، متداخلة تخلق ما يسمى بـ"التضامن العضوي" الذي يشكل مادة أساسية في بناء الامم. اما الاقتصاد الريعي- النفطي، حيث تكون الدولة هي المالك للريع، فلا تخلق ذلك. الريعي يربط الفرد، كفاعل اقتصادي، بالنخبة الحاكمة، بالزعيم (او من يمثله) ولا يربط الفرد بالأفراد الآخرين. من هنا فان زوال الزعيم/ الحزب/ الحاكم يعني انهيار شبكة العلائق الاقتصادية ومجيء شبكة جديدة محلها، تحمل معها ضروب الاقصاء، وضروب الولاء الجزئي.كثرة من السياسيين والباحثين لا تدرك معنى اقتصاد السوق كأداة لبناء نسيج اجتماعي عابر للطوائف والاثنيات. فالمال لا دين له ولا مذهب. ثالثاً- ينبغي للجهاز الإداري ان يفتح لسائر المواطنين دون تمييز عرقي/ديني/مذهبي أو وهذا اهم دون انغلاق حزبي (توظيف أعضاء الحزب). رابعاً- انشاء جهاز عسكري امني منفتح ومفتوح للجميع،من دون حصر احتكاري حزبي مذهبيا وحزبي- قومي.

خامساً - التجانس الثقافي شرط ضروري لاستمرار بناء الامة، وتمتينه، وهو يقوم على تعزيز المشتركات في جانب، واحترام التنوع من جانب آخر، خصوصاً التنوع اللغوي، والتنوع الديني. سادساً وأخيرا اعتماد النموذج الفرنسي لا الألماني في توليد السيادة/ الشرعية/ الرضى/ واعتبار القبول بتماسك الجماعة الوطنية مسألة استفتاء دائم... ".

  13 - مستل من د. علي عباس مراد، مشكلات إعادة، ص. 22، مصدر سابق.

 14 - د. نزار الحسو، الصراع على السلطة، ص. 25، مصدر سابق.

  15-عبد الرحمن البياتي، سعيد قزاز ودوره في سياسة العراق، ص.18، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت 2001.

  16- عبد الإله بلقزيز ، العنف والديمقراطية  منشورات جريدة الزمن المغربية، الكتاب الثاني، دار البيضاء  1999.

  17-عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات، ج. 7، ص. 5، مصدر سابق.

 18 - مستل من طارق مجيد العقيلي، مقدمة في تاريخ العراق، ص. 438، مصدر سابق.

 19- بطاطو، ج. 1، ص. 43، مصدر سابق.

  20- د. علي عباس مراد، مشكلات إعادة، ص. 23، مصدر سابق.

 21 -د . فالح عبد الجبار، لدولة - الأمة - النزعة القومية مصدر سابق.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر