الهندسة المعمارية في ورقة الحلة

عدد القراءات : 14
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الهندسة المعمارية في ورقة الحلة

القصيدة وعي بالفعل والكلمة .. تداخل ازمان وتشكيل درامي باستحضار الوجود في الذهن وانفتاح على الآخر بابتعادها عن الانغلاق ..كون العمل الابداعي فعل وجود يداعب ضفاف الروح للتعرف على الذات وتوصيل رسالته من خلال معانقة حقيقة الكون بانفعال مقترن بتجربة جمالية متخذا وسيلته الحدسية لتحقيق المشاركة .. كون الانفعال الجمالي تعبيرا عن الذات العميقة المرتبطة بالمبدع.. فالبناء الشعري يقوم على نوع من الرؤية الحسية باستعادة الواقع بالصورة التي تتحول بالرمز الى رؤيا.. كون الشعر يتخذ من اللفظة تاريخا ووظيفة وجودية ونفسية تسعى الى تحقيق الذات وتغيير الواقع .. والاداء الشعري يعتمد اللون الذي تتميز به التجربة الشخصية التي يكون فيها الشاعر منتجا متميزا باسلوبه الخاص من خلال سيطرته على اللغة وامتلاكه التراث..

علوان السلمان

 

    و(ورقة الحلة ) النص الشعري الذي انتجته ذهنية الشاعر جبار الكواز والصادرة عن المركز الثقافي للطباعة والنشر /2008 ينطلق فيه الشاعر من افكار تاريخية وفكرية مبنية بطريقة فنية على اساس تشكيلي .. سردي.. درامي.. مع حضور الوصف والموروث باستحضار المحكي واعتماد  المنولوج الداخلي..

كوني ياايامي ثقبا                                     

كوني يا كفي سرجا                                       

فلعل مسراتي تشعل آفاق العمر                                                                               

هذا ما قاله الشفهيني    / ص33

 والمربع هنا تعريف بالشفهيني ..

 (ورقة الحلة) بنائية تعتمد التشكيل الهندسي الذي لايخلو من مبرراته  اذ لايكتمل معنى القصيدة عنده الا  باكتمال علاقاتها التشكيلية ..

اسمع من تحته آجرة تبكي ورقيما يغني                                                          

فمتى يقوم الميتون؟                                             

ادور حوله فلا ارى غير عوسج مشلول                      

وجنادب صرعى

وكثبان صدى

وعظام قصور

متى يقوم الصائمون                                                                                       

ليفطروا بالدم ؟     /ص9                                                                 

   فاسد بابل حجر اصم ميت كما يراه الشاعر خارج المستطيل لذا فهو الراوي الموضوعي .. وداخله صورته الحقيقية ( يخشاه حتى البرق وتتجنبه الامطار..) وهذا مايراه الراوي الذاتي ..ويعقد الشاعر المقارنة المنتهية بسؤالين(من يعرف محنته ويقص فحيح الاسرار؟) داخل الشكل الهندسي..اما خارجه(متى يقوم الصائمون ليفطروا بالدم ؟) لينالوا الحرية بتحريك مشاعرهم واحاسيسهم وتثوير وعيهم ضد واقع يكمم الافواه ويحد من نشاط الانسان .. فالراوي الموضوعي هنا هو العليم الذي نسمع صوته في النص .. كونه يقوم بتقديم الاحداث برؤية موضوعية مشاركة في الاحداث او مراقبة لها ..

   فالشاعر يعي صنعته التي هي عملية يتجاوز فيها نفسه ويجعل من القلب والعقل متجاورين يحكمهما الوعي .. اذ ان أي عمل ذهني يتجه الى الوعي وهذا ما اكدته المقولة الديكارتية ( انا افكر .. اذن انا موجود )..

  والكواز.. في نصوصه يعـتمد عنـصر الاسترجاع والتـذكر 

المفضي الى تحديد التفاصيل الموغلة في الذاكرة وبنائها على اسس وقواعد هندسية معمارية ..مع خروج على دائرة الشعر الحقيقية في رسم اشكاله والوانه ..جاعلا منها نصوص اثارة موضوعية متجاوزة لفعل العادة ..منطلقة من مقولة جان كوكتو(اذا ما صادفت جملة اثارت حفيظتك.. فانني وضعتها ههنا لا لتكون حجرا تتعثر به ..بل كعلاقة خطر لتلاحظ خط سيري ..)         

    فهو يرفض الهندسة التقليدية لمعمار القصيدة باستثناء بعض الابيات فسقط في الهندسة الشكلية باعتبار الاشكال الهندسية علامات وجود .. فهناك ( المستطيل والمربع والدائرة ) التي احتضنت بعضها مفردات متوحدة داخل عضوية جدلية للقصيدة .. كاشفة عن عنوان او تاريخ او جواب سؤال او تعريف ...

تبغدد بين الحمامات                                                            

فصار عمره يحسب بالالتار 

والدقائق ص/65                                    

  اذ انتقال صاحب حمام الجوادين الى بغداد فتبغدد أي تصنع البغدادية .. وفيها يحسب الماء بالالتار بعد ان كان يعتمد النهر الذي لايعرف الحدود والمقاييس.. اضافة الى ان البناء بافضل انواع الطابوق (الجمهوري) لذا ميزه بالدائرة...  وهو بهذا يعبر عن قلق الانسان المعاصر .. فينقل متلقيه الى منظور غير مألوف في هندسة النص .. لذا فان وعي الشاعر بالكلمة هنا وعي معماري تشكيلي .. فهو عندما يجزئ النطق بالبيت الشعري ليدلل على الزمن فيعطي قيمة تشكيلية لتسلل الوقت لتعميق المعنى في الذاكرة .. وقتل الالفة في تلقي الافكار ..

ف: استئنافية 

صبرا: صبر .. يصبر.. اصبر                                                             

في : من , على , الى , اللام

مجال : جال , يجول , جل

الموت : قبر – جوع – غربة                                         

صبرا : .....         / ص36 

  فالشاعر يداخل الازمنة مع المصادر ويعلل المفردات مع المعارف فيمقت الحروب التي تنتج القبور والجوع والغربة..لذا فهو يستهجن البيت الذي يدعو لها لتحقيق الخلود..   

   فالكواز في نصه الحلي يمزق الانسجام التقليدي في شكل كتابة القصيدة وهارمونية التفعيلة ليخلق الهارموني الهندسي .. فينشأ دلالات علمية وفنية داخل اشكاله الهندسية التي ينشر داخلها تعريفاته وتعليلاته وتساؤلاته التي تحقق جوابا.. او تركها صفحة بيضاء عندما لا يجد لها الجواب..

هات لنا وجها يطحن ريح الابراج 

وكأسا يوقد اهداب بابل

سيلا للنوم

وكرى لايعصر الا في بابل 

هات لنا بابل

اين هي بابل؟    /ص13

   لقد اهتم الشاعر في كتابة نصوصه بالحيز الكتابي ..  وتقسيم الصفحة الى اشكال هندسية تجيب عن اسئلة او توضح امكنة ..                      

صمتها افزع الحمام                      

فانهمرت اجنحة الضوء

بشارات الظلام

من يقرع ورد الشمس؟

ويوقد  خباز  الروح 

سواها في منتصف الاحلام   /ص10 

 وهنا الحديث عن ساعة البلدية التي توقفت عن العمل.. والمدة يحددها المستطيل..    

    فهذه الاشكال  ترتبط بالقصيدة جدليا والعودة اليها ليجعل متلقيه اكثر اقترابا من النص على مستوى المدلول مما يفتح ابواب اشغال الفكر والخيال ومحاولة ايجاد دلالات واضحة لكل نص .. باستخدام الرموز لتجسيد الموضوعات وتصويرها بايحائية تسهم في اكمال تصوير الفضاء الشعري ..

    ان الشاعر حين يعمد الى هذا النوع من البناء الشعري فانه يسعى الى بناء الدلالة ..كون هدف القصيدة عنده مشاركة المتلقي للكشف عن كوامنها..  كونها نصوصا تعتمد عنصر الحياة وموجوداته وذات الشاعر .. فالمكان الذي يستمد تشكيلته اللونية او النفسية من المخيلة المنتجة للصور المضطرمة في تصوراتها لمجابهة الدمار والموت ..

الملا محمد علي القصاب في الزوايا

يبتكر الايام

ويرسم الليل حمامات

يجالس( ام كلثوم) على تخت اقرع

كيف ينام الليل على دكته ؟

والنجمة شاهدة 

غن ..غن     

     وهنا يجمع الشاعر بين صورتين متناقضتين ( الشقاء 

داخل المستطيل والغناء خارج المستطيل) كواقع متناقض يلف المكان واطرافه ..                                                               

  فالامكنة عنده تتزاحم على وفق رؤية تعبيرية تشكل جغرافيا آهلة بالحياة والموت.. فهناك( المهدية والوردية والمقهى والسينما والمدرسة والجسر)  اضافة الى الشخوص التي تشغل الامكنة (سيد حيدر الحلي وصالح الكواز وحمادي الكواز ومجيد محمود مطلب وخليل العاني..) والاسماء الممتدة مع سني التاريخ والتي حصرهاا لشاعر في مستطيل خارج الامتداد الحياتي الذي يعيشه الشاعر.. (المعلقات-البردة-السيد الحميري- الفرزدق- الاخطل – جرير- ابو فراس الحمداني- الشريف

الرضي – البارودي- حافظ ابراهيم- شوقي- الرصافي- الزهاوي ...) مع سرد موضوعي يهيمن على نسيج بنائه الشعري .. كونه عليم يعرف خفايا الاحداث.. مطلع على تاريخ الشخصيات وفكرها ..مبتعدا عن حدود الانفعال مع غوص في اعماق النفس مكتفيا بتأشير الاطار العام للصورة .. معتمدا الحوار احيانا كعنصر بناء له اهميته التي تسهم في الكشف عن الافكار .. 

خطاي  مجمرة وخطاك ماء..

( انت شاعر آل البيت)

سرك لجة وسري فجر

(انا شاعر التهلكة )

حداؤك     هم .. وحدائي عويل

( من علمني البكاء؟)

انا روح الحلة 

اين هي الآن؟          / ص25 

  فهو يجعل الحوارات في اجواء الطبيعة حتى انها اتخذت 

شكلا ينتمي الى النمط (البوستري)المتصف بالايجاز والتكثيف مع اقتصاد في الالوان والخطوط ..وهذه الحوارات تتخذ مبنى اطار فكري يقتنص اللحظات الحياتية..  مع وصفية ( للظواهر الطبيعية وتلوين الآثار الانسانية بالوان كاشفة عن الجمال وتحليل المشاعر الانسانية تحليلا يصل الى الاعماق ) كما يقول الدكتور محمد حسن علي في كتابه  (فن الوصف وتطوره في الشعر العربي الحديث) ..

  فهناك وصف مكان الاحداث وعلائقها وخصائصها وهذا يعني ان  المكان يحتل موقعا متميزا يعكس اخلاصه النفسي وابداعه الفني في رصد الوضع الحياتي المتحرك .. والحركة فيه مصدرها تزاحم الافعال التي تشكل دلالتها تأكيد الحركة التي نشعر بها من خلال صيغ حسية متمثلة في (اسمع- تبكي- اراه – يقوم- يفطروا- تقرع- تخفق..)  وهذا يسهم في اضفاء الحركة على الامكنة التي تستمد ملامحها من فضاء السرد وتشكيلاته ..

جمرة الشعر تبدأ بالاسئلة

كيف يطفئها ظلام الاصابع؟

خنصر– بنصر– وسطى – سبابة - ابهام 

المجد للابهام والسبابة 

فمنهما قد يولد الشعر دون منة  / ص23                         

فهو ينتقي افعاله انتقاء يضفي جوا من الاتساع والحركة لما توحيه من صور الحاضر الممتد نحو الآفاق المفتوحة..                                                                 وتوصيف الشخصيات وتحديد سماتها ..

الفتى البابلي المتأنق في مشيته

الحالم بأريج الضوء

الساقط فوق عيون الناس              

ما زال كما كنت اراه

جميلا كالنخلة

وأنيقا كالشط    / ص81 

فالشخصية في نصوصه مستعارة من مصادر تاريخية.. سياسية.. ادبية.. وهذا يعني أن مستوى العلاقة المكانية بين الشاعر وشخوصه قامت على ثنائية انحصرت في الحركة والسكون .. نستطيع الوقوف عليها من خلال الافعال التي استخدمها الشاعر.. اضافة الى ذلك انه جعل الزمن يشتغل على هذه الاشارات .. كما في ساعة البلدية..

لقالق تعزف صمت الالة

فالجمادات صارت عنده شخصيات متخيلة نابضة بالشعرية المتولدة من مخيلته مع اعتماد على مرجعيات قرآنية ..   

   اوقد في حروف قصيدتي سلالة البابليين

احبرهم بالالوان

كذب لونك يافرشاتي

كيف يساورك الظن؟

والسحرة في الازقة يقتاتون بوصفة

(هاروت وماروت)  /ص28 

  لقد غلبت على سردية النص ظاهرة السرد القصصي القصير جدا باعتماد التكثيف والايجاز مع اقتصاد في الشخوص والاحداث .. لذا فهي تنتمي الى ما يسمى بالومضة الشعرية التي تشكل وجها من اوجه التحديث في الشعر المعاصر ..

اما التكرار فقد شكل فعله في بناء النصوص الشعرية.. اذ انه  يعني تأكيدا لصيغة الكلمة المفتاح التي تنبني عليها   القصيدة ..

الحلة..                                            

عارية كنجمة الصباح                                

كنت اراها 

في الشط

اراها

عارية 

واوهام الشيطان                                                  

اين هي الآن ؟    /ص55 

وبهذا التكرار حقق الشاعر قوة الاداء وافراغ ما في النفس من طاقة مضطرمة ..

 في( ورقة الحلة) كان الكواز دقيقا في اختيار وحدات بنائه الشعري..المعبرة عن  افكاره وعن حالات النفس الانسانية ونزعاتها.. والصراع الذي ملء اعماقه فكان صادقا في عرضه بصور مستحدثه وتفكير خصب .. وقدرة واضحة تكشف عن احاطته بالصور التفصيلية للمعنى الواحد دون تفريط بوحدة موضوعه .. فظلت رؤيته التأملية متجلية فيما تناوله من مظاهر الحياة والقيم الاجتماعية والوان العلاقات الانسانية ..اذ جمع شخوصه من عصور ادبية مختلفة وحقب زمنية متباعدة تمتد من الجاهلية حتى عصره..عبر لقطات تبث الحركة في المعاني الانسانية التي اراد الشاعر التعبير عنها ..فكان له من الطبيعة ما أعانه على هذا التشكيل في رسم حدود الصورة الشعرية باختياره المفردة الدالة على عمق مدلولاته وافكاره .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر