الحروب ومعاول الخراب حاصلها كره القرن العشرين

عدد القراءات : 54
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحروب ومعاول الخراب حاصلها كره القرن العشرين

علوان السلمان

 

ـ لروجيه غارودي (ان مهمة  العمل الفني ليست اعادة نقل العالم بل التعبير عن آمال الانسان) ...

   والسرد الروائي..بوصفه وثيقة تاريخية تتكىء عليها وجهات النظر الجمالية لمتغيرات الواقع من خلال تفاعلها مع الاحداث وتوتراتها..فيكون الواقع بتناقضاته وموجوداته فاعلا في السرد من خلال استلهام المنتج(السارد) له ورصد تحولاته وتشكلاته مع تركيز على الهم الاجتماعي كمحرك مؤثر داخل البنية السردية التي تتكيء على محمولات لفظية خالقة لمشاهدها الحسية المحملة بنداء خفي تحت تساؤل حياتي..فلسفي يقترب بتقنياته من الحكائية بتوظيف ضمير المخاطب الذي يبدأ بفعل حركي قائم على انعكاس الحالة النفسية للذات بتدفق وجداني يعبر عن لمحة فكرية تكشف عن تجربة تختزن في داخلها طاقة ذاكراتية تشكل حضورها في دائرة الوعي..

  وباستحضار النص السردي(كم اكره القرن العشرين معلقة بلوشي) بعوالمه المشهدية التي افرزتها ذاكرة السارد عبدالكريم العبيدي ونسجتها انامله منطلقة من اتفاقية هاولير والصندوق الاسود الاول والثاني مرورا بشماريخ ـ الدفتر الاول:سياحة في العدم وشماريخ ـ الدفتر الثاني:كاسيت(سلي ريبو)..كاسيت (سلي ريبو)A وكاسيت(سلي ريبو)B وانتهاء بشماريخ ـ الدفتر الثالث:سيمفونية الاصبع الوسطى ومتناذرة مويا واخيرا وصية مولو..والتي  تبدأ باستهلال سردي(رنين تلفون ورسالة..) موجهتان للسارد العليم الذي يمضي سنة مربكة مع رزمة ورقية ودفاتر مليئة بهذيانات واستذكارات ووقائع لصديقه (مولود)بؤرة السرد ومرتكزه الذي وافاه الاجل في مدينة روتردام الهولندية.. واودعها سرا عند(ميا) الطبيبة المهاجرة هناك..والتي تاتي بها الى (اربيلو) وتسلمها للراوي العليم الذي يدونها ببنية معمارية قائمة على تلك الخطاطات فينتج سردا تغلب عليه الصنعة الحداثية التي تجرنا الى تقنيات الميتاسرد وتعدد الرواة وهي تتابع تحولات عائلة بصرية بلوشية وما حصل لها جراء الحرب والتهجير في ثمانينيات القرن العشرين ابان الحرب العراقية الايرانية التي جاءت امتدادا للحرب العالمية الاولى والثانية وحرب 48..والتي اضطرت حتى البصرة لمغادرة ماضيها وتحولت الى نهارات مبهمة..وصارت الهوية الوطنية عائمة ما بين الوطن والمهجر..(شاخت البصرة يا(بالاجاتي)..لقد بدأ الامر وكأن البصرة قديمة تنزاح مفسحة لمعاول الخراب رسم ركام دورة جديدة من ويلات اواخر القرن العشرين..) ومن هنا انطلق العنوان الكاره للقرن العشرين..واسهمت دار قناديل للنشر والتوزيع في نشره وانتشاره/2018..كونه ينبثق من ذاكرة منفردة رغم تعدد الحكي..فضلا عن اعتماده على رؤى اسلوبية وتقنيات فنية مع اتكاء على شخصيات وامكنة محملة بموروثها التاريخي..

  (سرت في اوصالي رجفة حالما رفع القزم رأسه وسدد نحوي عينين زرقاوتين..بدا شاحب الوجه كأنه اراد ان يقول لي:أنا جاهز لاهربك..ثم بدأ يحدثني بصوت مبحوح يزداد خفوتا وهو يتمرغ بزرقة البحر التي أمست تلاعبها الاضواء وتمنحها سحرا مبهرا..أمرني ياشارة مهذبة من كفه ان اقف بكامل قامتي..فوقفت للحظة مشرئبا..نادرا ما اقف هكذا يا(بالاجاني)..انا احدب مقوس الظهر من فرط الذل..ولكن الدهشة العارمة جلبت لعينيّ المبهورتين هواء البحر البارد..هواء رطب لاذع البرودة جعلهما تدمعان فجأة..بينما امتلأ قلبي عزما وانقطعت صلتي بسوء الطالع الذي لازمني..وجدتني محوطا باسئلة لا تحصى قبالة عشرات القوارب والسفن والمهيلات والدوب والزوارق الطافية..تفرست في وجه شريكي قليلا وحاولت ان اخفي تثاؤبي..قلت له بحزم: ساتبعك بكل تاكيد ثم اغمضت عينيّ وانغمرت في هدهدات البحر وهدير صفارات المراكب وسحر دوامات  المياه.) ص123 ـ ص124..

   فالنص يعانق المكان بكل موجوداته باعتماد بنية الرؤية لاختراق عوالمه من خلال الجمع ما بين واقعية المشهد وغرائبية الحدث بحكم تشبع الواقع بما هو غريب وعجائبي..

  والسارد يتجاوز المألوف لخلق نص ينفتح على الاشكال التعبيرية والتقانات الفنية والاسلوبية كالاسترجاع والتذكر والاستباق والتنقيط والتقطيع الكلمي والمشهدية السيمية والتشكيلية من خلال رؤية بصرية في صناعة الاثر الجمالي.. اضافة الى اعتماد تسجيلية اسلوبية تعتمد الرؤية التي لاتغادر  معطيات عالمها الواقعي..ابتداء من العنوان النص الموازي والايقونة التي تشير الى مكون زماني رامز يشكل وسيلة فنية لتحقيق غايات موضوعية وجمالية ونفسية تقوم على رؤيتين:اولهما الرؤية الاجتماعية وثانيهما الرؤية الانسانية من خلال التركيز على الحدث والمؤشرات الزمنية والافضية(المغلقة والمفتوحة) والشخوص وفعلها وتفاعلها مع بعضها والواقع بتوظيف تقنية الحوار بشقيه: الموضوعي (الخارجي) الذي يعد من ابرز العناصر التعبيرية والتصويرية والذي يغيب فيه الراوي العليم ويتنحى جانبا تاركا تصاعد النص الحدثي بشخوصه..وهناك الحوار الذاتي(الداخلي) الصيغة التوصيلية بين الذات بوصفها كينونة نفسية والذهن بوصفه كينونة منتجة للمعرفة وخازنة لها والذي يهدف الى الكشف عن ابعاد الشخصية سوسيولوجيا وسايكولوجيا..

  (انساقت هيئة المشرد مجددا الى ذاكرة  الطبيبة فانقبضت نفسها ثانية واحمر وجهها...شعرت بذات الاعراض الغريبة التي داهمتها لحظة رؤيته قبل اكثر من ثلاث ساعات فسارعت الى اخفاء وجهها بكفها ثم سألت سكرتيرتها بهدوء:

ـ هل فتحت الكيس؟

ـ لا ..لاني وجدت قصاصة موضوعة فوقه مدون فيها عنوان المرسل اليه..

ـ المرسل اليه؟ ومن يكون؟

ـ انت

ـ أنا ؟

طالعت السكرتيرة القصاصة وقرأت:الى الدكتورة(ميا مراد) لطفا..

حبست الطبيبة انفاسها للحظة ثم تساءلت:وما صلتي أنا بأمر الكيس؟

ـ اااااا..لا اعرف ولكنه يحتوي على كتب أو..... لا ادري..

مدت الطبيبة يدها فتقدمت (ام بان) نحوها..لكنها ترددت في تسليم الكيس..وحين حدقت الدكتورة في وجهها قالت بارتباك:اااا..ألا ؟.....ربما مثلا...ااا... اقصد... لنقل...اخشى..  //ص20 ـ ص21..

   فالسارد يوظف تيار الوعي الراصد للحالة النفسية والكاشف عما يمور في اعماق الشخصية..اضافة الى تداخل الازمنة وتعدد الامكنة من جهة ومن جهة اخرى تداخل الواقعي والرمزي والتصويري المشهدي الذي يروي احداثه سارد عليم يتنقل في زوايا الرؤية لتحقيق حركة الحياة بكل مفاصلها المتمثلة في(شخوصها وحواراتهم وانفعالاتهم واحداثها والمكونات البيئية والزمكانية).. اضافة الى تواصل التناوب بين ضميري الغائب والمتكلم  والذي يقود الى التنقل بين السرد الذاتي والذاتي الاخر..

  (غدت الجدة تُنشد من اسرار الكيس السلوى والعزاء معا..فراحت تحتضنه..تقرب فتحته من انفها كانها تنتظر نبأ سارا من خباياه..مفاجأة صاعقة بحجم اوهامها تعيد الحياة لـ (مولو)..ص36..بؤرة السرد ومرتكزه والمرجع الكنائي المشفر الذي يجري العمل على حل شفراته بلغة(تحمل انتمائها تاريخيا واجتماعيا وايديولوجيا..) على حد تعبير فيليب دوفور..مع وصفية تحقق وظائفها الجمالية والتفسيرية..

  (استيقظت حواسي كلها على هول الصعقة يا(بالاجاني) شعرت بغصة وارتباك وداهمني القلق..لكني سرعان ما ادركت ان وقوفي هكذا سيجلب الانتباه فتمالكت نفسي وسرت باتجاه الهاتف الارضي..رفعت السماعة ببطء وقربتها من اذني وحالما تأكدت من سماع نغمة الادخال أدخلت رقم هاتف بيتنا في ثقوب القرص الدوار وانتظرت قليلا..تناهى الى سمعي صوت(ميا) فاحتبس صوتي في حنجرتي..لم اتمكن من الحديث..أحسست وكأن جحافل من الوحوش تداهمني..وكأن أسنة آلاف الرماح تتناهشني..فجأة ابتلت عيناي..ثم اغرورقت بدموع سكينة جعلتني أرى الوجود كله بلون واحد..لون اسود قاتم..كئيب..اختفت كل الالوان السارة..غامت خلف هالة من الدمع..

ـ من ؟

(ميا) الارق من نسمة المساء..الاعذب..الانقى..آه اللعنة..كنت اشعر بأحزان شتى يا(بالاجاني)بخسارات متراكمة رافقتني طوال حياتي..سخرت مني مرارا وها هي تُطبق علي..تخنقني..تجعلني أتنفس من خرم ابرة..) ص198 ـ ص199..

   السارد يحرص على ضبط العلاقة بين المكان والشخصية المعبرة عن الخصائص البيئية فيهتم بالوصف المكاني للحدث ويتابع حضور الشخصية عبر حواراتها..فضلا عن انه يمازج ما بين نسقين متضادين ومتصارعين: النسق الواقعي الذي يذوب داخل النسق التخييلي الآخر..مع تركيز على الهاجس الانساني المنبثق من واقع متجسد في الحياة..مما دعا الى اعتماد الصورة الحسية بكل خصائصها..كونها تلعب دورا توصيليا مستفزا للمستهلك (المتلقي) فتدخل فكره محققة لعنصر الدهشة التي هي وسيلة من الوسائل التكنيكية في البناء النصي فنيا..باعتماد لغة مركزة على صميم الحدث وهي تعالج موضوعة الانسان المأزوم والحاجة الفكرية للمعرفة كي يحصل على قيمة وجوده الحقيقي..ببناء فني متماسك ومرتبط والمضمون بقدرة متوافقة مع الشكل السردي..اضافة الى اعتماد الوصف كمحور اساسي في سرد الاحداث وتفجيرها من دون ان يتجرد عن الخطابية الواعية..مع محاولة ابراز الجانب الجوهري للشخصية فيعني بها وطريقة توزيع مناخاتها..كونه يريد ان يجعل منها معادلا رمزيا لفعل التواصل والاستمرار من خلال عنصر الحركة الذي يشكل احد معطيات المستوى الحسي للغة السارد التي وظفت اللهجة العامية( يازين الاوصاف ذابت مهجتي شخطاي/ انكرتني ليش شنو سبتي شخطاي/الجسم مني نحل يا سيدي شخطاي) ص125..والادعية (بسم الله ما شاء الله/لايصرف السوء الا الله/أمن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء...) وهناك الامثال عربيا(احر ما عندي ابرد ما عنده) و بلوشيا (دروغ به مرده عيبنت)= الكذب للرجل عيب وعار.. بطريقة موحية اسهمت في تطوير البناء السردي دراميا..

  (اتفق الجميع على مغادرة المقبرة..ساروا ببطء مبتعدين عن قبور البلوش..لكن(ميا) توقفت فجأة فتوقف زوجها معها..التفتت نحو الشاهدة وراحت تتهجأ بقلبها كلماتها المزيفة وتشم من بين حروفها رائحة الكذب:

                           الفاتحة

             قبر الشهيد مولود مراد بالاجاني

              استشهد في قاطع الشلامجة

               انا لله وانا اليه راجعون

حالما فرغت الدكتورة(ميا) من لعبة التهجئة الغامضة رددت بصوت مسموع أثار ذهول زوجها: أخيرا انتهت اللعبة ياصارم..أمسيت بقبضة البلوش ) ص391..

  فالسارد يصوغ انموذجه المتفرد في جو يعتمد المشهد الذي يعرض جانبا مهما من جوانب الواقع معتمدا الاختزال في الامتداد الزمني..كونه ينطلق من واقع اجتماعي يعايشه ويعيشه بوعي..لذا فهو يوظف الجزئيات للكشف عن دخيلة الشخصية وتطوير الحدث..مع قدرة على الكشف عن كوامن النفس الانسانية باستخدام الحوار الذاتي....

وبذااستطاع السارد ان ينقل بدقة ما يجري في البيئة المحلية بكل موجوداتها من وقائع واحداث وحوارات بلغة امتازت ببساطتها وواقعيتها وبعدها عن التعابير الانشائية الثقيلة فرسمت شخوصها واجوائهم ونقلت افكارهم بدقة امتازت بواقعيتها المندافة بفنية عالية..فضلا عن اعتماده الحركة المكثفة وتعدد زوايا حضورها متغلغلا في خيوطه السردية التي يحركها في مسار واحد معبرا عن الخارج بوصف الاشياء والموجودات وما يقابلها في الداخل حيث الانفعالات وحالات التكر والاستذكار.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر