(تصلي المآذن) والتميز بالمناخ الشعري

عدد القراءات : 96
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
(تصلي المآذن) والتميز بالمناخ الشعري

علوان السلمان

 

الشعر هو اللغة في وظيفتها الجمالية ..يهدف التغيير بتوجهه صوب الوعي ليطوره ويحفزه ليتوهج.. والوجدان فيوقظه من الخمول ويتجه به نحو الحركة.. كونه يبدأ بالوجدان وينتهي بالوجد..والذوق بجماله فيمنحه حساسية التأثير والتأثر من خلال عوالمه التي ببنائها تتشكل رؤى جمالية تفرش روحها على مديات الجملة الشعرية التي هي ضوء الخيال المتأتي من حس الشاعر وذوقه وحدة التعبير.. حيث يتجلى المجاز الممهد لبناء الصورة الشعرية التي هي (احدى العلاقات البارزة في الادب الحديث) كما يقول اتلمان كرانسو..كونها تهدف الى ايقاظ مكامن الشعور وبعث التوترات السايكولوجية لحظة الخلق الشعري المنبعثة عن الذات الكاشفة عن جوهرها وبناها الداخلية.. ولغرض الكشف عن هذه البنى ومعرفة العلاقات المتشابكة فيها يعتمد معيار التفاعل النصي الذي فيه يؤدي النمو الداخلي لاجزاء القصيدة نوعا من التخلق الذاتي كما يقول بيو غراند ..فيكون اللاحق من الابيات الشعرية مولدا من السابق ويشكل معه علاقة وثيقة لا تنفصل عنه.. كون الشعر اعادة خلق العالم بوساطة الكلمة التي تهب وجوده الاستمراري والديناميكي وتواتره الايقاعي الخلاق عبر الحلم الشعري هاجس الشاعر لتحقيق الحقيقة وتجاوز الوجود من خلال تأملاته وقلقه وغربته وعمق جدليته في رؤاه بحس واقعي يدرك تداخل الازمنة باتكاء حاضرها على ماضيها لخلق خميرة المستقبل..

    والشاعر رحمن غركان في مجموعته الشعرية (تصلي المآذن) الصادرة عن دار الينابيع /2010.. عنوانها متشكل من جملة فعلية تستوجب التنقيط دلالة الحذف كون فعلها فعلا متعديا او اضافة المحذوف .. وهي تتشكل من خمس مآذن كل مئذنة لها مقاطعها وعنواناتها وفيها يستوفي الشاعر قدرة الكلمة على تقديم المعنى من خلال البنية الايقاعية لها.. واهداء لانثاه التي ارتطمت في وجدانه فحفرت في ذاكرته ذكريات مشعة بصراخها العاطفي وفي قلبه كانت مئذنة شكلت مقاييس وجوده..

صديقتي الغالية.. حبيبتي الاغلى

ناهضة ستار.. مئذنة قلبي القديم   /ص5

    فالشاعر في مئذنة النبوة يتعامل مع الرمزالتاريخي  بواقعية تهتم باللحظة مع اتكاء على الحدث والنفاذ الى ما وراء المألوف من الافكار مع تجسيد الالتحام بالشخصية الرمز والذوبان في دواخلها دراميا ومن ثم الغوص في معناها حتى صارت نبضا تمحور في وجود الشاعرالعاطفي ـ الانساني..

نور الهي...

وحب سرمد

طلعا 

على الدنيا 

فكان محمد 

طلعا على كل المسافات التي انتظرت طويلا 

كي تباركها يد

يا احمد العربي ..

يا ما يوجد.. 

ياكل معنى في نقاء المشرقين يردد  

ها نحن هذا العصر.. 

نحمل وحينا 

ومسافة الدنيا.. 

خيار اسود       /ص7 ـ ص8

      فالقصيدة انفتاح على الحكمة والجمال الذي تميز بدفئه واتساع رؤاه التي ترتبط بالتجربة.. مع تجسيد الاحساس بالزمن عن طريق التتابع الصوري وامتلاكه قدرة على شحن مفرداته بحيوية من خلال البعد الرمزي مع اهتمام بغنائية القافية والايقاع لتركيز المعنى اللذين يشكلان المستوى الصوتي في النص الشعري المقترن بالدلالة اقترانا وثيقا..                    

     فالقافية تسهم في البنية الايقاعية ..كونها تهيء المتلقي لاستقبال التشكيل الزماني للنص من خلال الاستغراق في قراءة البيت الشعري وقافيته التي تعد وقفة زمنية تأملية..كون الزمن معطى موضوعيا سابقا لحركة الانسان وفعله ورؤيته..فالقافية جزء من لحمة النص ومكون بنيوي، له ارتباطه الذي لا ينفصم عن المعنى والبنية الكاملة للنص كما يقول جان كوهن في (بنية اللغة الشعرية).. لذا فانها تسهم في خلق فضاء واسع في النص الشعري وهذا يكشف عن دورها الايقاعي والدلالي..اضافة الى ذلك انها كانت عاملا مسهما في الكشف عن انتساب الشاعر الى الفراهيدية الشعرية التي تلتزم نظام الشطرين ..والشاعر هنا يوهمنا بانه حداثوي حين فرق اسطره الشعرية وتشكيلاته الايقاعية على نحو يبدو ظاهريا غير مطرد..الا اننا نستطيع بناء النص بسهولة ويسر وفق شكله العمودي فيصير على النحو التالي..

          نور الـــهي........ وحب سرمـــد     طلعا على الدنيا فكان محـــــــمد

         طلعا على كل المسافات التي انتظرت طــــويــلا كـــــي تباركــــها يـد

         ها نحن هذا العصر..نحمل وحينا     ومسافـــة الـــــــدنيا..خيار اسود

      وهناك  التنقيط الوسيلة التعبيرية الرامزة للمحذوف من التعابير ..والذي يضفي  جوا نغميا يحث فكر المتلقي على التأمل والوقوف على الدفق الفكري والوجداني للشاعر..لذا فالفعل الشعري عنده متخلق في هيئة ايقاع وزني يولد جملا شعرية متلاحقة تحقق الرؤيا والتخيل وعالم الحلم الذي يرتبط بالواقع ..كونه احد افعاله ..فيخلق صورا بعيدة عن ادوات التشبيه..

   اما في مئذنة الشهادة ، فالشاعر يتعامل والتاريخ ككيان واقعي يمثل ذاته بحضور الحاضر داخل النص نابضا بالحياة ..لذا فهو يحاول صهر تجربته الداخلية بقراءة التاريخ بمنطقية لاحتواء الحدث ..فكان همه تجسيد مشاعره وعواطفه برؤى فلسفية معتمدة الحضور بالحضور والحضور في الغياب..         

كم بين غيمك والانهار

من نسب

كم بين شمسك والانهار

من صفة

ياسيدي.. يا نهار الله

في الصفة

يا من تدل عليه

كل مئذنة

رؤياك

اعمق من تأويل اخيلتي     /ص16 ـ ص17

    فالقصيدة تنزع منزعا تأمليا من خلال الاستفهام الذي ينم عن لبس وحيرة اذ انه حركة بيانية تعبر عن واقع نفسي او فكري يبعد التجربة عن الرتابة والسرد..

    فمئذنة الشهادة تبني روحها على مسار مئذنة النبوة ..وهي تنطوي بحركاتها المتناوبة التي تكشف عن اسرارها، وهي تغسل الوجع الوجودي برمزها الروحي الحسين(ع)المتجدد مع الازمان بدلالات قيمته النفسية والحسية فصار بطل التراجيديا اضافة الى كونه بطل التاريخ.. فمنارة الحسين المشرئبة الممتدة نحو الاعالي وهي تنبثق انبثاق عمود النور من صلب الارض لملامسة مديات السماء.. رمز يعتمد فهم الزمن لدى النفس التواقة الى الامتداد في الازمنة من خلال شهادتها من اجل الوجود الروحي الانساني كقيمة عليا (وكرمنا بني آدم) ..وبحثا عن كرامتها وحريتها..لذا كانت الشهادة الحسينية رسالة اجتماعية لاحياء الارواح الميتة.. 

  وفي( تصلي المآذن) لا يريد الشاعر ان يصور وينقل الطبيعة المأساوية بما فيها من عناصر بقدر ما يريد ان يحملنا على الاحساس بهذه المأساة كونه يحمل في طياتها وجعا كونيا متمثلا بالحسين(ع) الاسطورة..

   لقد اعتمدت بعض قصائد الشاعر على عنصر الروي وسيلة لبلوغ شعريتها وعملها على نظام البناء المقطعي القائم على تشظي النص الى عدد من المقاطع المعتمدة التسمية المتباينة العنوانات  انحصرت ما بين الاضافة او الوصفية او شبه الجملة ..وهذه المقاطع تستدعي مهارة فنية وقدرة على التركيز والاختزال مع اكتناز دلالي وعمق فني ..كونها ضرب متميز من التقنية في القدرة على ايجاد بنية شمولية..

وانصبت الاشكال والالوان

في فوضى المساء الرخو

حتى توزنا

وتوسد الصحراء ماء قاحل

امسى يسار العالمين الايمنا       /ص49

  (تصلي المآذن) قصيدة ترتبط برمز المئذنة.. من خلال نموها الدلالي وتماسك بنائها الفني ووحدتها الموضوعية ..حتى ان الشاعر يتغاضى عن تذييل قصائدها بتواريخها ..بل كانت تجربة متشعبة طرق فيها الشاعر اكثر من عالم ..لكل عالم مئذنته وطقسه ..وهي تجسد اتساع الرؤية تجسيدا حيا ..كونها جاءت بالرمز الذي اضاء ابعادها ..والشاعر يتعامل معها كرمز مطلق يعني اكثر من دلالة ..فهناك (مئذنة النبوة) و(مئذنة الشهادة )و(مئذنة الوطن )و(مئذنة المواطن).... وكانت كل منها تمتلك خصوصيتها التي اصطفاها الشاعر واحتفظ ببنائها الفني بتوازن صورها وتعابيرها الشعرية.. وهي تختط لنفسها تركيبا دراميا مع اشتمالها على وحدة الفكر والموضوع ممتزجة بوحدة البناء العضوي..ووحدة مشاعر متناغمة متنامية..اضافة الى استخدام الشاعر الصيغ البلاغية كالطباق والجناس لتعميق المعنى والبعد الدلالي للنص..

ما يفصل المتحاربين عن الممات

او الحياة مؤجل يوما

الى سهو الظلام 

او بعض يوم...ريثما

يستقطب الملك السعيد مسرة

الايام من اوجاعها الاولى

الى طرق النيام   /ص68.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر