أسلبة الوثيقة التاريخية معتقل بوكا في مجموعة "حمامة القنصل" القصصية مثالا

عدد القراءات : 12
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
أسلبة الوثيقة التاريخية  معتقل بوكا في مجموعة "حمامة القنصل" القصصية  مثالا

مثلت محاولات فض الاشتباك بين التاريخ والأدب محورا للدراسات السردية ومأزقا للتاريخية منها منذ نشوء القصة القصيرة والرواية جنسين يزاحمان التاريخ شكلا ودلالة وحضورا معرفيا وذلك بسبب الحاضنة التي تجمع المتخيل الأدبي بالخطاب التاريخي وهما الحكاية والزمانية مع اختلافهما في الوظيفة والأهداف، وكما صرح بذلك "بول ريكور"( )، من أهم الفلاسفة الذين قاربوا العلاقة بين الاثنين وقد أخذت توجهات ما بعد الحداثة على عاتقها التقريب بين التاريخ والأدب في فضاء الخطاب المنفتح حيث يسترد بها التاريخ هوية متخيلة هي جزء من نسيجه لكنها سلبت منه سابقا وتتم أرخنة الأدب على قاعدة إن المعرفة الموضوعية جزء من الاستطيقا.

د:عالية خليل إبراهيم

 

هذا في حدود علاقة الخطاب المتخيل الصرف بالتاريخ أما إذا كان الأدب توثيقا لشهادة حيَة على التاريخ عاش المؤلف فصولها ووقائعها وأراد أن يدونها بأسلوب أدبي قصصي فأن التصنيف النوعي بإزاء القصة بوصفها وثيقة تاريخية ، وتزداد قيمة تلك الوثيقة مع ندرتها وما تمثله من بؤرة تأثير  في تاريخ ومستقبل البلد الذي ظهرت فيه، ينطبق هذا التوصيف على مجموعة "حمامة القنصل" للأديب الراحل محسن الخفاجي، والتي سرد فيها قصة اعتقاله من قبل القوات الأمريكية ودخوله سجن بوكا جنوب العراق قرب قضاء أم قصر ، ذاعت شهرة سجن بوكا لاحقا فوصف بأنه المعمل الذي صنعت فيه أفكار منظمة داعش الارهابية التي غزت في العام 2014 مساحات شاسعة غربي العراق وارتكبت جرائم مروعة بحق الأهالي في تلك المناطق، واحتلت مساحات شاسعة من سوريا وليبيا وسيناء المصرية، وهددت الامن والسلم في أوربا بشكل لم تشهده القارة العجوز منذ الحرب الكونية الثانية، وقد تخرج من معتقل بوكا عتاة المجرمين ومنهم رئيس التنظيم (أبو بكر البغدادي) ومساعده مؤسس جبهة النصرة في سوريا(أبو محمد الجولاني). 

    قصص "حمامة القنصل" هي تلك الوثيقة التي تعيننا على فهم ما كان يجري داخل المعتقل؟ وكيف أصبح أكاديمية متخصصة لترويج أفكار التطرف والإرهاب؟ لكن هذا الفهم يتم بشروط ومحددات، فالوثيقة الأدبية التاريخية وثيقة منصصة يجب أن توضع بين مزدوجي تنصيص لأن القبول بها يقتضي التعرف على الأسلوب الأدبي القصصي ومعرفة حيثيات انزياحه عن الوثيقة التاريخية الصرف. 

  تتميز كتابة القصة القصيرة بالأسلبة بمعنى أن الشكل يؤسس كينونته الخاصة بإزاء الموضوع الذي يتحدث عنه أو الرسالة التي يبلغها ،وكما تقول "سوزان سونتاغ" عن الأسلبة" يتمايز الأسلوب عن الموضوع أي أنهما يلعبان مباراة فاصلة الواحد ضد الآخر يصبح بوسع المرء الحديث عن موضوعات عولجت أو أسيئت معالجتها بأسلوب معين"( )،يجتهد الشكل في القصة أن لا يحاكي الواقع بقدر ما يخترعه من جديد من خلال طاقة التخييل في الكتابة متمثلة بمفارقات القص والرمزية والتناصية، الإضحاك والمحاكاة الساخرة، وبالرغم من كثافة الشكل القصصي وخصوصيته إلا أن الموضوع يظل حاضرا ونعني به هنا وظيفة الوثيقة في بلوغ الحقيقة التاريخية أو إبلاغها كما هي، يستدل القارئ على الوثيقة بقدرته التحليلية لأساليب النص ،والقراءة التفكيكية بما تتضمنه من قلب استراتيجي للنص في البحث عن السقطات والهوامش التي تبدو تافهة وليست بذات أهمية لكنها ضرورية للقراءة التفكيكية، فالموضوع لا يغيب في الأسلبة وإنما يرجأ إلى حين. يتضح من العتبة الأولى إن رمزية الحيوان هي الأسلوب الأمثل الذي اختاره المؤلف لإيصال مضمون ما يريد قوله للمتلقي. حمامة القنصل هي استعارة عبر فيها القاص عن معاناته الشخصية في الحياة  تلك المعاناة التي أدت ورافقت دخوله المعتقل؟ في القصة توكر الحمامة العائدة للقنصل الفخري البريطاني في جدة بالسعودية على اسلاك السجن بمحض إرادتها، فأقدم أحد السجناء الذين قبض عليهم في حرب الفلوجة الثانية بالإمساك بها ونزع ريشها حتى لا تتمكن من الطيران، وجاء بها إلى الخيمة التي يسكنها الراوي/المؤلف، قام الاثنان بالاعتناء بها ورعايتها، وخلال أحداث شغب قام بها السجناء فقدت الحمامة في فوضى العقوبات التي قامت بها إدارة السجن، جاءت النهاية على الشكل التالي" في طريقنا مررنا بحلقة من الجنود الأمريكيين يطوقون الحمامة ويطلقون النار عليها من كل صوب وهم يتسلون ضاحكين، تخيلت نفسي في غابة ومن وراء الزجاجة كنت أرى الحمامة مثل خشبة تطير في الهواء"/30، في قصة "المحاكمة المفترضة للمتهم البريء" هنالك محكمة يترأسها عدد من النسور الصلعاء عقدت لمحاكمة الراوي ، وقد ذكرت فيها معلومات عن ملابسات اعتقال المؤلف والتهم التي وجهت إليه ومنها اشتراكه في إهانة المجندة الأمريكية "جيسيكا لانش" والتي أسرت في مدينة الناصرية أثناء الحرب وأطلق صراحها بمساعدة أحد أطباء المستشفى الذي احتجزت به، لقد وضع محررو القصص وهم مجموعة من مثقفي مدينة الكاتب هامشا لتوضيح اسماء الأماكن والاشخاص والعبارات التي وردت بالانكليزية وقد ذكروا أن النسر الأصلع تمثل أيقونة أمريكية تعود لمعتقدات الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين( ).

   صيغت أغلب قصص المجموعة بأسلوب العرض المشهدي "الدرامي" الذي يتميز بالحوارات المفصلة معبرة عن نوازع وتوجهات الشخصيات ووجهة نظرها في الأحداث، هذا الأسلوب أقرب للكتابة التوثيقة بما يتضمنه من مباشرة في الطرح لأنه يحتفي ويبرز القصة التاريخية" أحداث وشخصيات" على حساب السرد الأدبي" بنية الخطاب"، في قصة" من الذي يذكر العاصفة" ومن خلال ما تعرض له المجند الأمريكي "مايكل" الذي كان يحرس بوابة بوكا في بداية تأسيسه" إن الأمريكيين حين دخلوا الجنوب أقاموا معسكرا قرب الحدود الكويتية بالقرب من مدينة سفوان الحدودية لكنهم لم يكن لهم سجن نظامي يتطابق مع حجم الحرب، ولم تساعدهم الطبيعة التي عملت ضدهم فكانت حدود السجن اسلاكا شائكة لا ترتفع لأكثر من متر واحد"( )،يتضح القص التوثيقي من خلال التركيز على حكاية مايكل وهو مجند أمريكي من ولاية كارولينا الشمالية تطوع في الحرب من أجل أن يحصل على ثمانية ملايين دولار أمريكي تمكنه من شراء شقة وتأمين حياة مرفهة له بعد انتهاء الحرب، لكن عاصفة ترابية أسقطته من برج المراقبة الذي يعمل فيه وأودت بأحلامه، دفع الحادث  القوات الأمريكية لإصلاح المعتقل وتأهيله ليكون محكم التحصين تؤمن فيه سلامة الحراس وعدم هروب المعتقلين " أسرع ذلك فيما بعد ببناء أبراج حديدية عالية ذات سلالم من الحديد والالمنيوم أبراج محكمة لا تهزها عاصفة مهما بلغت قوتها، وقامت شركة باكستانية في الكويت بإنجاز الخريطة، وجاء هنود كأنهم مهراجات مشردين فبنوا مطعما هائلا يكفي لإعداد عشرة الاف وجبة للسجناء، وأرسلت من الصين بدلات صفر غامقة ليرتديها السجناء"/62، وثقت "من يذكر العاصفة" فضاء المعتقل ومكوناته، مع التركيز على العلاقة مع الاخر حتى وإن كان سجانا أو محتلا، السجان والسجين وبحسب رؤية المؤلف مجرد عملاء وخدم للقوى الكبرى التي تصوغ في مؤسساتها الأقدار وتتحكم في مصائر الأمم والشعوب، فالراوي هو من أبلغ إدارة السجن بوقوع مايكل من برج الحراسة الخشبي وساهم في إنقاذ حياته ولو لم يعرف بعد ذلك إن كان المجند قد توفي أو بقي على قيد الحياة، في نهاية القصة يستشرف الراوي مستقبل المعتقل بعد انسحاب الأمريكان" انتهت الحرب، وصارت وقائعها مجرد ذكريات وتحول المخيم الى فندق من خمس نجوم، وعاد السجناء الى بيوتهم"/ 62، لا شك إن بوكا الان ليس سجنا ولا فندقا أو دائرة رسمية وإنما مكانا مهجورا ظل شاهدا على وقائع حدثت وجرائم ارتكبت لكن الراوي أراد أن تبلغ سخرية التاريخ أقصى حدود اللامعقول فتخيًل بوكا فندقا خمس نجوم .

في قصة "ماراثون مضاعف" يتحدث عن هروب مجموعة من السجناء من خلال حفرهم لنفق من داخل ثكنات المعتقل إلى خارج السجن، اكتشف امر النفق في اللحظات الأخيرة وتم إحباط محاولة الهروب الجماعي، أما قصة "نهاية شجار مميت" فقد وصفت سلوك السجناء العنيف تجاه بعضهم البعض ومباريات الاحتراب بالأعمدة المستمرة بينهم والتي تسفر نتائجها كالاتي" يعد منسحبا ومهزوما كل من يهرب خارج دائرة الشجار ويتمر ترحيل المهزوم إلى مخيم آخر كإشارة على العار الذي لحق به بسبب الهزيمة"/41،وفي قصة" حفل زفاف السيرجنت برايدجون" يتحدث المؤلف عن سلوك السجناء المتطرفين دينيا عدوانيتهم وعدم مبالاتهم بالأمريكان أو لوائح وقوانين المعتقل واستغلالهم أوقات الصلاة لإحداث شغب" كان أحدهم ملثما فلم يتبين السيرجنت برايدجون أية علامات فارقة له ليميزه، وفي هذه الأثناء رفع الملثم نعلا بيده اليمنى وهوى به على رأس السيرجنت في موضع خده الأيسر"/72.   

  وتتميز الأسلبة الأدبية بأنها فردية تعبر عن أيديولوجية الكاتب ومزاجه النفسي  وليست معبرة عن طموحات ورغبات الجماعة أو الأمة، فردانية "محسن الخفاجي" كانت واضحة يشعر بالتعاطف والتماهي مع المعتقلين حتى لو وصفهم بالمجرمين" كنا خليطا من مدنيين وعسكريين، موظفين وعمالا وعاطلين عن العمل، ولصوصا، متطرفين ومعتدلين"/.ويصنف نزلاء المعتقل في قصة صحن الوزير الأسبق" انقسم المخيم إلى جبهتين متناحرتين، الأولى تؤيد القصاص من الوزير غير عابئة بقرب الأمريكيين تضم معظم المحتجزين من اللصوص والخارجين عن القانون وأثرياء الحروب والصغار المرتبطين بتنظيمات مسلحة وجدت في الفوضى التي عمت البلاد مكانا خصبا للتوحد، بينما تظم المجموعة المضادة المحتجزين ممن كانوا يدينون بالولاء للنظام السابق،(56)،تطلعنا الوثيقة هذه على هوية السجناء وانتماءاتهم المذهبية والاجتماعية لكنها غير معنية بإدانة هذا الطرف أو ذاك هي معنية فقط بوصف سلوك السجناء وحياتهم المختلفة خلف القضبان. في قصة" التحقيق السابع عشر" يذكر المؤلف وفي آخر جلسة تحقيق معه قبل إطلاق صراحة بعد ثلاث سنوات من اعتقاله طبيعة العمل الأدبي الذي يود انجازه مستقبلا" سأكتب رواية عن الحرب، فقد كنت قريبا منها ومن أحداثها وأعرف موضوعات غنية ذات طابع وثائقي، كما فعلت في رواية سابقة عن الحرب 1991"/86. لقد كان هدف وطموح محسن الخفاجي دائما أن يكتب نصا قصصيا متخيلا تنفتح أسلبته على مقتضيات نقل الوثيقة التاريخية، وذلك ما حاول تحقيقه في "حمامة القنصل". 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر