في مديح المعلّم

عدد القراءات : 97
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في مديح المعلّم

علي محمود خضيّر

نقلت لي صفحة الفيسبوك قبل أيّام مقطعاً فيديوياً مؤثراً أثار في داخلي شجونًا وأهرق بضع دموع.

يظهر الفيلم القصير طلابًا في احدى المدارس الثانوية بمحافظة كركوك وهم يُفاجئون معلمهم بحفل تكريمي عفوي لمناسبة إحالته على التقاعد في لفتة إنسانية غلبت عليها مشاعر الوفاء والنبل والأخلاق الرفيعة في التعامل مع واحد من أهم ركائز بناء المجتمعات الصحيحة ألا وهو المعلم. 

أحاط التلاميذ معلمهم لحظة دخوله بتصفيق حاد يليق بالملوك وبأبيات الشعر والاحضان الحارّة وسط دموع المعلّم وتلامذته في مشهد يؤكد خصوصية العلاقة بينهم ومدى عمقها، بادلهم المعلم كلمات الشكر لهم ولعوائلهم التي أخرجت هذه العقول والقلوب الوفيّة في زمن عزّ فيه شاكرُ الجميل. لقد أفسدت مفاهيم زمننا الحاضر، زمن السرعة والتكنولوجيا والمال والحداثة، العديد من القيم التي تمتع بها أهلونا في زمان الخير، واحدة من تلك القيم هو المعلم ودوره ومكانته حين حولته بفعل الحاجة إلى سلعة وماكنة لجمع الأموال في المدارس والجامعات الأهلية، أُختزل هذا الرمز الروحي الذي كان يقوم بدور الأب والأم في المدرسة تعليما وتربية ليتحول الى هيكل فارغ يعطي المعلومات مقابل المال وأُفرغ تماما من أي قيمة انسانية روحية، صار عندنا جيل من المعلمين والمدرسين ينظرون الى طلبتهم كمشاريع استثمار، أموال تمشي على الأرض وتجلس على مقاعد الدراسة، صار يفكر بالطرق التي تجعلهم ينضمون لحلقاته الدراسية الخاصة، بمبيعات ملازمه في المكتبات ومنافسة زملائه المدرسين بأرقام التدريس الخصوصي (أخبرني أحد اقاربنا وهو طالب اعدادية بأن سعر المدرس الخصوصي قد يصل الى خمسة ملايين بالنسبة للصف السادس الإعدادي) وأثناء هذا وذاك من السلوكيات النفعيّة تبدد دور المعلم التربوي وتراجع حضوره في ضمير أبنائه وصرنا نسمع بشكل عادي عن حوادث الاعتداء عليه من طلابه بين حين وآخر.

إن المجتمعات الرصينة تحصن بالقيم، كل لبنة تفقد تترك خللاً بالبناء، وإهمال قيمة المعلم في مجتمعنا ستكون لها عواقب غير محمودة. 

ذلك أن الدور المركزي الذي ظلّت تلعبه الكوادر التدريسية بنى لنا طبقة خيرة محبة للعلم مسؤولة وتقدر من أخذ بيدها. وهذه المفاهيم غاية في الأهمية في تعزيز وعي الجيل الشاب المؤمل له أن يقود مجتمعنا في العقود المقبلة. 

كتب الطلاب لمعلمهم في الاحتفال: "منك تعلمنا أن للنجاح اسراراً وأن المستحيل يتحقق، وأن الأفكار الملهمة تحتاج الى من يغرسها في عقول الطلبة فلك الشكر على جهودك القيمة". 

هذه الكلمات رسالة ذهبية لكوادرنا التدريسية الجديدة في أن تعي دورها الرسالي النبيل وتعلم بأن ما يقال حول خراب جيل الطلاب هذه الأيام ليس قاعدة مطلقة، وأن هناك من ينتظر منكم أن تأخذوا بيده وتعلموه القيم الرفيعة، ففي النهاية ما تزرعونه عند أبناء غيركم يكسبه ابناؤكم مجتمعا قوياً ودولة ناضجة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

طه رشيد ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر