المثقفون والتغيير

عدد القراءات : 73
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المثقفون والتغيير

الجزء الاول

رضا الظاهر

 

يتعين القول، ابتداء، إن ما نعنيه بالمثقفين هم شغيلة الفكر، وننظر اليهم بالمعنى الأوسع للمفهوم، وليس بالمعنى الضيق الذي يقتصر على منتجي قيم الابداع الأدبي والفني. أما التغيير فنعني به هنا، في واقعنا العراقي الملموس، تغيير بنية النظام السياسي، ابتداء بالتخلي عن نهج المحاصصة الطائفية والاثنية، وهو ولّاد الأزمات. وحتى يتغير هذا النهج لابد من تغيير نمط التفكير، والشخوص الذين يديمون هذا النهج ويؤبّدونه. ولا نعني بالتغيير، هنا، الاطاحة العنفية بسلطة الدولة وقلب النظام السياسي، وانما الطريقة السلمية التي تشكل الانتخابات أحد أهم عناصرها، الى جانب الحركة الاحتجاجية والمطلبية، وأشكال الكفاح السياسي والفكري الأخرى.

ومن الطبيعي أن قوى المجتمع القديم، المتنفذة، لن تستسلم بسهولة، بل ستهب، على الرغم من اختلافاتها وصراعاتها حول الامتيازات، دفاعاً عن مصالحها الطبقية، مستخدمة كل ما في ترسانتها من أسلحة في مجابهة القوى الساعية الى التغيير، التي يتعين عليها، من بين أمور أخرى، امتلاك فن ادارة الصراع حتى يمكن تغيير ميزان القوى السياسي والاجتماعي لصالح عملية التغيير.

وعود على بدء .. فالمثقف هو حامل الوعي والتنوير، ومشيعهما في المجتمع والحياة، والساعي الى التغيير وتحفيز الآخرين على المشاركة في تحقيقه. لسنا بحاجة، هنا، الى الدخول في تفاصيل تعريف “المثقف”، غير أننا نود الاشارة، في هذا السياق، وعلى نحو وجيز، الى أن مفهوم المثقف حديث، ويرتبط، كما هو معروف، بـ “قضية دريفوس”، حيث كتب إميل زولا مقالته الشهيرة (إني أتهم) – 1894، وفيها دافع عن الضابط دريفوس، وفي إثرها وقع عدد من كبار الكتاب الفرنسيين، بينهم أناتول فرانس ومارسيل بروست (بيان المثقفين)، وفيه رفضوا الحكم في قضيته، وأرغموا السلطة على إعادة المحاكمة، حيث جرت تبرئة دريفوس وأطلق سراحه. وقد شاع مفهوم “المثقف” ارتباطاً بهذه المعركة الفكرية – السياسية، وبدور المثقف في الكفاح ضد الاستبداد والجور الاجتماعي، ودفاعاً عن الحقيقة، وسعياً الى التغيير.

وفي القرن العشرين ظهرت مفاهيم بينها “الانتلجنتسيا”، و”المثقف العضوي” (غرامشي)، و”المثقف الرسولي” (إدوارد سعيد). غير أن هذه المفاهيم، وسواها، وعلى اختلافها، تكشف، في حقيقتها، عن جوهر أساسي يتمثل في التزام المثقف بقضايا المجتمع وسعيه الى تحقيق العدالة الاجتماعية، واشاعته ثقافة التنوير والتغيير.

أسئلة أمام المثقف

يعكس التحول العاصف في الاطار الثقافي، رغم كل التباساته وانعطافاته، آفاق نهضة ثقافية يمكن، اذا ما توفرت لها الشروط الصحية، أن تعيد الاعتبار للعقلانية والتنوير، وتخلق فضاء ازدهار الثقافة الابداعية. هناك حقيقة أن المجتمع لا يعاني من الفساد والتخلف والأزمات وغياب الخدمات والأمن حسب … بل من مشكلة غياب أو تدني الوعي الذي تراجع، على نحو مريع، في ظل الاستبداد والدكتاتورية والحصار والاحتلال وما بعده من نظام سياسي جوهره المحاصصة الطائفية والاثنية، وعواقب ذلك على مختلف الصعد وبينها الروحي، حيث سيادة فكر وسلوك الانحطاط في المجتمع.

كل شيء في المجتمع مرتبط، كما هو معلوم، بالوعي وبنمط التفكير. فما هو دور المثقف في إشاعة الوعي موقفاً سياسياً أو ابداعاً جمالياً ؟ ما موقفه ازاء الثقافة السائدة، الوعي الزائف، السلطة، النظام السياسي، قيم التخلف، حقوق المرأة … الخ ما يمثل كوابح للمجتمع العراقي ؟

هل المثقف يتابع حركة المجتمع ؟ يعمق اتجاهات هذه الحركة ؟ يسهم في تحديد وجهة التطور ؟ كيف يدعم المثقف الاصلاح ؟ من الطبيعي أن دعوتنا الى الاصلاح تستند الى الواقع المأساوي الناجم عن حقيقة أنه في ضوء الأزمة الاجتماعية المستعصية بات التغيير ضرورة. فبينما يتعاظم سخط الناس على الواقع المأساوي ونهج المتنفذين في الحكم تتزايد قناعات الوطنيين الحريصين بضرورة انقاذ البلاد من المحنة. ومن الطبيعي أن هذا الاصلاح لا يمكن أن يتحقق الا عبر التغيير. ويتعين أن لا تغيب عن بالنا حقيقة أن القوى المتنفذة تراهن اليوم، كما فعلت في السابق، وخصوصاً في الظروف الحالية حيث تجري الاستعدادات للانتخابات، على استمرار الشعور بالاحباط واليأس من امكانية تغيير الأوضاع، وتعمل على محاصرة وعرقلة مساعي القوى الداعية للاصلاح والتغيير.

الثقافة والديمقراطية

ولا ريب أن دور المثقفين في التغيير يرتبط بموضوع الديمقراطية وعلاقتها بالثقافة. فالديمقراطية هي شرط ازدهار الثقافة، وهي عنصر داخلي في المعرفة يمنحها سمة اجتماعية، ويؤكد القبول بالنقد والاجتهاد والتنوع والاختلاف والتعددية والحوار، وبالصراع الذي هو أساس تجدد المعرفة. وبالتالي لا يمكن الفصل بين الديمقراطية والعقلانية. وفي إطار اشكالية العلاقة بين الثقافة والديمقراطية تقف موضوعة العلاقة بين المثقف والسلطة والجسور التي تمتد بينهما في حالات وتنقطع في أخرى. وبما أن الدولة، وهي مؤسسة طبقية سياسية قمعية، تعبر عن علاقات الانتاج السائدة في المجتمع، فانها تسعي الى ممارسة سلطتها باعتبارها التعبير السياسي عن مصالح المجتمع بأسره. وتمارس الدولة سلطتها بوسيلتي القمع والآيديولوجيا. ولأن الدولة لا تستطيع أن تحتفظ بسطوتها وتحقق مشروعيتها بالقمع وحده فانها تلجأ الى وسيلة الايديولوجيا. ولعلنا نجد هذا التحديد لجانبي القمع والآيديولوجيا في بنية السلطة في تمييز الباحثين الدقيق بين سلطة الدولة القمعية وأجهزة الدولة الآيديولوجية. وبالقمع والآيديولوجيا تتكامل قدرة الدولة على إدامة سلطتها. وبهذا لا تكون الآيديولوجيا مجرد أداة من أدوات الدولة بل جزءاً عضوياً أساسياً من بنيتها التي تتداخل فيها أجهزة القمع والآيديولوجيا والاعلام مع عملية انتاج واعادة انتاج العلاقات السائدة.

وعلى الرغم من الدور الفاعل الذي تلعبه الايديولوجيا ويلعبه المثقفون حاملو المعرفة في إدارة الدولة وتوجيه المجتمع، فان المثقفين ليسوا، في هذا الاطار، القوة المهيمنة في بنية الدولة، فهذه القوة تتمثل في مالكي وسائل الانتاج، وهؤلاء المالكون هم وحدهم المقررون والمتحكمون بسائر الشؤون، وهذا هو أحد مصادر الاشكالية بين ما هو سياسي وما هو ثقافي داخل بنية الدولة والمجتمع. وتدرك الدولة أن لا سلطة سياسية وقانونية لها من دون سلطة ثقافية، ومن هنا أهمية وخطورة الآيديولوجيا. ولكن النظام الاستبدادي يشوه وظيفة المعرفة وسمتها الاجتماعية ويحولها الى وظيفة لانتاج وإعادة انتاج علاقات الاستبداد. ويسعى هذا النظام الى تحقيق نخبوية المعرفة عبر انتاج وإعادة انتاج التجهيل، وتحويل المعرفة الى وسيلة لتبرير آيديولوجيا الاستبداد. ولأن النظام الاستبدادي يقوم على الوحدانية، فانه يعتبر نفسه المرجع الوحيد لكل معرفة ممكنة، ويصبح دور المعرفة البرهنة على أن شرعيتها الوحيدة هي الدفاع عن شرعية الاستبداد، بحيث يصبح الاستبداد خروجاً عن قوانين المعرفة. وهذا ما يجعل المعرفة آيديولوجيا استبدادية، أو يجعل الاستبداد قائماً في عملية المعرفة، ذلك أن الاستبداد لا يسمح بانتاج المعرفة ولا بممارسة ديمقراطية داخل عملية المعرفة. والى جانب وسيلتي القمع والآيديولوجيا تستخدم السلطة وسيلة المال اذ تستثمر ضغط الحياة الاستهلاكية على المثقف، وضرورة تغطية حاجاته الحياتية، وهو ما يرغم المثقف على تحويل عمله الى سلعة تتحكم بها السوق. وعلى الرغم من أن عملية التسليع هذه تؤدي، من ناحية، الى إخراج الثقافة من حدود النخبة وإشاعتها بين الناس، فانها تتم، من ناحية أخرى، على حساب الشروط الجمالية للعملية الابداعية ذاتها.

وربما كان من المفيد في إطار بحثنا موضوع الثقافة والديمقراطية أن نلقي أضواء على بعض النواحي المرتبطة به، وهي الثقافة والهوية الوطنية، والثقافة والعولمة. ويمكن الاشارة، على نحو وجيز، الى الحقائق الاتية:

– يتمثل أحد عناصر الثقافة الوطنية في المقاومة التي تسعى الى الدفاع عن الخصوصية الثقافية، والتي لا تعني مجرد رفض الآخر سياسياً، وإنما تجسيد هذا الرفض في نمط التفكير واللغة والابداع الفني في سياق التمتع بذاكرة تاريخية.

وتتسم الهوية الوطنية الثقافية بقدرتها على التحول والتطور في مجرى الصراع الذي ينعكس على هوية الانسان الذي لا معنى للهوية خارج حدوده.

وفي خضم هذا الصراع، وهو في جوهره سياسي فكري، تتشكل الثقافة الوطنية عبر إغناء وتطوير عناصرها الديمقراطية.

– أما التبعية فهي نقيض التنمية، باعتبار أن الأولى هي جوهر التخلف بينما الثانية عكس ذلك. وتؤدي التبعية الى تشويه الثقافة الوطنية وإلغاء ما هو تقدمي في التراث. ولكن الخروج من التبعية، الذي يعني في جوهره الاستقلال الثقافي، لا يجمعه جامع بالانعزال الثقافي، ذلك أنه في عالمنا المعاصر، المعولم، لا يمكن لأية ثقافة تسعى الى إدامة وتطوير وتجديد تقاليدها أن تستمر وهي منعزلة عن الثقافات الأخرى.

وفي ظل التبعية هناك صراع بين ثقافة تابعة وثقافة وطنية، وهو صراع سياسي واجتماعي في جوهره، يعكس مقاومة إلغاء التنوع الثقافي، أي السمة الوطنية لثقافة أي مجتمع، على أساس أن “الثقافة الغربية” هي النموذج، وكل ما هو خارجها نقيض للحضارة.

– والعولمة هي المرحلة الراهنة من تطور النظام الرأسمالي العالمي الذي تسعى فيه دول المركز الى إزالة كل العوائق التي تحول دون انتقال رؤوس الأموال خارج الحدود القومية باعتبار ذلك أساساً لاستمرار تراكم رأس المال.

وهناك ثلاثة مناهج في فهم العولمة والموقف منها: الأول هو الداعي الى الاندماج المطلق فيها، والثاني هو الداعي الى الرفض المطلق لها، أما الثالث فهو الداعي الى اتخاذ موقف عقلاني منها يقاوم سماتها السلبية ويستفيد من سماتها الايجابية.

وربما تكون مخاطر إلغاء التنوع الثقافي من أخطر نتائج العولمة التي تمتلك تكنولوجيا الانتشار والاخضاع والهيمنة، وهو ما يعكس أهمية استثنائية للصراع الثقافي الذي يتجلى بأشكال مختلفة، والذي يرتبط، على نحو دقيق، بالاقتصاد والسياسة.

وهذا الواقع، بالذات، يدعو الى خوض كفاح على مختلف الصعد، يتجنب ثنائية الرفض المطلق أو القبول المطلق، ويتصدى لظاهرة العولمة بالتحليل العميق الذي يسعى الى توصيف الراهن على الصعيد الثقافي، والذي يؤدي الى منهجية عمل تستوعب حقائق الواقع وآفاق التطور، وتتمسك بالنقد وتسعى الى طرح بدائل لتغيير العالم.

إن ثقافة العولمة الحالية تحاول إلغاء التنوع الثقافي. والمطلوب ليس توحيد العالم ثقافياً بل إبقاء هذه الثقافة متميزة بالتنوع والاختلاف لا فرض نموذج وحيد يراد له أن يكون مرجعية.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر