لماذا تكتب القصة القصيرة جدا؟ مجموعة(ما تجلى في العتمة)لمحمد الكريم أنموذجاً

عدد القراءات : 39
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
لماذا تكتب القصة القصيرة جدا؟ مجموعة(ما تجلى في العتمة)لمحمد الكريم أنموذجاً

((القصة القصيرة جدا هي تعبير عن إيقاع الحياة والتطور التقني)). لماذا نكتب القصة القصيرة جدا؟ او بصورة ادق لماذا تحول الادباء بصورة عامة من اختصاصهم السردي في الكتابة،في الرواية والقصة القصيرة، الى كتابة القصة القصيرة جدا في العشر سنوات الماضية بعد انتشار الانترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي؟ هذا السؤال طرحته على ذائقتي النقدية بجدية كاملة، وبإصرار تام، وكان علي إما انتظار كاتب ما يناقش هذا الامر لتصلني الاجابة منه فأتخذها سندا لي في كتاباتي ان كانت مقنعة، وإما ان ابحث انا عن السبب لاصل الى الاجابة.

قراءة:داود سلمان الشويلي

 

ان اول واهم سبب ظاهري امامي هو استسهال كتابة هذا الجنس الادبي من النوع السردي من قبل بعض الناس، لا اقول الادباء فقط، وذلك لانه نص قصير جداً لا يتطلب صبرا طويلا في الكتابة، إذ همهم تسطير بعض الخواطر او الاخبار، او اعادة كتابة حكاية ما، ثم يطلقون عليه تسمية قصة قصيرة (جداً).

لم اقتنع بهذه الاجابة خاصة ان ادباء عراقيين كبار- على مستوى العراق- قد كتبوا في هذا الفن، فما هو السبب اذن؟

لقد توصلت، وربما قد توصل اخرين غيري الى ذلك، الى ان السبب في ذلك هو الذائقة السردية التي تتأثر بالعصر الذي نعيش فيه، وهذا من البديهي اذا كانت هذه الذائقة نابضة بالحياة، ومتطورة، وعصرنا هو عصر السرعة، عصر منظومة المواصلات والاتصالات السريعة التي حولت عالمنا الذي نعيش فيه الى قرية صغيرة، فبات الذي يعيش في امريكا يخاطب ويشاهد ما يفعله الذي يعيش في الصين، والذي يعيش في شمال الاسكا يخاطب ويشاهد ما يفعلة الذي يعيش في القارة القطبية الجنوبية. ويمكن الوصول لهذه الاماكن بكل يسر وسهولة، وبأقل وقت ممكن،وتكاليف مادية، وكأننا ابطال حكاية خرافية ننتقل بها من مكان الى اخر بيسر وسهولة ونخاطب الاخر كذلك.

إذن نحن نعيش في هذا العالم الذي يتطلب كل شيء قصير، وسريع، وبلاغي القول.

قصير، هو القصة القصيرة(جداً) في الطول، وسريع في الوصول، فكرة وتشكيلها لغوياً، وبلوغ الهدف باقصر العبارات وبفهم ناجز، هذا هو ما نجده ايضا في القصة القصيرة جداً، وبلاغة القول هو ما نراه ماثلا في كتابة هذا النوع السردي، إذ تصل بأقل الكلمات والافكار التي تقدمها.

إذن، فكتابة الق.ق.ج. هو ما يتطلبه عصرنا الحديث، عصر السرعة الذي يمل من كل ما هو طويل ومترهل باللغة والصور والافكار،انه يريد شيئا يصل الى ذائقته السردية بسرعة، وبإبداع، أي ان يحمل بلاغة القول بين جنبيه.

اسوق هذه المقدمة وامامي المجموعة القصصية المعنونة(ما تجلى في العتمة) للقاص محمد الكريم الصادرة عن دار تموز في دمشق عام 2017، وقد سبق للقاص ان نشر مجموعة قصصية سابقة بعنوان (ابي يركض وراء قطيع الاحلام).

المجموعة تحمل بين دفتي غلافها باقة من القصص القصيرة، والقصص القصيرة جدا، وقد افردت القسم الاخير للقصة القصيرة جداً وكتب عنواناً للقسم باسم"قصص قصيرة جداً" مع العلم ان القسم الاول ضم قصصا قصيرة جدا مثل"خيانة" و"حوار" و"تحولات ..ولكن" و"ساعة" و"سر"، بل ان اغلب القصص في هذا القسم هي من نوع القصة القصيرة جداً، اعتمادا على طولها، وفكرتها على الاقل، واترك هذا الامر الخاص بالاصطلاح والمفهوم الى القاص وفهمه لان الدراسة غير معنية بذلك.

سأتناول بعض القصص من القسم الثاني للمجموعة في دراستي هذه بهدف وضعته نصب عيني سنتعرف عليه في السطور القادمة.

*** 

من الامور المهمة عند تناول الكتابات السردية وفيها شيء عن الواقع المعاصر الذي نعيش فيه، فإن اول ما يتبادر الى الذهن هو ان نقيس مدى تأثير هذا الواقع الفكري والعملي في الكتابات السردية تلك، لو كنا ممن لا يريد ان يدرس فنية النص السردي ،او قوانين كتابته، او اشتراطاته. 

النصوص التي سأتناولها بالدرس والفحص من ناحية انعكاس الواقع المعاصر فيها، هي:المعطف ص78،"شجار"ص790، "مرض" ص 81،"مرة اخيرة"ص83 .

***

تقسم حياة بطل قصة "المعطف" الى مراحل ثلاث، هي: عندما كان يرتدي المعطف، واثناء هروبه بعد ان تركه، والثالثة هي عند عودته ومحاولة اقتراب المعطف منه فقد تمزق من جراء نفسه، وتحول الى رماد.

تقول القصة: ((ظل "المعطف" معلقا على شماعة الملابس حتى عدت من هروبي، فتحت الباب، عرفني، حاول ان يتقدم نحوي لم يستطع الركض فسقط متهرئا حاولت أن ألملمه لكنه صار رمادا...)).

المعطف ليس كمعطف غوغول الواقعي،معطف يجلب الدفء، بل هو معطف يرمز الى أي شيء، فهو يرمز مثلاً للواقع السياسي، او الى الاخلاق، او الى العادات الحسنة او السيئة، او الى الدين، او الى...الخ،فقد كان يلبسه الا انه تركه(نزعه) في بيته عند هروبه،وكل هذه الامور التي عددناها تنطبق وحالة المعطف.

في المرحلة الثالثة، وعندما يعود الى البيت، يحاول المعطف الاقتراب من صاحبه،الا انه يفشل، ويقع على الارض، ويتفتت، ويتحول الى رماد.

مالذي انتقل من الواقع الى فضاء القصة؟

لما كان المعطف موضوع القصة لم يكن واقعيا بدليل تفتته وتحوله الى رماد، فهو اذن رمزي، ولما كان كذلك فأنا اقرؤه ولا اطالب من القراء تبني هذه القراءة، اقرؤه على انه يرمز الى الواقع السياسي قبل الاحتلال الامريكي عام 2003 وبعده.

كان قبل الاحتلال معروفا كمعطف يجلب الدفء، ثم هرب صاحبه وتركه، وعندما عاد بعد التغير تبخر ذاك الواقع السياسي المعروف قبل عام 2003،الذي كان دافئا وحميمياً، اصبح رمادا، لان الامور السياسية في البلد غير معروفة بعد الاحتلال، لهذا نراه وهو يحاول ان  يتقدم نحو صاحبه يفشل ويصبح رمادا، أي انه تغير ذاتيا واصبح رمادا اسود تذروه اية هبة ريح.

***

كل شيء لا فائدة منه وهو مضيعة للوقت، وربما يصلح للتسلية. هكذا تريد ان توصل لنا قصة "شجار" الفكرة التي بنيت عليها. 

تقول القصة: ((سمع صوتا خارج الشقة التي يأتيها مرة في كل أسبوع ، ليقف مثله مثل الناس الذين يتفرجون على رجل يضرب زوجته خارج البيت فيرجع إلى شقته ، دون تأخير ، يسمع داخل شقته مواء يشبه الغناء  يقترب أكثر من الغرفة التي تتوسطها مائدة، ترك عليها مزة ، وعرقا في كأسٍ عريض بإمكان القطة أن تدخل رأسها لتشرب . مجرد أن دفع الباب  سقطت القطة ، لا تقوى على المشي . يضرب الباب ويرجع ليكمل  مشهد  شجار الزوجين ...)).

في الشارع، او في البيت، الاثنان سواسية في النهاية، الكل لا طائل منهما، ان كان الشجار بين الزوجين في الشارع، او ما يحدث داخل البيت حيث تشرب القطة كأس الخمر الذي اعده لنفسه شخصية القصة وتسقط على الارض، فهو ربما يجلب التسلية ليس الا، وهكذا الواقع المعاصر المعاش، حيث في الشارع العراك المرئي او غير المرئي والذي يجلب الموت المجاني، وفي البيت لم يتبق له شيء، بل لا شيء ذا اهمية يحدث، لقد طار(التخدير) الذي منى به النفس في هذا الواقع، و(تخدرت) بدلا عنه القطة التي سقطت ارضا، الان اصبح  عاريا امام هول الواقع الذي يحدث خارج بيته،وداخله، الاثنان سواسية.  

***

الضحك والبكاء،اوالحزن، انهما غريزتان انسانيتان، الا انهما منفصلتان الواحدة عن الاخرى، وبعض الظواهر الخارجية تأتي بهما متلازمتين.

تقول قصة"مرض":((لما استمر بالضحك شك الناس بأنه مريض. لا أحد يجيد الضحك، فقط البكاء. عرض على لجنة تقرر نقله خارج الوطن ليعرفوا سر الضحك . فكان الأكثر حزنا في خارطة الأوجاع .)).

في نصنا هذه نرى شخصية القصة تستمر بالضحك لانه كان يرى الامور تجري بلا معقولية في واقع بلده المأزوم، حتى يشك به الجميع انه مريض،فيرسلونه الى خارج الوطن لاكتساب الشفاء.

وعندما يكون خارج الواقع يبكي على ما يحدث فيه، لانه يرى الامور بوضوح وواقعية في ذلك الواقع  المأزوم.

انه الشيء المضحك المبكي، هذه المأساة العراقية يصورها القاص بصورة تراجيكوميدية.

***

نص"مرة اخيرة" يطرح قضية الحرية. يقول النص: ((عندما القيَّ القبض على(( رجب)) ورموه في سجنٍ انفرادي، كان السجن بلا شباك، جرح يده، ورسم شباكا وشمسا وكتب .. "هذه النهاية" .. بعد ساعات تحرك الشباك منفتحا الى الخارج لكنه لم يفكر بالهروب !!)).

نتساءل مع شخصية القصة هل نهرب من السجن وقد حانت الفرصة، ام لا؟

هذا هو السؤال يطرحه من كان داخل العراق، ولكن نهاية القصة تجيبنا قائلة بأن شخصية النص لم ولن تهرب.

هل السبب فينا لاننا استمرأنا هذا السجن الكبير؟ ام ماذا؟

اترك هذا السؤال للقارئ النبيه ليجيب عنه. 

***

اربعة نصوص صورت الواقع بعد عام 2003 وقرأته قراءة سردية وابداعية شابة. ان الكاتب طرح السؤال،وشرح الحالة، وعلينا نحن كمتلقين ان نجيب عن هذه الاسئلة ،لان الواقع هو واقعنا الذي نعيشه.

- هل كان المعطف محقا في ما ذهب اليه، أثناء حركته نحو صاحبه تحول الى رماذ؟

- وهل كان الشجار خارج المنزل، في الشارع، هو ما يعادل ما في داخل المنزل، مما تقوم به القطة؟ 

- وهل كان الواقع مضحكا ومبكيا ان كنا نراه من ىالداخل او الخارج؟

- وهل ظل السجين سجينا رغم فتح طريق للهروب امامه، ولماذا؟

اسئلة كثيرة يطرحها علينا الواقع عن طريق السرد والسارد وعلينا الاجابة عنها لانه واقع مأزوم في كل شيء حتى وصل الى ان نقوم بتغييره نحو الافضل.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر