الحقيقية و الافتراضية في جغرافية عالم السرد عبد الخالق الركابي أنموذجا

عدد القراءات : 904
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الحقيقية و الافتراضية في جغرافية عالم السرد   عبد الخالق الركابي أنموذجا

يلعب المكان دورا كبيرا في الكتابات السردية ، الرواية خاصة ، وهو واحد من اهم مقومات الرواية كالشخصية ، والوصف ، والزمان ،ويعد محورا من محاور السرد الرئيسية ، ولا يمكن ان تجري أي احداث خارجه،وهو شيء تخيلي تصنعه اللغة مبني على شيء واقعي ملموس ومحسوس. وفي مقاله القصير " السرد والاخلاق " المنشور في جريدة الرياض يوم 22 / 4 / 2017 ، اشار الدكتور عبد الله ابراهيم الى قضية مهمة تطرحها الرواية العربية ، والرواية العالمية بصورة عامة ، وهي صياغة جغرافية للعالم الافتراضي في السرد ، وقد اشار الى جغرافية مقاطعة "يوكناباتوفا"، التي قدمها الروائي " وليم فوكنر" كجغرافية لعالم سردي في رواياته .

قراءة : داود سلمان الشويلي

 

وفي الرواية العربية وخاصة عند نجيب محفوظ التي اشار اليها د. عبد الله في مقاله نجد هذه الجغرافية الافتراضية متمثلة في ما رسمه الكاتب للحارة المصرية ،وقد تجلت هذه الحارة في ثلاثية الكاتب خاصة .

لقد رسم محفوظ هذا العالم الافتراضي لجغرافية الحارة المصرية على ارضية صلبه الا انها بعيدة عنها وتقف مقابلا لها ،اذ نقل لنا مجمل التقاليد السائدة في المنطقة ، ووقائع تاريخها حسب تصوره هو لها وليس حسب ما موجود في الحقيقة ، فكان ان بنى حارة مصرية تتطلبها الرواية التي يكتبها ولم ينقلها نقلا كما في الحقيقة .

بعيدا عن " الاخلاق والسرد " في مقالة د. ابراهيم ،فقد اشار الى الكثير من الروايات التي فيها جغرافية المدن او المناطق التي تحولت في السرد الافتراضي الى مدن غير ما موجود في الحقيقة.

في هذه السطور سأتوسع في مناقشة هذه الفكرة على الرواية العراقية ، وفي روايات عبد الخالق الركابي خاصة ، عن تحول جغرافية المناطق من عالم الحقيقة الى عالم الافتراض ،ومثال لذلك هو مدينة الروائي عبد الخالق الركابي التي قدمها في جل رواياته " بدرة " .

***

في الادب العالمي حول ماركيز قرية صغيرة "أراكاتاكا" لا تذكر في الخريطة الى مدينة كبيرة تدعى "موكاندو" في رواياته ، فأتى الروائي عبد الخالق الركابي ليقدم لنا جغرافية كاملة لمنطقة حقيقية ، الا انها مرسومة بسردية افتراضية في الرواية ، هذه المنطقة واجواؤها، ببعديها التاريخي والجغرافي ، الماضي والحاضر ،هي مدينة " بدرة " المنسية والمهملة ،والحدودية في جنوب شرقي العراق ، حتى كادت ان تكون على هامش المدن العراقية.

في سطور قليلة نشرها على صفحته ،وصف الروائي عبد الخالق الركابي مدينته ، مدينة "بدرة"،قائلا:((.من المعروف أن مدينتي بدرة المتاخمة لجبال زغاروس الإيرانية كانت، في طفولتي وصباي، معزولة عن الدنيا، لا توجد طرق إسفلتية تربطها بغيرها من المدن العراقية. وكان الوصول إلى أقرب مدينة مثل الكوت أو بغداد يعتمد على مهارة سائق السيارة وفطنته في معرفة طوبغرافية الصحراء الشاسعة. وقد حدث أن ضلت أكثر من سيارة سبيلها، ولم يعثر عليها إلا بعد مرور أسابيع أو أشهر تحوّل خلالها المسافرون (المنكودون) إلى جثث أجهزت الذئاب عليها؛ لذلك كنت أشارك الركاب الآخرين هلعهم طالما تشق إحدى السيارات بنا سبيلها المبهم عبر الصحراء، ولم يكن يهدأ لي بال إلا حينما يلوح لنا الطريق الإسفلتي؛ حينها أشارك الآخرين بإطلاق صرخة ابتهاج مردداً معهم بصوت واحد:

- الحمد لله.. راح نصعد التبليط!

والآن وبعد مرور كل هذه السنوات واستقراري النهائي في بغداد أتمثّل بذلك الزمان كلما شرعت في كتابة رواية جديدة؛ أظل أعاني شهوراً قبل أن تسلس الأحداث لي قيادها إذ حينها أطلق في مكتبتي صرخة ابتهاج يجيب عليها من الصالة من معي من أفراد أسرتي:

- ها.. بشّرْ.. صعدت التبليط؟ )) .

هذه المدينة اطلق عليها الروائي الركابي في بعض كتاباته الروائية اسم مدينة " الاسلاف " ، او " محافظة الاسلاف " ( ص31 سابع ايام الخلق ).

والسلف في العامية العراقية، منطقة يعيش فيها مجموعة من الناس ينحدرون من جد واحد ، فتكون بذلك مدينة " بدرة " هي المنطقة الجغرافية التي يسكن فيها كل شخص منحدر من جد واحد ، وهذه ليست حقيقة هذه المدينة الواقعية الحقيقية .

في الرواية يأخذ التخيل دورا كبيراً في رسم ملامح المكان، إذ يتحول هذا المكان من واقع حقيقي الى واقع افتراضي ، من عالم يرى ويلمس وتعبق به رائحة ما، الى عالم افتراضي مسطر على الورق.

 وقد تمثل الروائي في هذه الرواية بقول " ابن عربي " الذي يضع كلامة في صدر روايته" سابع ايام الخلق " الذي يؤكد ان: (( العالم حروف مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور ، ولا تزال الكتابة فيه دائمة ابدا لا تنتهي )). (ص29 سابع ايام الخلق ).

ويطلق عليها تسمية اخرى غير مدينة الاسلاف لا تبتعد عن قول ابن عربي ،فيقول الروائي الركابي في روايته " سابع ايام الخلق " :

(( لقد اسدلت الستار دون مدينة "الاسلاف " ، مدينة البشر والاسمنت والحجر ، لافتح بمداد قلمي آلاف الستائر والنوافذ على مدينة " الاسلاف " الاخرى ، مدينة الحروف والكلمات ، المدينة التي اعاد تشييدها حرفا حرفا وكلمة كلمة وسطرا سطرا هؤلاء الرواة الستة : ثلاثة منهم شيدوها بأصوات ورثت احزان سلسلة رواة تناقلوا الحرفة شفهيا أبا عن جد – حتى ان عيني واحدة منهما اغرورقت ، لحظة التسجيل ، بالدموع وهو يسرد حادثة مضت عليها عشرات الاعوام ! – والثلاثة الاخرون شيدوها كتابيا : الرابع منهم بالريشة ، والخامس بقلم " القوبيا " ، والسادس بالحبر ، وها انذا سابعهم اترك للقارئ مهمة اكتشاف ما سأقوم به خلال الصفحات القادمة ! )) . (ص 32  سابع ايام الخلق)

إذ تتحول مدينة " بدرة " الحقيقية في رواية " سابع ايام الخلق " من مدينة ارضية محددة بحدود معروفة ، وفيها يسكن البشر والحيوان والشجر ، الى مدينة مبنية على لسان ستة اشخاص ، ثلاثة منهم شيدوها باللسان ، شفاهيا ، والثلاثة الاخرون شيدوها  بأدوات الكتابة ، الريشة ، وقلم القوبيا ، وقلم الحبر ، ومن هذا اطلق عليها تسمية «مدينة الحروف والكلمات» ، لانه نقل جغرافيتها من الحقيقة الى الافتراض المدون ، الكتابة ، بعد ان ادخلها حيز خياله الروائي النشط.

وقد عرض متحف المدينة ادوات لمراحل نموها: (( ... قاعة تتوزع فيها ديكورات ونماذج متقنة الصنع تجسد احدى مراحل نمو مدينة " الاسلاف " وتطورها )). ( ص61 سابع ايام الخلق ).

***

يعود مرة اخرى الروائي الركابي الى هذه المدينة التي ذكر ملامحها الحقيقية في سطوره تلك ، في روايته (ليل علي بابا الحزين ) حيث يشير اليها على انها مدينة صباه، والملجأ الامن له ولافراد عائلته، فيقول : 

(( يوم عدت بأسرتي الى بغداد – عقب رحلة كابوسية الى مدينة الاسلاف انتهت باعتقالي – فوجئت بالجيران يرددون كلاما غريبا غير قابل للتصديق مفاده ان " كهرمانة " في نصبها القائم في منطقة الكرادة " توقفت ، يوم التاسع من نيسان ، عن سكب الزيت في جرارها ، حيث شوهد اربعون لصا يثبون تباعا مغادرين تلك الجرار ليتوزعوا ، تحت جنح الظلام ، في شتى احياء العاصمة !! )) . ( ص 7 ليل علي بابا الحزين )

ويقول : (( إذ ما من مرة جاءني الا وانتقدني لاختياري مدينة الاسلاف ملجأ لي ولاسرتي )).  ( ص 45 ليل علي بابا الحزين )

فهي ملجؤه الذي يحميه من عوادي الزمن ، ولما كانت هذه العوادي في العراق تتمثل في الحروب ، وفي القصف الجوي خاصة ، تكون  مدينة " الاسلاف " ملجأ آمنا لبطل روايته تلك .

في هذه الرواية ينصب ذكرها على الانتقاد الموجه لبطلها لانه اختارها ملجأ له ، وان اختياره هذا هو اختيار لسلالته التي تعيش فيها ، أي لعشيرته ، ابناء عمومته ، وهذا يذكرنا بسؤال يطرح على فكر الروائي عن مدى صلاحية " الاسلاف " في ان يكون ملجأ ضد عوادي الزمن ؟ اترك الاجابة عن هذا السؤال الى وقت ومكان  اخر .

***

يذكر جانبا من هذه المدينة الافتراضية من ناحية الجغرافية مرة اخرة في رواية " سفر السرمدية " ، فيقول الروائي : (( ولاح وسط تلك الخرائب ، اكثر من جدار او عامود نصف متهدم ما زال يحمل اثار ريازة قديمة تفصح عن مجد غابر كان يضفي على هذه المنطقة ، التي عدت من ارقى مناطق مدينة الاسلاف ، تكاد تتطابق تماما مع اكثر من منطقة من مناطق بغداد القديمة )) . ( ص161 سفر السرمدية).

انها ما زالت في ذاكرة بطل الرواية ،وفي ذاكرة المؤلف ، ويتذكرها بين الحين والاخر عندما يرى منطقة تشبهها ، انها مدينة الاسلاف ،حيث تبنى على اساس افتراضي ،و مدينة " بدرة " على اساس حقيقي.

***

" بدرة " المدينة الحقيقية التي تحدثنا عنها في مقدمة هذه السطور هي " مدينة الاسلاف " ، و"مدينة الحروف والكلمات " والتي يقدمها الركابي مرة اخرى باسمها الحقيقي في روايته " ما لم تمسسه النار " ، الموطن الاصلي للكاتب التي انتقد على اختيارها في رواية " ليل علي بابا الحزين " (ص 45) لتكون ملجأ له ولعائلته اثناء العدوان على العراق عام 1991 ، حيث يتم فيها اكتشاف حياة " نديم " الذي ستبنى روايته على ما ابقته النيران من دفتر كان مدونا فيه قصة حياة " نديم " ، وانتشله من السنة النيران صديقه عيسى ((انه دفتر قديم، متسخ وملوث بالرماد، يبدو وكأن النار شبت في أطرافه، فلوت أوراقه وجعدتها بعد إن أجهزت على العديد منها )). ص9 ، ولولا العثور على هذا الدفتر الذي سلم من الحرق الجزء الاخير منه ، لما حصلنا على رواية مثل رواية " ما لم تمسسه النار " ((كان العثور على الدفتر – الدفتر المشؤوم كما كان يسميه نديم- ايذانا بالشروع في كتابة هذه الرواية)) . ص1.

"بدرة " هذه يذكرها في هذه الرواية باسمها الحقيقي الا انه يقدمها بصورة افتراضية كانت في مخيلته النشطة ، حيث بنى روايته وهو يحتفظ بها في المخيلة على انها " بدرة " الحقيقية الا انها " بدرة " الافتراضية .

***

يمتد على طول رواية (اطراس الكلام ) وصفا لجغرافية مدينة " بدرة " الصحراء ، والجبل الذي ينتصب عاليا ، حيث يقدم وصفا للطريق ، والبستان ، وكل شيء ، كما وصف المدينة الحقيقية في تلك السطور التي تقدم ذكرها في بداية الدراسة .

((- قل لي : اتستطيع ان تعين موقع مدينتك على الخارطة على وجه التحديد ؟

سألتني بغتة كأنها وقعت على الحل المناسب ، فأجبتها ضاحكا :

- سؤال غريب يذكرني بدرس الجغرافية زمن طفولتي !

لكنها سارعت الى مقاطعتي بمنتتهى الحدية :

- دعك من الهزل ، فما يشغلني هو التأكيد من ان مدينتك الجنوبية ليست ضمن الخطوط المشمولة بخطر الطيران )) .ص15.

***

اذا كان الروائي الركابي يذكر مدينته الاصلية " بدرة " مرة على انها "مدينة الاسلاف" ، واخرى باسم " محافظة الاسلاف " ، وثالثة "مدينة الحروف والكلمات " ،ورابعة بلا اسم يذكر ، فإنه في الاساس يجعل منها مدينته الفاضلة ، مدينة الملجأ و الامان له ولعائلته ، وتبقى محكومة بتقاليد، وقيم، واخلاق رسمها الكاتب ليس كما هي في الواقع المعاش ، في الحقيقة ،وما زال الشخص المنحدر منها يتبع ابائه واجداده في كل شيء ، وهم آباء واجداد يفترض الكاتب وصفهم.

من هنا يمكننا القول إن الروائي عبد الخالق الركابي يؤكد بهذه الروايات على الهوية الوطنية لشخصيات رواياته المركزية الحاملة لاعراف السلالة " السلف " وقد جاء في الامثال " خير خلف لخير سلف " ، وهذه الشخصيات تقوم دائما بوظيفة الراوي العليم ، من خلال التأكيد على المكان ، ولا يمكن لاي مكان ان يظهر للوجود بلا زمان ، فالمكان والزمان هما الهوية الوطنية لشخصياته.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر