عبد الجبار عباس.. أيقونة للتفكير المختلف يتردد صداها في حارات الحلة

عدد القراءات : 3271
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عبد الجبار عباس..  أيقونة للتفكير المختلف يتردد صداها في حارات الحلة

قال عنه الناقد العراقي الكبير علي جواد الطاهر، إنه فتى النقد الأدبي في العراق، وإنه الناقد الذي حاز على لقب الناقد بحق.. إنه الناقد الذي ترك أثرا في النقد بعد أن ترك الشعر الذي بدأ به حياته الأدبية كما يبدأ أي أديب عراقي في بلاد الشعر. إنه الناقد الذي رحل عن الواحد والخمسين من العمر، العراقي المعذب، وقد ترك خسارة كبيرة في المجال النقدي الذي لم يكتمل في مشواره الذي أراده طويلا ليكتب شيئا جديدا عن النقد وفي النقد.

علي لفته سعيد 

 

إنه الناقد الانطباعي الذي دافع عن رأيه بعلمية كما يقول الناقد العراقي المعروف حسين سرمك حين استذكره بمناسبة ذكرى رحيله في مثل هذه الأيام، في الثالث من ديسمبر من العام 1992 باحد مستشفيات مدينة الحلة حيث ولد ومات، إثر تعرضه لجلطة دماغية.

كواليس إذاعة بغداد

درس في كلية الآداب بجامعة بغداد، وتخرج منها عام 1964. ثم اتجه إلى البحوث التوثيقية الخاصة بالقصة العراقية والمسرح العراقي.

بعد تخرجه عاد إلى مدينة الحلة دون أن يجد وظيفة مناسبة، لم يرغب في أن يكون مجرّد مدرّس في صف. وأخذ ينشر مقالاته في جريدة “الأنباء الجديدة” وفي مجلة “الكلمة”. وكان قد عمل بالقسم الثقافي بإذاعة بغداد حتى أواسط السبعينيات مع رئيس القسم فيها آنذاك الشاعر حسب الشيخ جعفر، الذي أصبح صديقا له فيما بعد. وهو ما يعني أن أصوله الدراسية كانت تتيح له معرفة المنهجية النقدية، وتجربته الشعرية تمكنه كذلك من معرفة الخفايا والزوايا في النقد.

يقول في هذا الشأن في مقال له “إن الناقد الانطباعي لم يعد يرى في الاستعانة بعلوم النفس والاجتماع والجمال والفلسفة قتلا للأدب وتجميدا لعناصره الداخلية التي هي عناصر أدبية بحتة، أي تركيبات لغوية نابعة من منطق فني داخلي يحكم العمل ويشيع فيه، بل يرى في الاستعانة الحساسة بهذه العلوم دون جمود أو قسر أو تعالم، وفي صهر الثقافة لصالح تربية ذوقية جديدة، سلاحا نافذا في تحقيق هدفه الأساس”

 

الراهب ابن العطار

ولد عباس لأب عطار متوسط الحال يعمل في محلة جبران سوق المنتخب بالحلة، ولم يفكر في الزواج مثل غيره. كان في بغداد يسكن شقة بصحبة عدد من الأدباء وعن ذلك الزمن يقول الشاعر رزاق إبراهيم حسن “كنا في السبعينيات نشعر بوافر الأمان واتساع الأفق والأمل، ونحن لا نملك غير رواتب متواضعة وزهيدة، ندفع جزءا منها إيجارا للشقة، وننفق الجزء الأكبر في شراء ما يصدر من كتب ومجلات، وننفق المتبقي على مقتنيات الطعام والملابس ومستلزمات التأنس، ويضيف حسن “وعندما كانت تشحّ نقودنا إلى حدّ التهديد بالإفلاس قبل نهاية الشهر كنا نقلّل من إنفاقنا فننفق أغلب ما نملك من الفراغ على القراءة، ومع أن عبدالجبار عباس الذي جمعته معي شقة واحدة كثير التمرّد على الدائرة ورواتبها، لكنه لم يستسلم لضغوط الحاجة والفقر، وترك الأدب والقراءة لحسن الحال وتوافر الأموال”.

كان عباس لا يخجل من وصفه بالناقد الانطباعي كما يفعل النقاد العرب الذين يخافون من هذه المجاهرة بفعل ما أسماه بـ”الإرهاب النقدي الحداثي”، الذي تصاعد مع المد البنيوي، وهرعنا خلف غبار خطواته في النقد العربي دون تمحيص بفعل التبعية للآخر الغربي والانبهار العصابي.

 

الانطباعية كفكر

ولأنه بدأ شاعرا ثم ناقدًا في وقت مبكّر من عمره في ساحةٍ عراقية تشهد كثرةً في الشعراء حينها، وقلة في النقاد، سرعان ما كوّن عباس لنفسه نمطًا نقديًا وحضورًا فاعلًا في الساحتين العراقية والعربية ايضا، وبات يعترف جهارًا أنه ناقد انطباعي.

أعلن ذلك في الكثير من الحوارات، مخالفا الكثير من النقاد العرب بل وحتى في العالم، كونه الذي ظلّ ناقدًا انطباعيًا متفاخرًا بذلك، وأنجز شيئا منهجيًا في النقدية. بل إنه كان يقول ويؤكد إن “أغلب النقد العربي هو نقد انطباعي”، ولكن لا يوجد ناقد عربي يمتلك الجرأة التي يملكها عباس ويصرّح بما صرح بها كون الانطباعية لا تعني العلمية ولا تمتلك المنهجية، بل هي متهمة من وجهة نظر مسبقة في الثقافة الأدبية وإنها عبارة عن مزاج وممازحة الذات.

إن مثل هكذا ناقد يؤثر يترك أثرًا في توصيفاته النقدية الخاصة التي لا تشبه توصيفات الآخرين الذين اعتمدوا على المنهجية وابتعدوا عن التأثير الذاتي، بمعنى أن النقد يبدأ ذاتيًا وينتهي منهجيًا لكثرة المناهج والمصطلحات وهو الأمر الذي صرّح به عباس عن سبب تمسّكه بكونه ناقدًا انطباعيًا رغم وجود المنهجية في نقده، من أن القراءة تترك أثرًا وتكون بذرةً تنضج ثم تستحيل إلى النقد، وهي عملية دائرية إن صحّ القول في توصيف ما أراد قوله.

إن ذاتية عباس أنتجت نقدًا منهجيًا، والذات هي رؤية الخارج من الداخل، في حين أن الكثير أنتج نقدًا منهجيًا أكاديميًا وانزلق إلى الذاتية، فلم يحافظ على المنهجية ولم يدرك الانطباعية.

المسيرة العمرية القصيرة التي تقابلها مسيرة نقدية زاخرة كما يصفها البعض مكنت عباس من أن يظلّ أمينا لما اجترحه لنفسه من مقولات نقدية جعلته يبدو وكأنه غير منتمٍ إلى الآخر. وهو الأمر الذي يؤكده الناقد العراقي محمد يونس الذي يشير إلى أن النقد الانطباعي الذي ولده عباس كان المثال الأساسي في هذا النمط من النقد، والذي واجه به كمقدرة وعي معرفيّ للنقد، ما كان سائدًا من مناهج نقدية.

عبدالجبار عباس يقدم نقدا متطورا مبنيا على ناصيتين، الأولى تتم وفقها قراءة المضمون الفكري للنص، ومناقشة توجهه نفسيا وأنثربولوجيا وسوسيولوجيا، أما الناصية الثانية فهي تحليل لبنية النص وفق الوعي والمعرفة الذاتية.

لم تكن المناهج بجهة مواجهة لاشتغاله النقدي، لأنها كانت قاصرةً عن ذلك التنوع الإيقاعي لمنظومته النقدية الباهرة، والتي هي أعمق بكثير في عملية القراءة من الحدود التي يقف عندها النقد المنهجي، والتي جعلت تنوع إيقاعات القراءة النقدية أداة اشتغال أساسية لكن عبر مقدرة وعيه الذاتي.

 

أشواك الوردة الزرقاء

إن ما شكّله عباس لا يمكن عدّه سهلا لكونه انطباعيا، وإلّا لما كانت له كلّ هذا التأثيرات على جيل كامل من النقاد الذين جاؤوا بعده رغم بقائهم تحت عباءة المنهجية، لكنهم ظلّوا أسرى الانطباعية التي سار عليها الراحل عباس الذي شكّلت رؤاه النقدية كما يقول يونس.

يقدم ابن الحلة نقدًا متطوّرا للبعد الانطباعي، وعلى ناصيتين، الأولى هي الناصية الأساس التي تتم وفقها قراءة المضمون الفكري للنص، ومناقشة توجهه نفسيًا وأنثربولوجيا، مع الاهتمام بسوسيولوجيا الخطاب الذي يمثل وجهة نظر المؤلف، ومناقشة وجهة النظر تلك.

أما الناصية الثانية فيقول إنها تحليل لبنية النصّ وفق الوعي والمعرفة الذاتية وما ارتبط بهما من مقومات أخرى، فيدلّك بشكل مباشر إلى ما يقصد، ولا يغرب بك أو يشرق في متاهات افترضها هو.

إن هذه الطريقة وإن لم تكن وليدة اجتراحه، لكنها كانت طريقةً خاصةً بنقدية عباس الذي أثر في الكثير من النقاد من الجيل الثالث، إن صحّت عبارة الأجيال، بعد جيل الطاهر وزملائه وجيل عباس وزملائه والجيل الجديد من النقاد الأكاديميين الذين غادروا الانطباعية إلى التوصيفات الأخرى، التي تعطي مدلولًا علميًا ومنهجيًا، وهو حقّ غير مجانبٍ للصواب.

لكن عباس كان يدرّس النصّ وفق مستويات يراها قد أثرت فيه ذاتيًا، وهو الأمر الذي تطرق إليه الناقد محمد يونس أيضا بقوله إن “له قراءة وفق مستويات إبداعية مختلفة تاريخيا وأيديولوجيا أيضا”، وهنا يترك لنا انطباعًا مهما غفل عنه من درس نقده، حيث إنه أشار إلى إن قراءته ليست “سياقية” بل هي “نصية”، فتعامل مع نصوص كبار وشباب وفق التميز الإبداعي، وتلك كانت سمة مهمة لديه.

مما جعل يونس يرى أنه نقدٌ لا منتم، وبتجاوزه الأيديولوجيا ومحدداتها، تقدم إلى حرية اعتبارية وعيًا وتعاملًا نقديا، فهو قطع أشواطًا بهذا التمتّع من ميزة حرية التلقّي، والتي أهلته لأن يملك “حبكة منغمة” عجز غيره عن بلوغها.

كتب عباس مقالات نقدية في الآداب البيروتية وغيرها، وأصدر مجموعته الشعرية الوحيدة “أشواك الوردة الزرقاء” عام 1970 ليتوقف عن الكتابة الشعرية وليتجه إلى النقد فتصدر “مرايا على الطريق” بالتزامن مع مجموعته الشعرية عام 1970 وبعدها بعامين يصدر “السياب” ثم كتابه “في النقد القصصي”.

حطت رحاله في مصر أواخر السبعينيات وعاش هناك فترة من الزمن، كان يلتقي خلالها بنجيب محفوظ وأبو المعاطي أبوالنجا وغيرهم، ليرى في القاهرة مناخاً افتقده في بغداد.

تحول عباس إلى أيقونة عراقية، كتب عنه الكثير، حتى أنه صار جزءاً من النصوص الأدبية وليس النقدية وحسب. كتب عنه القاص والروائي العراقي عائد الخصباك “كان عبدالجبار عباس مشغولا بكتابة ملاحظات على حاشية ديوان ‘أفاعي الفردوس” للشاعر الرومانتيكي إلياس أبوشبكة، فأخرجته عن انشغاله أصوات نزلت من الأعالي، عادت الأصوات وتكررت: غاق غاق غاق. هب عبدالجبار إلى الشباك فتحه ونظر محاولا العثور على مصدر الصوت. تعالى صوت الأطفال وكانوا يلعبون في الزقاق تحت شبّاكه، نادى الأطفال سرب الطيور: يا غراب يا غراب/ حاج علي غاب/ بفلسين كمون/ سبع رارنجات/ عالـ نغ نغو/ علـ نغ نغو/ والله لا اشيلو و ارطخو/ فصاح عبدالجبار فرحا: الطيور المهاجرة عادت من جديد”.

آخر أعمال عباس الكتاب الذي أحدث ضجة في المجال الثقافي والنقدي العراقي وكان بعنوان “مرايا جديدة” وقد صدر في العام 1981. إنه الناقد الذي صرّح بأهمية النقد الانطباعي، فكان صاحب أثر مطبوع في النقدية العراقية، ورائدا يفتقد اليوم في الساحة العراقية التي ينقصها مثقف نقدي انطباعي من درجة عباس الرفيعة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر