المعاناة والحرية في شعر كاظم غيلان استثمر رمزية الماء بقصائده..

عدد القراءات : 3811
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
المعاناة والحرية في شعر كاظم غيلان استثمر رمزية الماء بقصائده..

الماء من الرموز المرتبطة بقوة في الحياة ،ومن معانيه الخير والخصب والطهارة والنقاء والتجدد والولادة، ولكن المياه العادية تروي ظمأ الجسد ، والكأس الذي يصبه لنا السيد المسيح (عليه السلام) ، يطفئ غليل الروح ، التي لا تعطش مرة ثانية بعد هذا الارتواء ، لكونها تحررت من عطش الدنيا وملذاتها الجاذبة ، وعلى هذا الاساس فانها لا تموت ، وتنعم بالولادة الدائمة التي اسبغها عليها يسوع. وبهذا الصدد تشير الكتب الدينية المسيحية المقدسة الى انه، ما من احد يمكنه الدخول في ملكوت الله ، الا اذا ولد من الماء والروح ، فمولود الجسد يكون جسدا ، ومولود الروح يكون روحا ، وما سير المسيح فوق البحيرة بلا قارب ، سوى الانتصار على الظلم والطغيان والاستبداد والطواغيت ، واشارة الى انه زورق النجاة . وفي القصيدة قدم لنا الشاعر كاظم غيلان ، اكثر من شخصية معروفة ، لها علاقة وثيقة بالماء والظمأ من دون ذكر الاسماء. احتفال كوني سعد صاحب

العرس في قصيدة كاظم غيلان (عرس الماي) ماء ونور وخمر وخبز وانتعاش، غير ان العريس هنا ، ليس فردا واحدا وانما مجموعة من الاولياء الصالحين، يتبادلون الادوار الاستشهادية ، في هذا الاحتفال الكوني السعيد.، فتارة يكون في المقدمة السيد المسيح، محاطا بهالة نورانية تسعد الخاطر، وتارة يكون صاحب الزمان، من خلفه كل الاوفياء التائقين الى يوم النشور، المرابطين في الثغور، المدافعين عن الوطن والدين والنساء والاطفال، وتاره يظهر الحواريون الاثناعشر.

اما العريس الارضي الذي يخاطبه الشاعر ، يغادر المكان بكل محبة ولياقة وايثار ، ويصبح واحدا من الحاضرين ، بهذا المهرجان القدسي العظيم ، ويترك المجال للانوار المشعة، كانت الصورة كبيرة تضم ايضا ، الحسين والعباس(ع) والخضر والقاسم والحلاج، وماركس وسقراط وصويحب ومصطفى العذاري ، ومختلف الرجال الذين عانوا من الظلم والاجحاف والنكران والانتهاك وتعرضوا الى الجوع والعطش والصلب والقتل والمعاناة ، من اجل الحق والانصاف والعدل والحرية والعقيدة، وغاب عنها الكاذب والمنافق والدجال والمتلون والخائن وصاحب الوجهين والمرائي .

(كذلتك ساكنه الماي /جبينك بالرمل يسبح / يسولف والاسرار تروح ويه الريح /يالطولك منارة ونابتة بروحي هظيمة اطيح /انت الجادحة عيونك على الدولة / انت العاشك الحالم / انت مراكض ادهم تركض / وتسحك الف حاكم / ياعريس هذا الماي /بهدومك اشمن ريحة القاسم).

الخمرة الجديدة 

الرجل العادي شرب خمرته وتلاشى وصاحب الخمرة الجديدة ، المتجددة بعد كل نفاد ، فانه العريس الحقيقي المتألق بين حوارييه ، المنسحب الى البرية الشاسعة ، حيث غادر الناس منفردا، ومكث فيها وصام اربعين نهارا، وروض الوحوش في الصحراء ، وعاد منتصرا على الشيطان المغوي ، كما يقول انجيل يوحنا . وتؤكد المصادر، ان اختيار السيد المسيح لعرس (قانا الجليل)، كمشهد افتتاحي لاعلان المجد والانتصار والكمال ، غايته نشر الفرح والتسامح والاخوة والابتهاج ، وكما هو معروف ارتباط رمز الخمر ، بالمسرة واللذة والسعادة والهيام ، والتحليق عاليا في الخيال بلا حدود ، وما يلفت النظر بمعجزة تحويل الماء الى خمر ، معنى التحول وعلاقته الوطيدة بالخلود ، وكثرة الدلالات التي تتكاثر بافعال التعجب والادهاش والحيرة ، وانتقال الشارب من حال الى حال ، انها تحدث الاعاجيب في النفوس الحزينة المنكسرة ، وتقلب الاعالي الى اسافل ، وهي ملاذ الفقراء الوحيد لمقاومة الزمن القاسي ، ومكان راحة والتقاء ، لكل محبط وبائس ومكسور وخائب . انتبه الصوفية المسلمون لذلك ، فوظفوها كرمز لا يمكن الاستغناء عنه ، للافصاح عن الكثير من حالات ، العشق والوله والوجد والتماهي التي يمر فيها السالك ، حينما يغيب عن نفسه ، وعن كل ما موجود من الكائنات ، مثلما يطير السكران الى ذرى الخيالات الغريبة ، وهو في نوبة جنونية قصوى ، من الغياب والنشوة والايناس ، وللخمرة علاقة وثيقة بالدم ، فالنبيذ المعتق في كنائس النصارى ، احمر يشبه لون الدماء ، والجانب الاخر تدفقها بشكل مريح ، في كل مكان من الجسد . (مايحله الليل بلا كمره /ما يسوه الليل بلا سكره/ واشعار تعربد بالراس /ورجفة خاطر تاخذني بليل الوهواس /تاذخني الغفوة بلا هندس / والمح امي باخر شيله / اتلملم كل شيبات الراس /تنكط دمعات وتتسودن / روحي الحاير بيهه وبيه / ذباني الطيف ولن صدفة / شفت امي بنصب الحرية ).

الشهيد العطشان 

تزين العريس ليوم موته باحلى الثياب ، وعطر نفسه باحسن العطور ، وكان في حالة سعيدة ، لان رسالته تمت ، واكمل كل اوامر السماء ، وقاوم في الفترة الحرجة الشرور والخطيئة والمعاصي ، وقبل صلبه احس بالعطش المر ، فصاح بالجموع الغفيرة انني عطشان ، لكن الجنود القساة سقوه خلا بدل الماء ، وبعد صلبه تقاسموا ثيابه الطاهرة، وطعنه احدهم بحربة مسننة ، فلم يصرخ او يتحرك ، وهذا يدل على موته كانسان فارق الحياة ، وتفنيد لمن يدعي ، بكونه لا يمتلك جسما حقيقيا مثل الناس ، وصواه الذي مات فوق الصليب.

المسيح لم يتعرض لكسر الساقين ، هذا العمل المخزي الذي كان يقوم به اليهود ، للاسراع بموت المصلوبين ، قبل قدوم يوم السبت المقدس عندهم ، اعتقادا منهم بان سيقان الموتى تنجس الارض. جاء في الانجيل (اما الذي طعنوه ، فانهم ينوحون عليه ، كما يناح على الوحيد ، ويبكون عليه بكاء مرا ، كما يبكى على الولد البكر).

واكثر الذين تأثروا بهذا المشهد الحزين ، امه الحاضرة مع بعض النسوة ، التي بقيت الى يوم وفاتها تعاني من الالام .

(جدمك يكطع فجوج المنايه وما يرد تعبان / منك طشت الغربان / تاهت عمت بالدخان / والشمس المغربه توسلت طولك / تريد اظل ولو نيشان)

شجاعة امرأة 

وبعد هذه الجريمة النكراء ، جاء يوسف الرامي وهو رجل غني ، يطالب بجسد عيسى المسيح ، ليدفنه في قبر داخل البستان الذي استشهد بجواره ، وقدم نفسه اضحية الى العالم ، وبعد نقاش طويل استلم الجثمان ، ثم لفه بكفن ووضع معه الاطياب والعطور والحنوط. 

مريم المجدلية التي شافاها من مرضها، واخرج من دواخلها الشياطين، وطرد الارواح السوداء الحاقدة الشريرة، ذهبت الى القبر بمفردها وقت الظلام، ويا لها من امرأة شجاعة لا تهاب العواقب ، استغربت عندما وجدت القبر مفتوحا ، وتطايرت من حوله الاحجار ، ولم تجد بداخله المصلوب ، الذي قام ثانية حيا من بين حشود الاموات ، لكنها في الظلمة الحالكة ، رأت ملاكين بثياب بيض ، خففا عنها وطأة الوحشة والرهبة والمصيبة . 

لم يرتجف المسيح خائفا من الموت ، رافضا لغة الانكسار والتذلل والهزيمة، او استدرار العفو والعطف والحنان من الحاقدين ، لانه سوف يلاقي وجه ربه المأمول ، الباقي على مر الدهور ، والحاكمين الى زوال . 

الكائن الارضي في قصيدة كاظم غيلان، تعرض الى الاتهام والسجن والتخوين، والمطاردة والتكفير والحصار والمضايقة ، وبقي لوحده مجابها، العوز والتشرد والعذاب بلا تبرم ولا شكوى، يعيش حالة فريدة من التنافذ والتخاطر والصبر والفراسة ، معتمدا على همته القوية ، بالنصر على كل غاصب اثيم.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
زمن حنان الفتلاوي ... تفاصيل أكثر
داود سلمان الشويلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر