الروائي خضير فليح الزيدي: ثمة شرطي يقبع داخل كل كاتب عراقي

عدد القراءات : 125
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الروائي خضير فليح الزيدي:  ثمة شرطي يقبع داخل كل كاتب عراقي

حنان عقيل 

 

ما بين الكتابات المندرجة تحت تصنيف الرواية وكتابات أخرى في إطار السرد المجنّس ثمة خصوصية تطبع كتابات العراقي خضير فليح الزيدي، الذي تشي أعماله المتتالية بمشروع أدبي يعمل عليه الكاتب ويسعى لأن يضيف له المزيد من اللمسات والتفاصيل مع كل عمل جديد.

يُبين الزيدي أن الكتب التي أنتجها سواء كانت روايات تخضع لاشتراطات الكتابة الروائية من حيث بنيتها السردية وتقانتها ولغتها أو تلك التي أنتجها في إطار السرد غير المجنّس؛ مثل ما كتبه في إطار السرد عن أدب المكان في كتاب “أمكنة تدعى نحن” ثم عناوين ومتون أخرى مختلفة الاهتمامات عن حياة الجنود في الجبهات عن الباب الشرقي كمكان هامشي والكتابة عن الطعام العراقي في كتاب “تمر ولبن” ومدى خاصية تاريخية المأكل بخصوصيته العراقية. ثم كتابة الرواية العراقية الجديدة في ست روايات مختلفة المواضيع. في كل ما تقدم يتوزع مشروعه الأدبي في ترسيخ خاصيته الأدبية كواحد من المشتغلين في الحقل الأدبي الجاد.

 

هندسة البناء

المشروع الأدبي يحتاج إلى ضخ المنتج الأدبي المتواصل مثلما يحتاج الثبات في بلورة اللغة الخاصة والرؤية الفكرية في زاوية النظر للوقائع التاريخية ولحظة الحاضر الماثلة. ليس لإظهار التناقضات بينهما بل في تأمل الأشياء من الخارج والداخل. فلم تعد الكتابة الروائية قضية مزاجية أو إلهاما فوقيا أو حالة نرجسية داخل الذات الكاتبة، بل هي قضية اشتغال فكري وميداني لملاحقة الأمكنة وبحث في تفاصيل الوقائع وتدقيق في الوثائق والمخطوطات قبل الشروع في لحظة الكتابة على الورق أو خلف الكيبورد. المخططات والسيناريوهات الابتدائية هي عملية شاقة في رسم البناء السّردي ثم ملاحظة حالات النمو للشخصيات، لا توجد أي نيّة للانزياح اللغوي أثناء الكتابة مطلقا، بل المخططات المرسومة مسبقا هي التي تعمل مثل عمل الهياكل في البناء حتى لحظة الوصول إلى عملية التشطيب النهائية. حتى عملية اختيار اللغة المناسبة لكل شخصية فهي تتبع نظاما دقيقا في لحظات سيكولوجية مرسومة لكل شخصية سواء كانت حقيقية أو متخيلة. الكتابة الروائية الناجحة تشبه إلى حدّ بعيد بناء العمارات وهندسة البناء وجمالية العمارة تشبه لغة الرواية وهندسة البناء السردي فيها.

 

المركز والهامش

الاهتمام بالذات المهمشة، بالتفاصيل الأنثروبولوجية والمهمش التاريخي والاجتماعي من المحاور التي يهتم بها الزيدي كثيرًا في كتاباته، وهو اهتمام خاص ربما يحمل دلالات مختلفة في ضوء الأحداث المحورية والتغيرات الكبيرة التي تتوالى على العراق. يرى الزيدي أنه بسبب الصراع الذي أصبح أكثر مأساوية بين المركزي في حلبة الضوء ونظيره الهامشي المنبوذ تحت خيمة الظلام، فالحياة الاجتماعية العراقية غالبا ما يرسم مساراتها المهمشون والمنبوذون ويختطفها أهل المركز. المركز وهامشه هو صراع ما بعد الحداثوي الذي رصدته الدوائر التنظيرية ما بعد عصر الكولنيالية. صباغو الأحذية من الشمامين والمخدرين في الأزقة المظلمة، أو سراق النهار والعتالين وباعة العلكة في تقاطع الطرقات لهم جمهوريتهم السرية التي رسموا دستورها السري. هي أوسع من جمهورية المركز حتما في تضخم نفوذها في تغيير السلوكيات العامة وأنماط المعيشة، فالمساحة الهامشية المنبوذة بدت أكثر تأثيرا والمساحة المركزية البراقة أخذت تتقلص في عالم اليوم.

ويضيف “تلك هي رؤيتي التنظيرية الشخصية عن تفكيك ثنائية المركز الهامش. لذلك أجد نفسي منقادا لتطبيع نصوصي منذ زمن بعيد وهي مغمّسة برائحة السكارى وأحلامهم المحبطة، ورؤى العاهرات وبنات الليل في النظر للحياة، والنشالين والعتالين في طموحاتهم اليتيمة. هؤلاء هم من استقدموني ككاتب شغوف بالمسكوت عنه والمحظور من الكتابة الأدبية.

أدرك أن للكتابة الأدبية مستوياتها في النظر لعمق المجتمع. الكتابة بين ما هو مغرم في بلاطات السلطة وأروقتها وشخوصها ومستوى مؤامرات الدهاليز السرية، وبين ما هو مغرم في القيعان السحيقة و”مجتمع الحواسم” الذي يقابله مجتمع العشوائيات في مصر.

كانت محاولتي المحفوفة بمخاطر النبذ والرفض لزج النظريات الأنثروبولوجية في الكتابة السردية كما حدث في كتابي الأخير ‘”شاي وخبز” وهو كتاب عن الحكاية العراقية بمقاربة أنثروبولوجية النص، إخضاع هذه النظرية في متن سردية الحكاية. وهي مغامرة لتطبيع السرد وفق أطر أنثروبولوجية للحكاية العراقية المهملة والمتروكة من سلّة تاريخ الحكايات”.

 

الحس الجغرافي

ثمة اهتمام محوري بالمكان تتبدى سلطته فيما يسطره الكاتب من اهتمام بأدق تفاصيل أحياء وأزقة داخل مدن العراق. يقول الزيدي “يخضع المكان وسلطة تأثيره السحري إلى مرجعية ثقافة الكاتب وحسه الجغرافي في تلمّس الطريق إلى قلب الأمكنة الأليفة، وليس للمزاج وسطوة سحر الأمكنة أيّ تأثير عليه. كلما أزور بلدا ما، تراني أترك الطبيعة الخلابة وجمالها الأخاذ والحياة الملونة بجبالها وخضرتها ووديانها وشلالاتها، وأنقاد مسحورا إلى الأسواق الشعبية والأزقة المتفرّعة منها بمتاهاتها متأملا حياة البسطاء من الناس في نمط المعيشة وتعاملاتهم اليومية وأحلامهم، في المقاهي أو في محال عملهم أو على عتبات بيوتهم، وحتى تكتمل الصورة برأسي يكون عليّ أن أتعاطى معهم لمعرفة أسرار حيواتهم وسر كينونتهم”.

ويشير الزيدي إلى أنّ لحظة ما بعد الاحتلال الاميركي للعراق (2003) أزالت اللثام من جديد عن بواطن منجم الشخصية العراقية. فثمة فرق شاسع ومفاهيمي بين الشخصية والذات في الدراسة الاجتماعية والتطبيق الأنثروبولوجي عن الذات العراقية المحطمة بمطارق العنف السياسي والديني والسطوة العشائرية الثقيلة. السياسة العنيفة والتدين العنيف والعصبية القبائلية أفرزت لنا تشظيا بائنا في الذات العراقية وهذا ما طرحته في كتابي ‘شاي وخبز” من جلب الحكايات العراقية التي تتسم بهذين الجانبين. فالواقع العراقي هو واقع درامي محتدم جدا، وتاريخ الوقائع العراقية متوالية مأساوية يدعمها التاريخ العراقي الملتبس والتائه ضمن جغرافية واسعة قلقة متهلهلة وتاريخ عنيف ودموي.

 

الرواية العراقية

ينضج المشهد العراقي بعديد من الأعمال الروائية التي نجح كثير منها في نيل جوائز عربية مهمة. يرى الزيدي أن الرواية مرت تاريخيا بمسارات ليست قليلة منذ انطلاقها ولغاية اليوم، ورغم انطلاقتها التقليدية في نهاية عشرينيات القرن العشرين -رواية محمود أحمد السيد- وحتى السبعينيات من القرن نفسه لم تكن رواية مائزة أو تستهوي القراء كما الرواية المصرية التي اعتمدت على حكايات الأزقة والأحياء الشعبية، بل كانت رواية صالونات أدبية ورواية نرجسية حتى تعافت في نهاية القرن العشرين. وانطلقت بقوة كل المخطوطات السرية الحبيسة تحت نير النظام الدكتاتوري، أو تلك الروايات الانفعالية التي اعتمدت الفضائحية منهجا أو الشتم والسب الساذج للنظام البائد أو تلك التي تصف التعسف والظلم للنظام الدكتاتوري.

البداية الفنية للرواية العراقية الجديدة انطلقت ما بعد 2010 وهي السنة التي تؤشر بقوة إلى رواية عراقية تتفوق كثيرا على مثيلاتها المكتوبة باللغة العراقية. هذا المؤشر الذي يرسم خطى النهضة الروائية العراقية اعتمد عودة نظام الحكاية إلى المتن النصي مع قوالب فنية تجريبية أذهلت لجان التحكيم في الجوائز الكبرى، حتى أصبحت المنافسة الروائية مشروعة وهي تسير بخطى متسارعة ليفرز هذا الكم المتضخم عن نوع إبداعي أثار لغطا عظيما. ويعود السبب في هذا الانفجار السردي الكبير لتجدد وتواصل الدراما العراقية في كل شارع أو مدينة عراقية وتدفق المأساة العراقية دون رحمة.

 

عزلة كريستالية

يلفت الزيدي إلى أن الكاتب المثالي يعيش عزلته المحببة لذاته، عزلة كريستالية، لكنه يطل على العالم من خلال نافذته الخاصة. ومهما كانت عزلته فمن المؤكد ستطل عليه أخبار العالم الخارجي. ينفعل ويتفاعل معها بكل تأكيد وربما تنهار كل السدود والموانع الذاتية التي عمل على تحصينها دهرا من الزمن. لذلك فالكاتب ابن عصره وتاريخ المنطقة التي يطل عليها سيكون تاريخه ومادته الحكائية. لا يمكن للكاتب أن يغمض عينه عما يجري في المحيط أو الجوار. بيئة الكاتب هي البيئة الحياتية الاعتيادية التي يعيشها معظم البشر، فيما ستظل العلاقة ما بين السياسي والثقافي علاقة تنافر مقصود، فالسياسي يحب امتطاء الأيقونة الثقافية لغايات براغماتية، وهذا ما يدركه المثقف الواعي ويحاول أن يبتعد عن دهاليزه ومؤامراته.

نسبية التابوهات

يشير الزيدي إلى أن التابوهات انتقلت إلى الساحة الأدبية ونفوس الأدباء في الأزمنة الأخيرة بتأثير من السياسة. وهي نسبية بين منطقة وأخرى، بين بلد وآخر، بين مدينة وأخرى، بين ثقافة وأخرى، بين وعي وآخر. في العراق المعاصر مثلا ثمة شرطي يقبع داخل كل كاتب يراقب بدقة ما يبوح به، أحيانا يشطب ويعدّل الأفكار وأحيانا أخرى يحذف بقوة كل ما كتبه الكاتب. هو شبح سلبي لشيطان الكتابة، يضع الخطوط الحمراء على الكاتب كي لا يتجاوزها، لكن الكاتب الماكر يمرّر أفكاره بمهارة فائقة من تحت عين الرقيب الداخلي. الرقابة في العراق انتقلت من رقابة خارجية تعسفية في ممنوعات الكتابة وعدم الإجازة للنشر إلى رقيب داخلي يحذف قبل الخروج إلى الضوء.

يقول الزيدي “الكتابة مصير بالنسبة إليّ، هي الشرط الوحيد المتبقي للحياة. الكتابة هي عشبة مؤقتة لحلم الخلود والمجد لتخليد الاسم الأدبي، ورغم موجة الوهم العظيمة التي تشعرني بالغثيان من شعوري بالعدم واللاجدوى لكن الكتابة تتحول إلى مضاد رغم شعوري بانتهاء صلاحيته في معظم الوقت المتبقي لي على قيد مهزلة الفناء والوجود”.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
سلام مكي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
محمد صادق جراد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر