'ألماس ونساء' .. وَجْه التاريخ الأنثوي

عدد القراءات : 176
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
'ألماس ونساء' .. وَجْه التاريخ الأنثوي

كه يلان محمد

 

إذا كانت الريادة في سرد الحوادث الناجمة عن الحروب حتى الآن، قد دانت للخطاب الفحولي، فإن الروائية السورية لينا هويان الحسن تُريد انتزاع مكان لصوت الأُنثى في سيولة السرديات التي قدمتْ عن الحرب. كأن لسان حالها يقول السرد الذي لاُ يؤنُث لايُعول عليه. لذلك تجدُ بأن شخصيات روايتها "ألماس ونساء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر، جُلها من النساء لا يَتَرَوَضْنَ تحت مظلة التقاليد التي أرسى مداميكها من أراد تغيب هوية المرأة.

تكمن أهمية هذه الشخصيات في قدرتهن على تحويل الهامش إلى المركز. كما يمنحنَ سِحرهنَ على الأمكنة إذ تغدو المُدنُ مُحملةً بقصص (رومية خانم، ألماظ، بابور، نادجا، برلنتي)، يمكن توصيف هذا العمل الروائي بأنه رواية المدن والنساء بامتياز، لأنَّ الإهتمام بالتصميم العُمراني والتحولات التي تشهدها ملامح مدينة دمشق، يأتي موازياً مع التركيز على مصائر الشخصيات المتناثرة بين قارات مختلفة. وهذا ما يتبين بمجرد مقاربتك لعتبات الرواية، حيثُ تستشهدُ الكاتبة بمقتطف من كلام مارك توين عن مدينة دمشق. كما أنَّ عنوان العمل بوصفه مفتاحا تأويلياً يُحِددُ لك التركيبة الداخلية للنص.

 

• هَويات مُلْتبسة

تتميز شخصيات رواية "ألماس ونساء" بعدم امتلاكها لهوية مُحددة، وربما قصدت صاحبة رواية "سلطانات الرمل" تبني هذا الأسلوب لبناء شخصياتها، لتكشفَ بأن في زمن الحرب تتلاشى الهويات، ويختفي ما يُكِسب الإنسان خصوصياته، كما أن نسبة كبيرة من مآسي الحرب تقعُ على النساء، ربما هنا صورة نادجا وهي إحدى الشخصيات النسائية تُلخصُ كل معاناة الجيل الذي يُقَدَرُ له أن يُعاصر زمن الحرب، كذلك الأَمرُ بالنسبة لأمها التي تجرعت مرارة الخسارة والتجاهل في حانات باريس وهي راهنت على رقم ثلاثة عشر (تريس) لكن هذا الرقم أوصلها إلى نهاية بائسة. ومن ثُمَّ يظهر وجه آخر، دونيا لوليا التي اضطر عَمُها لبيعها في المجاعة وهي واقعة تحت رحمة الضُباط الفرنسيين في جزيرة أرواد.

لا تكون الآلام محصورة بمنطقة معينة بل تمتد إلى القارة الأفريقية، إذ لور وكارو فتاتان أفريقيتان تهان مشاعر الأولى في حفلة استهتارية لعرض أجساد النساء وذلك يترك جُرحاً غائراً في أعماقها، كما أن الاثنتين تتمثل مهمتهما في بيت كونت كرم في توفير الخدمات الليلية للأخير.

ولاتنفردُ النساء بالحضور فحسب، بل يتواجد الرجال في هذا العمل غير أنَّ الوظائف التي تقوم عليها بنية الأحداث ترتبط بالمرأة، زيادة على ذلك فإن شخصية الرجل تبدو نمطية إلى حد كبير باستثناء محمود بكباشي وخولين كراسوف الأولُ على رغم عدم تخصيص فصل باسمه لكن بانتقالاته تتحول إلى شخصية غامضة الملامح.

ويثير محمود البكباشي فضول المتلقي عندما يجمعه اللقاء بكونت وزوجته على متن الباخرة أوره نوف ولا تنفك شفيرة هذه الشخصية إلا مع تعاقب فصول الرواية، كما الثاني يفرضُ نفسه برصانة أفكاره وهو الوحيد الذي شعرت ألماظ معه بالأمان.

بخلاف ذلك، تكون الشخصيات النسائية مدورةً لا تستقر في إطار واحد ولا تحمل اسماً واحداً بل الأسماء تتغير مع تغير الجغِرافيا، كما أن الديانة لا تكون عنصراً ثابتاً لدى بعضهُنَّ، وذلك ليسَ انحيازاً من الكاتبة للمرأة بقدر ماهو تعبير عن توق النساء لصناعة مصائرهنَ. بجانب ذلك يتخذ جسدُ النساء وظيفةً إشهارية ضد النظرة الذكورية التي تَمحق الجانب الأُنسوي في الأُنثى، كما أنَّ الجسد يكتنز بدلالات الرغبة للتحرر وممارسة السلطة وذلك ما يتجسدُ في شخصية (برلنتي) وشخصية لوليا دونيا.

 

• أمكنة مًتداخلة

قد لا يختلف تناولُ الروايات الحديثة لعنصر المكان عن آلية التعامل مع مكون الشخصية. إذ صارت الأمكنة مُشخصنةً بحيثُ تحْمِل ملامح الشخصيات التي تتوارد داخل المساحات المكانية.

هنا في رواية "ألماس ونساء" تتعدد البنية المكانية كما يتشابكُ المكانُ مع الزمن والحدث والشخصية إلى أن تتكون هذه العناصر بأسرها فضاءً يشمل كل الأمكنة المتفاوتة، إذ تجدُ الشخصيات في حالة زئبقية ولا تَسكنُ في حيز واحد، بل تمتد مدارات حركتها من دمشق إلى ساو بالو وبوينس أريس مرورا ببيروت والقاهرة وأثينا ومرسليا وباريس.

ولاتأتي هذه الوحدات المكانية لملء الفراغ أو إضفاء الزخرفية لبنية الرواية، بل يكون الهدف من ذلك هو إيجاد التعارض بين المدن وأطوار الشخصيات في تلك البيئات المُختلفة، وذلك الأمر يتجلى عبر أدوار النساء في مدن الشرق مع حالة تثوير الطاقات النسوية في المهجر إذ تندمج االشخصيات في ساوبالو في حركة السوق والنشاطات الثقافية، وتلمع أسماؤها في مجالات مختلفة بعكس ظروف المجتمعات الشرقية التي تقولب أبناءها لاسيما المرأة.

 

• الراوي المؤدلج

ينفذُ الراوي إلى بواطن شخصيات الرواية ويسبر دهاليز تخيلاتها، ويتحكم الراوي العليم بمسار الراوية من البداية إلى الصفحة الأخيرة، وأحيانا لا تنطلي شخصية الكاتبة المختفية وراء الراوي على المتلقي بل ينتبه القارئ إلى وظيفة الراوي الأيدولوجية الحاملة لآراء المؤلفة، لاسيما عندما ينقلُ على لسان شخصية برلنت كلاماً عدائيا ضد اليسار هنا نسمع صدى كلمات إحدى شخصيات ثرثرة فوق النيل عندما تعبر برلنت عن مقتها للثورة التي تنتهي بجني الرعاع لثمارها.

ولا يتوقف هذا التماثل بين الكاتبة والشخصيات النسائية أو الراوي، بل تتلبس أيضاً شخصية الرجل عندما يتحدث عن مكائد النساء وما يخبئن وراء ابتسامتهنَ. بجوار الوظيفة الأيدولوجية يقوم الراوي بوظيفة إرشادية حيث يذكر التواريخ المعينة خصوصا ما تتعلق بمحطات مهمة في حركة الجمعيات المناهضة للعثمانيين، أو افتتاح أول جامع في مدينة باريس، كما يتبع الراوي الأسلوب نفسه عندما يذكر سلالة شخصية بوتان الكردي. بجانب كل ذلك يضعك هذا العمل في صورتين مغايرتين لدمشق التي هي مدينة الأم، في الأولى هي مدينة كوزموبولتية قد تصادف فيها البشر من كل الأجناس، وفي الثانية صارت مدينة مزيجة من المخادعين وأصحاب السوابق وكتبة التقارير.

يبدأ هذا العمل برحلة ألماظ خانم مع زوجها كونت كرم الذي يشغله من يحافظ على اسم عائلته إلى باريس وينتهي بمغادرة برلنت لدمشق مع كارلوس. وبين الحدثين تضج الرواية بوقائع وتطورات صنعتها شخصيات منسية عاشت في أجواء الحرب والتحولات التاريخية.

 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
سلام مكي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
محمد صادق جراد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر