مقهى "أبو جاسم" ملتقى الأدباء والمثقفين

عدد القراءات : 6239
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مقهى "أبو جاسم" ملتقى الأدباء والمثقفين

كتب- أحمد الغانم 

سالم وريوش الحميد

 

تعد هذه المقهى واحدة من أشهر مقاهي مدينة الثورة آنذاك.. تقع في قطاع 42 حيث صارت ملتقى لكل الأدباء والمثقفين والرياضيين التقدميين، وتحديدا الشيوعيين الذين كانوا بمثابة معين لا ينضب لنشر الأفكار الماركسية والتقدمية بين الشباب وتوعيتهم، وكانوا لسان الحزب وجريدته الناطقة.. فكانت أشبه بمقر غير معلن للحزب.. ويكفي أن روادها كبار الكتاب والشعراء والمثقفين, فكان منهم الراحل كاظم اسماعيل الكاطع, عريان السيد خلف ، وفالح حسون الدراجي وكريم العراقي وغالي الخزعلي والشهيد كاظم فياض وجمعة الحلفي وفاضل الربيعي ورحيم العراقي وغيرهم. هؤلاء القامات السامقة والذين مازال عطاء الكثير منهم قائما، كانوا رواد مقهى (أبو جاسم)، واسمه السيد محمد حميد، والذي مازال جذوة متقدة من الأمل، وذاكرته مشحونة بعشرات الذكريات عن نضال الحزب ،وعن هذه المقهى التي كانت تؤرق مديرية أمن الثورة / القسم السياسي، حتى أرسلت مخبريها لغرض مراقبة روادها والتحري عنهم وخصوصا (أبو جاسم).. الذي قال إنه رغم ما لاقاه من أذى وحرمان واعتقالات متكررة، إلا أنه غير آسف ولا نادم على ما فات بل كان فخورا بتأريخه.. لأنه بقي مخلصا ووفيا لمبادئ الحزب ولم يهن ولم يضعف أمام جلادي البعث..

تحدث أبو جاسم حديثا طويلا وشيقا عن تأريخ المقهى وما كان لها من دور تثقيفي لأجيال كثيرة من الشباب، الذين كانوا يتوافدون بشكل يومي للتعلم من مناضلي الحزب ورواده، فتبهرهم قدرة الرفاق على الإقناع وسعة أفقهم وثقافتهم الشاسعة وهم يتناولون الأحداث السياسية والثقافية والعلمية على مدار الساعة ، لينهلوا من تلك الأفكار الثورية..

وعن كيفية مجيء فكرة المقهى قال:

- كانت في المدينة طاقات ثقافية وعلمية وفنية كبيرة.. ورغم كثافة ساكنيها لكن لا توجد هناك مجالات لتخريج هذه الطاقات، وإن وجدت فكانت عبارة عن مقاه للهو ولعب الدومينو وهدر الوقت، ولجمع هؤلاء تحت مظلة واحدة، قررت أن أنشئ هذه المقهى اعتمادا على إمكانياتي الذاتية.. في نهاية الستينيات وبالتحديد 1968حيث كنت خارجا من السجن ومطرودا من الجيش.. قمت بفتح هذه المقهى وكان الهدف منها أن تصبح قاعدة ومنطلقاً لإقامة أوجه عدة من النشاطات الجماهيرية مستثمرين بذلك الحراك السياسي والثقافي والرياضي في المدينة، وتوجه الناس إلى متنفس لطرح أفكارهم الحرة فيه ، و الحقيقة أن المقهى لم يكن لها هدف مادي، وهذه واحدة من عوامل استقطاب الشباب لها ، حيث كانت تعتمد على تبرعات الأصدقاء .. وكانت هناك (طاسة) إناء من الفافون يلقي فيه من يريد أي مبلغ كان .. والذي لا يريد أن يدفع لا حرج عليه .. و في كثير من الأحيان كانوا يأخذون من هذه الطاسة لأن البعض كانوا لا يملكون نقودا، ولم تستغل مطلقا هذه المبالغ استغلالا سيئا لأن الكل كان يتعامل بصدق والكل كان يريد أن يديم بقاء المقهى، لأنها أصبحت مصدرا للغذاء الروحي والثقافي للجميع، فكانت مصدرا لإلهام البعض من الأدباء والشعراء، كون لا يوجد فيها تلفزيون ولا دومينو، لكن كان هناك شطرنج فقط! .كان نظام الخدمة فيها اخدم نفسك بنفسك، وكانت تفتح في الساعة الرابعة عصرا، وتغلق الساعة الثانية عشرة ليلا ( ثم ضحك وقال مستطردا ): إنها أول تطبيق للمشاعة، وقال "قد تنوع نشاطنا بين تثقيفي وفني ورياضي وترفيهي وتبادل للكتب الثقافية والسياسية، حيث كنت أعمل جاهدا على توفير النشرات الداخلية وكراسات مؤتمرات الحزب وكراسات الرفيق الخالد فهد والكتب التي تصدر من دار التقدم والكتب الماركسية .. كنا نتبادلها سرا ".

في الرياضة، أنشأنا فريقاً أطلقنا عليه اسم فريق اتحاد الشعب والذي كان يديره الشهيد كاظم فياض، و من لاعبيه المتميزين عادل كاطع، ورسن بنيان وأشخاص كثيرون .. أتذكر أننا حينما ذهبنا إلى الحلة للعب مع فريقها .. استقبلنا بحفاوة بالغة من قبل أهل الحلة، واذكر أن الهدية التي تم تبادلها مع فريق الحلة، هي قطعة فنية لرأس لينين منحوتة من الجبس.

وفي المجالات الترفيهية، كنا ننظم سفرات مختلفة حيث لا يكاد يمر شهر إلا وذهبنا بسفرة، كنا ننشد فيها للحزب و نتغنى بالوطن، ولم تكن حكرا هذه السفرات على الشيوعيين بل كانت تشمل الأصدقاء والأقارب والمتعاطفين مع الحزب .. وأتذكر أن آخر سفرة لنا كانت إلى سدة الهندية حضرتها الراحلة زكية خليفة. وقد  أغلقت المقهى ثلاث مرات ولفترات قليلة بعد تبليغي من قبل أمن الوحدة بالحضور لغرض معرفة ما ترمي إليه نشاطاتنا والتي كانوا يصفونها بأنها مناوئة للثورة، وبعد التهديد والوعيد، اطلق سراحي في المرة الأولى، وتم إغلاقها لمدة يومين ، وفي المرة الثانية اغلقت لمدة ثلاثة أيام ، ثم أغلقت المقهى نهائيا عام 1974 بعد أخذ تعهد خطي مني بإغلاق المقهى نهائيا وإلا تعرضت للمساءلة القانونية باعتبارها أحد أو كار الشيوعيين.

 وحين سألناه.. من تتذكر من رواد هذه المقهى قال:

- لا تصدق إن قلت لك أن كل روادها بالأمس هم من يتبوؤوا المشهد الثقافي والسياسي اليوم وقد يكون الجميع شبابا في ذلك الوقت .. فهناك الكثير من الأسماء التي مازالت راسخة في ذهني .. مثل خلف الشرع الشهيدين ياسر عبود ، شاكر أبو صمد والشهيد خيون شقيق الشاعر فالح حسون الدراجي .. وعبد الحسين فالح أبو شروق وخالد جازع الذي يعيش في المنفى حاليا، وعلي الواسطي وكريم فالح وسيد حنين ووادي السليماوي .. وأنا إذ أستذكر هؤلاء انما هو جزء من الوفاء الذي يستحقونه، وكثيرا ممن لا تسعفني الذاكرة لذكرهم. كما أذكر اني ساهمت في عقد أول لقاء في تلك المقهى بين الشاعر عريان السيد خلف والشاعر حسن المرواني صاحب قصيدة أنا وليلى، وقد قال حينها الشاعر عريان ( ميلاد شاعر وكأنه ميلاد لمتنبي آخر ....) كنا في حركة دائبة لا نكل و لا نمل.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
سلام مكي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
محمد صادق جراد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر