حين خجلت من الفكرة

عدد القراءات : 272
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
حين  خجلت من الفكرة

عدنان الفضلي

حتى هذه اللحظة مازلت خجلاً من نفسي حين فكرت ذات صيف مضى فقط، بشراء مظلة وقبعات ، لامرأة تفترش الأرض بالقرب من إحدى الساحات هي واطفالها ، نعم انا خجل من تلك اللحظة ، لاني كان من المفترض ان أحلم بالنيابة عنها ببيت نظيف يلمها واطفالها، وقوت تحصل عليه من حقها الذي سلبه منها أبناء المنطقة الخضراء ، من دون استثناء هذه المرة ، فحتى من لديه ذرة من الوطنية والمواطنة مطالب بانصاف هذه المرأة ومن هم على شاكلتها.

 المرأة هذه بعمرها الثلاثيني بحسب ملامحها، أبت إلا ان تبقى عراقية، كادحة، شريفة، تقوّت اطفالها من كدّ يديها، حين اختارت ان تجلس في الشارع وفي عزّ الزحامات والمطر ومن دون مظلة تحميها من المطر العراقي، الذي تساقط عليها وعلى اطفالها الذين هم بعمر الزهور، لتبيع (البيض المسلوق) للمارة والشغيلة والكادحين، ومن دون ان تفكر بأية منّة، يمنّ بها عليها الأقربون وأولي الامر منا، فقد اختارت وربما مجبرة ان تشتغل لتعيش، وتجعل اطفالها يستمرون بالحياة، دون ان تراعي نفسها وتتقي المطر هي واطفالها، فجلّ تفكيرها وانا على يقين من ذلك كان منصبّاً في توفير القوت على حساب أي الم قد يداهمها في أية لحظة.

 نعم والله انا خجل من نفسي لدرجة ان عيوني هربت من وجهها، وركضت باتجاه بعض أصدقائي السومريين العاملين في أحد المقاهي المفتوحة القريبة منها، والذين هم مثلها اختاروا قارعة الطريق مكاناً لتدبير قوت عوائلهم، لكنهم على الأقل يمتلكون مظلة تقيهم الشمس الحارقة في الصيف والمطر في الشتاء، وهناك فقط جاءتني الفكرة الغبية بان أوفر لتلك المرأة مظلة مثل مظلة اصدقائي، ولم أفكر بان أصرخ في الشارع بأعلى صوتي مطالباً بحقوق هذه المرأة التي تعيش في بلد يطفو على النفط، وفيه من الخيرات لو افلتت من أكف وجيوب لصوص المنطقة الخضراء لعاشت كل العوائل العراقية برخاء وبهجة، لكن .. ماذا عساي ان أفعل انا الذي بالكاد أغطّي مصاريف عائلتي ومصاريفي الشخصية؟ وكيف يتسنى لي رفع الحيف عن تلك المرأة وأمثالها، والطرق المؤدية الى ذلك مدججة بالعسس والدرك والاسلحة والأسلاك الشائكة التي نصبت لتحمي المفسدين وتبقي الفقراء بفقرهم؟.

 ترى كم شخص منهم وهو يقرأ مقالتي الان يمكن ان يشعر بربع الخجل الذي انتابني وانا أفكر فقط بمظلة وقبعات لهذه العائلة! ومن سيحاول مساعدة المعدمين أمثالها، ممن لم يرتضوا بغير الشرف لباساً، والحفاظ على قطرة الحياء شعاراً، على العكس من بعض ساستنا الذين جفت مياه جباههم تماماً، بعد ان سقطت آخر قطرة حياء لديهم؟ كم وكم وكم، كل تلك الاسئلة لا اظنها مجدية في زمن صار فيه العراق بلدا يقوده الداعشيون والمقاولون والسماسرة واشباه السياسيين..!!.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي أنا على يقين بأن انتهاء مرحلة داعش لا تعني ان الساسة سيلتفتون الى تصحيح الأخطاء ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، على العكس من ذلك ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عباس الصباغ ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ساطع راجي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
سلام مكي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
ناصر عمران الموسوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين علي الحمداني ... تفاصيل أكثر
محمد صادق جراد ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر