بمناسبه ترشيحه الى جائزة نوبل.. الحقيقة تنشر قصة حياة الشاعر الكبير مظفر النواب

عدد القراءات : 4686
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
بمناسبه ترشيحه الى جائزة نوبل.. الحقيقة تنشر قصة حياة الشاعر الكبير مظفر النواب

تعتبر حياة الشاعر مظفر النواب نموذجا خاصا في التجربة الشعرية العربية في العصر الحديث، حيث تكونت تجربته الشعرية ممزوجة مع أيامه ولياليه، ونتاجه الشعري يمثل تجسيدا لشواهد في حياة ذلك الشاعر. وإذا كان شعر الشاعر شاهدا على حياة زاخرة بشتى ألوان الحياة فقد عكسها هما قوميا حادا بجرأة عالية المستوى وبروح مسؤولة مما جعله يعيش في ضمائر الناس ممثلا روح التمرد والعصيان على كل ما هو مخالف. فقد حمل شعره من الأفكار ما يكفي لإعلان ثورة.. ومن الألفاظ والشتائم ما يكفي لخذلان أمة، نظم الشعر بحرارة وحرقة وتغنى به وله وكأنه بشعره يوزع ذاته على أفواه الجماهير فغزت شهرته الآفاق وانتشر شعره على الألسن والأفواه. ولكي تكون الدراسة عميقة الرؤية واضحة الأبعاد لابد لنا أن نلقي الضوء على مراحل سيرته الذاتية لتكون منطلقا لنا لفهم نصه الشعري.

عبد الله الشاهر 

 

 

يعتبر الشاعر مظفر النواب ظاهرة خاصة في سلوكه وحياته، فهو متفرد متشرد كما هو في شعره، تمرد على الحياة فقست عليه وأضنته بما لاقى منها فشكاها بشعر أقرب الى الوجدان منه الى الواقع.

وآه من العمر بين الفنادق

لا يستريح

أرحني قليلاً

فإني بدهري جريح

وهب حياته لشعره الذي يمثل تاريخ نضاله المحمل بخصوصية عالية والمتجه نحو الدراماتية مما انبجس عن نتاج شعري مليء بالروعة والحزن والغربة والحرمان، فجاء شعره انعكاساً لتفاعلات داخلية اعتملت وتعتمل في ذاته أخرجها صورة شعرية معبرة بأداة لغوية مبدعة وبأسلوبية فيها من الغرابة والجرأة ما ينم عن نهج جديد في البناء الشعري، لكنها تمثل حقيقة في ذات الشاعر وهي المعادل الأساسي لرحلة شقائه غير المألوفة والتي لم ولن تهدأ.

هذي الحقيبة عادت وحدها وطني

ورحلة العمر عادت وحدها قدحي

أصابح الليـل مصلوباً على أمل

أن لا أموت غريباً ميتة الشبـح

ولد الشاعر مظفر النواب في مدينة بغداد لأبوين ينتميان الى أسرة عربية عريقة تأتت أصولها من الجزيرة العربية ويرجع نسبه أساساً الى الإمام موسى (الكاظم) .

ولعائلته قصة قديمة منذ فترة الإحتلال العثماني للوطن العربي، حيث هاجرت العائلة الى الهند نتيجة الضغوط التي مورست عليها إبان فترة الحكم العثماني على البلاد العربية بسبب المواقف القومية المشرفة لأفراد العائلة، فكان الثمن أن تم تهجيرهم الى الهند وهناك في الهند أصبحت بعض العائلة  حكاماً نتيجة للسمعة الطيبة التي تمتعوا بها والنسب الشريف الذي يحملونه إضافةً الى مواقفهم السياسية التي كانت سببا في انتقالهم الى الهند مما جعلهم في الصدارة في مجتمعهم الجديد "الهند" وقد لاصقت العائلة صفة النيابة حيث أصبحت نسباً لهم بالرغام من أنها صفة مهنية سياسية تأتي من تلك الفترة التي قضتها العائلة في الهند كون أفراد العائلة أو البعض منهم مارس العمل النيابي أو عمل في السلطة بمعنى النيابة أو الحكم.

وبعد دخول الإنكليز الى الهند أبدت عائلة النواب معارضة للإحتلال الإنكليزي مما اضطر السلطة الانكليزية الى اتخاذ قرار بالنفي السياسي للعائلة، فاختارت عائلة النواب موطنها الأصلي "العراق" فعادت الى العراق ومعها ثروة كبيرة استطاعت أن تؤمن لها حياة مستقرة ومكانة اجتماعية عالية المستوى.

ويبدو ان عائلة النواب مفعمة بالحس الوطني والقومي تاريخياً من خلال نفيها مرات ومن خلال مواقفها الوطنية والقومية المشرفة، وليس غريباً على الشاعر مظفر النواب أن يسلك هذا السلوك الذي يعتبر متأصلاً في العائلة.

في وسط هذا الجو ولد الشاعر مظفر النواب في أسرة ثرية ارستقراطية توافرت لديها عوامل النجاح السياسي والإجتماعي إضافة الى ما اتسمت به العائلة من ارتباط ديني من خلال الحفاظ على إحياء الإحتفالات والطقوس بالمناسبات الدينية في منزل العائلة الذي كان يتسع لمثل هذه الأعداد التي تتطلبها هذه المناسبات الدينية نظراً لضخامته.

ويبدو ان العائلة كانت تمتلك أرضية ثقافية واسعة ومتنوعة حيث كانت اهتماماتها الثقافية متعددة من أدبية ودينية وفنية، وكانت تقام المناظرات الثقافية والدينية في منزل العائلة.

وقد دعم ذلك كله معرفة مباشرة وممارسة يومية بالعزف على الآلات الموسيقية مع إجادة الغناء مما يعطينا صورة عن الجو الذي كان يعيش فيه الشاعر أيام طفولته وتكّون الإنطباعات الأولى لديه وبالطبع فإن هذا لا يتوفر إذا لم تتوافر أسباب الرفاه المادي.

إن هذا الجو بانسجامه نمّى لدى الشاعر رقة المشاعر ورهافة الحس والتذوق الفني، وإننا نلمس هذا من خلال نتاج الشاعر حيث تلوح أجواء هذه الأيام من خلال وجدانياته التي تبدو لنا بشكل فلتات محملة بالشوق والحنين الى ذلك الجو الذي افتقده.

قد كبر الشوق

عشرين عاماً وصار اشتياق

فما من دموع أداوي بها

حضرات الهموم الجليلة

إلا قميصي

وقلبي وكلمة حزن نساها الرفاق.

لقد تكونت لدى الشاعر حساسية مبكرة للكلمة والنغمة والجمال من خلال ما أضفى عليه المنزل من هذه الإمكانات التي اكتنزها في ذاكرته النشطة، حيث اكتشف أستاذه وهو في الصف الثالث الإبتدائي موهبته المبكرة في نظم الشعر، يقول الشاعر: (في إحدى المرات طلب مني معلم النحو في الإبتدائية أن أقف، وكان ذلك من أصعب الأمور بالنسبة لي، إذ كنت وقتها خجولاً منطوياً، بسبب  أني كنت الطفل الوحيد في البيت، فاعتقدت أنه يريد مني اعراب بيت من الشعر فنهضت وأنا أشعر بالإضطراب، ففاجأني بطلب غريب وهو أن أكمل بيتاً يقول صدره "قضينا ليلة في حفل عرس" قال لي الأستاذ: إذا أكملت هذا البيت سأدعك تذهب الى البيت، طبعاً لم أكن وقتها قد عرفت شيئاً عن كتابة الشعر صحيح أننا كنا نقرأ أشعارا مختلفة في البيت وفي المدرسة، ومع هذا فالارتباك والخجل جعلاني أفكر بالخلاص من الموقف فقلت مكملاً البيت: "كأننا جالسون بقرص شمس". فذهل الأستاذ وتوقف عن التدريس.. دقوا جرس المدرسة، جمعوا الطلاب في الساحة ثم جاء المدير، وأخذ يتحدث عن بيت الشعر الذي أكملته، أما أنا فلم أكن أفهم ما كان يقول ثم قام بإهدائي مجموعة كتب)1، وقد نُميت هذه الموهبة بإشراف أسرته وأساتذته الذين شجعوه على متابعة محاولاته الشعرية الأولى، يقول الشاعر عن اللحظات التي شهدت بداية اصطدام مظفر/ الطفل بالشعر (في الحقيقة لا أستطيع أن أتذكر، لأن هذا صعب جداً، ربما تكون هناك أحداث، مؤشرات شبه ممحوة ولا تزال بقايا منها في الذاكرة، جدي لوالدي كان شاعراً يكتب الشعر بالعربية والفارسية، أتذكر عندما كنت صغيراً كان يجلسني في حجره ويقرأ لي بعض القصائد والأشعار، ربما تكون هذه هي البداية، ربما.

ثم إنني ولدت في بيت كان ساحة للمواكب الحسينية التي كانت تقصده بخيولها ومشاعلها وأهازيجها. من المؤكد أن تلك الأجواء كانت قد أوجدت في داخلي شيئاً ما، طبعاً أنا لا أستطيع أن أحدده، أو ان أعي ذلك، ولكنني الآن عندما أفكر فيه أجد أن ذلك ممكناً بل وأكيداً)2.

إذاً فالمنابع الأولى التي استقى منها الشاعر صوره وأحاسيسه ورؤاه كانت مطبوعة في الذاكرة منذ نعومة أظفاره وكانت قد ترسبت بهدوء طفولي خجول مما أفسح للشاعر ذلك المتسع من استيداع صور وأفكار تراثية محملة بعواطف غاية في التمازج بين الحس الشعبي والحنين واللوعة معشقة بنكهة روح التراتيل والأهازيج الشعبية الخالصة الصدق وقد دعّم إحساسه هذا جو المنزل وثقافة الأهل حيث يقول الشاعر عن الأهل، الأم، الأب: (والدي كان يجيد العزف على العود، أتذكر أنني كنت أغني معه الأناشيد التي كنا نحفظها في الإبتدائية، أما الوالدة فغالباً ما كنت أسمعها -وأنا صغير- تردد قصيدة للشاعر القروي.. تقول القصيدة:

رولا عرب قصورهم الخيام ومنزلها حماة والشام

والقصيدة تحكي قصة عاشق يقتل والد حبيبته. أتذكر عندما كانت أمي تصل الى الأبيات الأخيرة من هذه القصيدة تنزل دموعها فكنت أتأثر كثيراً بذلك)3.

لقد كانت هذه المؤثرات دافعاً قوياً للشاعر مما جعلت منه شاعراً ينشر ما تجود به قريحته في المجلات الجدارية في المرحلة الإعدادية والثانوية.

في المرحلة الجامعية تابع الشاعر دراسته بظروف إقتصادية قاسية حيث تعرضت عائلته الى هزة مالية عنيفة أفقدتها كامل ثروتها إضافةً الى المنزل الذي كان تقيم فيه مما ترك أثراً كبيراً في حياة الشاعر وخصوصاً افتقاده لمنزل الطفولة الذي يحمل في ذات الشاعر جملة من المفاهيم والذكريات التي ما زالت تمده بالدفء والحب والطموح وتذكره بالوقت ذاته بالواقع الذي آل إليه فتثير فيه لواعج الوجد والحزن والغربة والضياع.

تغيرت مستعجلاً أيها الفرح الضجري

وأصبح محشد أغربة سطح قلبي

يَنُحْنَ قبيل مغيب الهلال

وبالرغم من الظروف الإقتصادية القاسية التي مر بها في المرحلة الجامعية فقد تابع تعليمه الى أن حصل على الإجازة الجامعية، حيث عين بعد عام 1958 مفتشاً فنياً بوزارة التربية ببغداد ليدخل في معترك الحياة العملية.

لكن التزامه السياسي اضطره لمغادرة العراق عام 1963 حيث اتجه الى ايران كطريق للعبور الى الاتحاد السوفيتي سابقاً، إلا انه فشل في الوصول الى هدفه فوقع في أيدي المخابرات الإيرانية / السافاك / التي أخضعته للتحقيق والتعذيب الجسدي، يقول الشاعر واصفاً هذا الموقف: 

في طهران وقفت أمام الغول

تناوبني بالسوط وبالأحذية الضخمة عشرة جلادين

وكان كبير الجلادين له عينان كبيرتان نمل أبيض مطفأتين

وشعر خنازير ينبت من منخاريه

وفي شفتيه مخاط من كلمات كان يقطرها

في أذني

ويسألني: من أنت؟

خجلت أقول له: قاومت الإستعمار فشردني وطني

غامت عيناي من التعذيب

وفي نفس العام سلمته السلطات الايرانية الى السلطات العراقية فحكمت عليه المحكمة العسكرية في العراق بالإعدام.

ونتيجة الجهود التي بذلت من قبل أهله وأقاربه وأصدقائه تم تخفيف الحكم القضائي إلى السجن المؤبد.

وفي السجن استطاع الشاعر ومجموعة من رفاقه الهرب الى خارج أسوار السجن فأحدث هروبه مع رفاقه ضجة كبيرة.

بقي النواب متوارياً عن الأنظار في مدينة بغداد ستة أشهر ثم توجه الى الجنوب "الأهوار" حيث عاش مع الفلاحين حوالي السنة في جو ريفي بسيط يقول الشاعر: (أما عن معايشتي.. فلم أعش طويلاً في الهور، وهذه ظاهرة غريبة يسألونني باستمرار، وأحياناً لا أستطيع تعليل ذلك.. بعد أن استمعت الى مغني الهور، صار لدي رغبة قوية في أن أذهب الى الهور. كان علي أن أعرف شيئاً عن العالم الذي يكمن وراء ذلك الغناء)4.

وقد تردد الشاعر في هذه المرة بدافع من إحساسه الفني الذي أخذ يلح عليه في اكتشاف هذا النمط من الغناء وهذه اللهجة التي أسرت روح الشاعر والتي وصفها بقوله (اللهجة في الهور مموسقة الى درجة كبيرة جداً، وغنية، لهجة الهور هي شعر، حتى عندما يتحدثون في الهور فإنك تسمع الشعر سواء في التعبير أو في الموسيقى أو في طريقة اللفظ والضغط على المقاطع)5.

لقد تأثر الشاعر كثيراً بتلك اللهجة وبها ذاتها استطاع أن يصوّر لنا أجمل قصائده الشعبية والتي تناولت حياة الفنانين وكفاحهم والهم السياسي الذي يحمله الشاعر، فأخذ هاجس التردد على الهور يلح كثيراً على الشاعر رغم المصاعب التي قد تعترضه لكنه لم يستطع كبح جماح هذه الرغبة يقول الشاعر (ورغم وجود إشكالات كثيرة كانت تقف عائقاً أمام الوصول الى الهور في تلك الفترة.. أخذت صديقاً لي وذهبنا الى أهوار العمارة في هذه المرة بقيت هناك أسبوعاً.. ولكنني بقيت فترة لا بأس بها امتدت لأشهر كنت أعمل في شركة هولندية)6.

لقد بنى الشاعر قصائده الشعبية بلهجة أبناء الأهوار، والشاعر في مجال الشعر الشعبي متمكن ومبدع وله قصائد غاية في الروعة عبرت عن رقة عالية وإحساس مرهف مما حولها الى أهازيج وأغان تتردد باستمرار على أفواه الجماهير.

والكتابة بالعامية جاءت متأخرة عند الشاعر لأن بداياته في الشعر كانت بالفصحى ولكنها لم تكن حديثة عليه وإن كانت الأهوار هي الشرارة التي أطلقت القصيدة الشعبية عند الشاعر إنما هناك عوامل أخرى ومؤثرات كانت هي الرصيد الحقيقي لتلك الإنبجاسة الرائعة للشعر الشعبي عند الشاعر، والشاعر يؤكد ذلك حيث يقول: (كان ذلك بتأثير من "الهوسات" والأهازيج وإستماعي لـ "القرايات" التي كانت تقيمها النساء في ذكرى وفاة الإمام الحسين في بيتنا، بشكل غير واع.. كما أسلفت ربما، فالاهازيج الشعبية، والردات كانت من مراجعي الأولى)7.

ولكننا ومع ما يحمله الشعر الشعبي عند النواب من مؤاثرات وأحداث لن نتعرض له  بالرغم من أنه يمثل جانباً لا بأس به من حيث الشاعر ويكفي أن ننوه الى أهم مراحل تطور حياته خدمة للدراسة ولإيضاح جانب وليس لأفراد بحث عن الجانب الفني في الشعر الشعبي عند النواب وذلك لتحفظنا على الكتابة باللهجات لأنها (من المخلفات الرديئة التي ورثتها الأمة فترة الإنحطاط والتخلف والتدهور الحضاري)8 .

لكن الشاعر أودع في قصائده الشعبية الكثير من لواعج النفس وهموم المجتمع والهم السياسي بشكل خاص.

في عام 1969 صدر عفو عام عن المعارضين فعاد النواب الى سلك التربية لكن النواب بقي في صراع مع السلطة، يقول الشاعر (أنا عندي نوع من المجافاة لأن أكون سياسياً بالمعنى السياسي… إنني أنظر الى نفسي كسياسي بالمعنى الشمولي في نظري الى العالم، بمعنى فهم العالم بمحبة والإنطلاق من هذا في محاكمة الأشياء السيئة والتي هي -أي محاكمة الأشياء- جزء من محبتك لهذا العالم. لا أدري هذا الموضوع كان يشكل لي أزمة كبيرة، لذلك فالسياسي المحترف للسياسة لدي مجافاة أو تناقض معه لأن الفترة التي عشتها مع السياسيين كشفت لي الديماغوجية التي تعشش فيهم والبحث عن المصالح الشخصية والإغتناء باسم الجماهير وبالتالي ضربها عرض الحائط، وهذا كان يشكل لي أزمة كبيرة)9.

بعد فترة وجيزة حصلت موجة من الإعتقالات في صفوف الشيوعيين فتم اعتقاله مرة ثانية ثم أطلق سراحه وأذن له بالسفر خارج العراق.

غادر النواب العراق الى بيروت وبقي ستة أشهر اتجه بعدها الى دمشق وأقام فيها فترة غير قصيرة، ومن دمشق رحل الى القاهرة ومنها الى أريتيريا، بقي فيها بضعة أشهر عايش فيها واقع الثورة الأريتيرية عن قرب ثم أنتقل من أريتيريا الى ظفار وساحل عمان ثم عاد أدراجه الى القاهرة وبقي فيها ما يقرب السنة والنصف.

عاد بعدها الى بيروت وأقام فيها ما يقرب السنة ثم توجه عائداً الى دمشق مرة أخرى.

دمشق عدت بلا حزني ولا فرحي يقودني شبح مضنى الى شبح

ضيعت منك طريقاً كنت أعرفه سكران مغمضة عيني من الطفح

دمشق عدت وقلبي كله قرح وأين كان غريب غير ذي قرح

ضاع الطريق وكان الثلج يغمرني والروح مقفرة والروح في رشح

وعلى ما يبدو أن الترحال والتجوال في العواصم والمدن العربية أبعده عن جو الإلتزام السياسي مما جعل الشاعر يميل الى التفكير المستقل والإبتعاد عن الإلتزام الحزبي والتنظيمي لقناعته المبنية على التجربة بأن اللعبة السياسية هي عملية تدجين قسري لصالح فئة، وبدأ يتحلل تدريجياً عن التزامه تجاه الحزب الشيوعي ولكنه ظل متمسكاً بقضاياه السياسية القومية والإجتماعية والتي بدت سمة ظاهرة في نتاجه الشعري، يقول الشاعر:

أنا لا أملك بيتاً أنزع فيه تعبي

لكني كالبرق أبشر بالأرض

وأبشر أن الأمطار ستأتي

وستغسل بالمطر الدافئ جنح النورس

وبيوت أحبتنا

والحرف الأول من لغتي

وقد برزت في هذه المرحلة من حياته اهتماماته الوجدانية والبحث عن المطلق والخطاب السياسي الذي حقق فيه مزجاً رائعاً بين الحدث وقراءة المستقبل، يقول الشاعر:

قفص الدهر

كما أنت ترى

ضايقني

واشتهتني لغة من خارج الدهر،

فهزته

فما بال فؤادي

للذي يسجن فيه

أشفقا

لم يستقر النواب في دمشق، فقد عاوده الحنين الى السفر والترحال، فتوجه الى اليونان وأقام فيها أربع سنوات سافر خلالها الى ليبيا.

بعد اليونان توجه الى فرنسا حيث انتسب الى جامعة "فانسان" سجل فيها رسالة الماجستير والتي كان موضوعها "باراسايكولوجي" او القوى الخفية في الإنسان.

وقد أقام في فرنسا مدة ثلاث سنوات توجه بعدها الى ايران بعد قيام الثورة الإيرانية ثم الى الهند الصينية وبانكوك، ومن بانكوك عاد الى اليونان.

وفي عام 1983 زار الجزائر ثم استقر في ليبيا فترة قصيرة سافر بعدها الى فنزويلا والبرازيل والتشيلي والسودان.

عاد بعدها الى دمشق التي تعتبر محطة انطلاقه وملاذه الذي ينطلق منها ثم يؤوب إليها المرة تلو المرة.

ويبدو ان الشاعر ألف حياة التشرد والغربة بين الدول والقارات، هذه الحياة التي ربما أجهدته وأخافته لكنه تحداها وانتزع الخوف من داخله وأعلن أن الحياة موقف صادق يقول الشاعر (مجازفة كل ذلك كان مجازفة.. ولكن متى لم يكن وجود الإنسان مجازفة، لماذا الخوف بعد ستين عاماً من حياة مشبعة، غالباً ما كانت من دون فضاءات.. فضاءات ضرورية.. فسحات تنفس)10.

لكن هذه الحياة التي أمضاها بين الأقطار والأمصار ضمن حياة قلقة مضطربة أغنت تجربته الشعرية وعمقت إحساسه بالغربة والضياع وجعلت الوطن بداخله حلماً يتوق الى لقائه.. يقول الشاعر:

سبحانك كل الأشياء رضيت

سوى الذل

وان يوضع قلبي في قفص

في بيت السلطان

وقنعت يكون نصيبي في الدنيا

كنصيب الطير

لكن سبحانك

حتى الطير لها أوطان

وتعود إليها

وأنا

ما زلت أطير

ومازال الشاعر يطير من بلد الى بلد ومن وطن الى وطن لكنه بقي يحن الى وطنه ويستقر فيه (هذا العمر من السجن والمتابعات وعيون الرقابة القذرة، كم كان بحاجة الى فضاءات.. الى امرأة.. الى طفل.. جلسة هانئة في خضم حنان العائلة.. كابوس امتد كل هذه السنين وما يزال..)11.

انه شاعر الغربة والضياع.. شاعر فقد استقراره.. فقد حتى امتداده في الحياة.. ابتعد عن مصدري الحنان امه ووطنه فكان ذلك مصدر حنين دائم لديه.. الغربة في ذاته دمعة متحجرة لا يمتلك لها طريق، والوحدة في ذاته شكل اسطوري.

آلمه الأمر فغار اليأس في قعر ذاته ليشكل له غصة دائمة لا تكاد تهدأ حتى تثور شوقاً، وحنيناً، وألماً فلم يبق لديه سوى البكاء من خلال الشعر.

أبكيك بلادي

أبكيك بحجر الغرباء

وكل الحزن لدى الغرباء مذلة.

لقد قتلته أشكال الحياة، وأتعبه الترحال، وأضنى قلبه الجريح طول السفر، فما كان لديه شيء يفرغ فيه ذلك الحال سوى الشعر الذي رافقه رحلة الشقاء، إنه شحنة الضياع واللوعة والغربة والحنين، الشحنة الصادقة، خالصة الوجد، لا يملك سواها حتى يصل الى مبتغاه.

عروس السفائن

لا تتركيني على أمقت الساحلين

يجن جنوني إذا جن في هدأة الليل بعد

أهيم أهيم إذا رنّ في هدأة الليل بعد

أحاور روحي وكل حوار مع الروح ماء

بكى طائر العمر في قفصي مذ رأى

مخلب الموت ينزل في صحبه ويكفّ الغناء

متى أيهذي العروس يجيء الزمان الصفاء

ربما آلمه ذلك لكنه أرّخ لذاته.. أعلن للذين يحملون قلوباً أن لديه قلباً يحن الى وطن. الى أهل وأحباب.. ناشد فيهم طبيعة الإنسان أن لا يظل وحيداً:

يا وطني

أأظل هنا، حزنا مبعد

أأظل على خرسي

تابوت قصاصات مجهد

لا أعرف حتى خشبي

لا أعرف اين سيتركني الجزر

وليل الماء على جرحي

هذه رحلة العمر لدى الشاعر النواب مليئة بالحزن والقلق والعذاب، رحلة أسفار لا تنتهي وبوصلة لا تستقر الى جهة.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسن الخفاجي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر