الرموز بوصفها مجالا طقسيا..

عدد القراءات : 290
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الرموز بوصفها  مجالا طقسيا..

علي حسن الفواز

يضعنا الحديث عن قوة الرمز أمام  اشكالية النظر في وظائفية هذا الرمز، بوصفه سلطة أو علامة، أو مجالا لشرعنة وجود طقوس معينة، لها  قابلية التحول الى ظواهر اجتماعية، والى ممارسات ينخرط في أدائها افراد وجماعات،  تعبيرا عن ولائهم، أو خوفهم، أو انشدادهم للمقدس، باعتبار أن الرموز هي جوهر تموضع هذا المقدس ومجال طاقته الحيوية، فضلا عن كونها مجالا نفسيا وجسديا لتفريغ المكبوتات، وعبر ما يمثله حضور هذا الرمز  بوصفها طقسا ومثيولوجيا راكزة  في الذاكرة الجمعية. قراءة وتحليل هذه الرمز تعني بالاساس قراءة وتحليل تمثلاته على مستوى تشكيل العديد من الظواهر الاجتماعية، والعادات والطقوس، وعلى مستوى تحولها  الى نسق اجتماعي يؤطر العديد من الفاعليات والأداور التي يقوم بها الآخرون، وتحت دوافع دينية أو اجتماعية، أو دوافع حمائية للهوية والوجود أو مواجهة التهميش. واذا  كانت  نظرية التفاعل الاجتماعي  قد عمدت الى دراسة وتحليل الأنساق الاجتماعية، فإن مقاربة فكرة الاتصال تشكّل الأساس الاجرائي لهذا المعطى، إذ يحفّز هذا الاتصال على توظيف الأفكار، والقيم والوعي الاجتماعي، بما فيه اللغة في سياق تبادل المنافع، أو تشكيل النسق الاجتماعي الحاكم والمؤثر والمُهيّج، وبما يجعل(التفاعل الرمزي) هو المجال الأكثر تعبيرا عن التفاعل الانساني، وعن التماهي مع الطقوس بوصفها القوة التعويضية التي تعزز في الجماعة قوة الانتماء والإشباع والاحساس الخفي بالسلطة، وبما يجعل الوعي باللغة والدين والقبيلة والعائلة مؤطرا بقوة وحضور هذه الرموز وسطوتها وتأثيرها النفسي والاجتماعي والأخلاقي، وأن أي انتهاك لهذه الرموز  سيُفقد الأفراد والجماعة هيبتهم ويقلل من شأنهم.

الطقوس والرمز.. توصيف الطقوس بأنها أدوات أو تقنيات لابراز فكرة المُقدّس لا تعني لوحدها الدال الاجرائي على فهم تلك الطقوس، لأنها هذه الطقوس تحولت بقوة هيمنتها الجمعية الى قوة فاعلة تحضر في مجالات الحياة المتعددة، وفي اكتساب دلالات تتكثف عندها معانٍ وأفكار وتصورات عميقة الأثر في استعمالاتها وفي التعبير عن هوية هذه الجماعة أو تلك. للطقوس مستويات من الأداء والتمثّل، تتبدى فيها تصورات الوعي الاجتماعي، والاخلاقي مثلما تتمثلها علامات ورموز تخصّ هذه الجماعة أو تلك، إذ تدخل في صياغة أفكارهم، وحتى مؤسساتهم، بدءا من المؤسسات التي تدخل في مجال التنشئة، مثل العائلة والمدارس التعليمية والجامعة والمؤسسات الدينية، وليس انتهاء بمؤسسات صناعة الرأي كالأحزاب ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وصولا الى المؤسسات الصيانية التي تقوم على فكرة مواجهة العدو الرمزي للجماعة/ الطائفة، والتي تعني تشكيل مؤسسات عنفية مقابل المؤسسة الفقهية، والمؤسسة الطقوسية العلاماتية، ومن هنا تصبح الطقوس- كمايقول المنصف المحواشي (طرائق للتصرّف والفعل الجماعي الذي يتم بواسطته تنشيط حالات الوعي الجمعي)

الطقوس الشيعية واستعادة الرمز.. الطقوس الشيعية دينية في اغلبها، فهي ترتبط برمزيات متعالية للمذهب، بوصفه جزءا من المُقدّس، وذات طابع احيائي، يُسبغ على هذا المقدّس سمات عاطفية وروحية من خلال كل مايتعلّق بآل البيت، وما يمثلونه في النظام العبادي والاجتماعي والقيمي من دلالات حاكمة، ومعيارية، لانهم مصدر مهم في التشريع الذي يرتبط بفكرة الامامة، وواسطة مهمة في الاجتهاد والتأويل، وفي الفهم والنأي عن المحظور والمُحرّم. سيمياء  الطقوس الشيعية لها علاقة مباشرة بفكرة الأضحية، حيث شهادة الإمام الحسين عليه السلام هي الرمزية المُولدة والباعثة على استحضار كل الرموز التي تتجوهر في الشهادة الحسينية، فالحسين هو علامة الخصب والاشباع، مثلما هو علامة الفقد، وموت الخصب يعني القحط، والفقد يعني الاستدعاء والاستحضار، لذا تتشكل  الطقوس بوصفها جوهر هذا الاستدعاء والاستجابة، عبر الشعائر، وعبر  التمثلات والمراسيم التي تحتفي بها الجماعات، والتي تهدف الى عقد صلة دائمة من الناس عبر طقوس الاحياء، وعبر ما تحتويه من علامات، تخصّ مظاهر التعزية، ومظاهر المواكب والتشابيه، وعبر الإشهار باللطم والبكاء ولبس السواد، ليكون الطقس الحسيني تعبيرا رمزيا عن مشاعر وأفكار تتحقق بواسطة الفعل كما قال ايريك فروم. تضحية الحسين، جزء من سيرة التضحية التي ارتبطت بسيرة آل البيت وبرمزية حضورهم في اللاوعي الشعبي، بدءا من الرمزية المتعالية التي تحظى فكرة التضحية التي قام بها الامام علي في التاريخ الاسلامي، خلال نومه في فراش النبي، وعبر شهادته في المسجد، وهي رمزية كبيرة لمفهوم الأضحية، فضلا عن سيرته في  مغازيه، وفي تمثلات المخيال الشعبي، والتي تركت أثرها  على أولاده وأحفاده الذين كانوا علامات مهمة للمعارضة السياسية، ولمواجهة السلطة الغاشمة، ولاستعادة اسطورة الخصب السومرية، وهذا مايجعل الاحتفاء والاحتفال بسير آل البيت قرينا باستعادة المُقدس عبر رمزيّ الشهادة والأضحية، وقرينا  بالبحث عن الخصب والاشباع والاكتمال، وصولا  الى مايتعلق بصورته المتعالية قي فكرة الإمام الغائب  الذي يمثل جوهر هذه الاستعادة في رمزيتها الدينية والتاريخية والتعويضية.

سيمياء الطقس  الحسيني.. تشير الدراسات السيميائية الى طبيعة العلاقة مابين العلامة والواقع الخارجي، والى مستوى تمثلاتها، إذ يعمد بيرس في تحديد مكوناتها عبر ثلاثة أنواع وهي: الأيقونة والمؤشر والرمز. وهو مايجعل هذا الرمز أكثر تعبيرا عن السيمياء، عبر وظائفيتها، وعبر نظامها في الكشف عن علاقة الواقع الخارجي بالتجليات التي  تجسدها الموضوعات التي يختزلها الطقس، وبما يجعلها أكثر تمثلا للحدث الذي تحتفي به الجماعة، بوصفه تعبيرا  عن وجود حقيقي  رغم بعده التخيلي، وأن قوته الرمزية تجعله مكتفيا بذاته، إذ تتبدى مقاصده، ودلالاته وديناميته التي تحملها الشخصية الحسينية، بوصفها شخصية ناطقة، ولها رسالة تتجاوز  اعتباطية الدلالة. الحسين هو العلامة الكبرى التي تتمثلها  الصورة الذهنية، مثلما هو العلامة التي تربط هذه الصورة بالواقع الخارجي، وبما  يجعل القضية الحسينية مجالا توليديا يحيل الى دلالات صريحة وضمنية، في أنسنتها وفي حضورها، وفي تجسيدها  لقيم التضحية والفداء، والتي تجسدت في قول الامام الحسين( إني لم أخرج أشرا، ولا بطرا، ولا ظالما ولا مُفسِدا، انما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي). الطقس الحسيني يستدعي لغة ايمائية، مثلما يستدعي جملة من العلامات التي تعزز فاعلية اللغة المكرسة في- السيرة، المقتل، العصمة، الشهادة وبما يجعل  هذا الطقس  اكثر تعبيرا عن وعي الذات والهوية، فما نراه  في مراسيم  الزيارة الاربعينية يؤكد  هذا التزاوج مابين اللغة والعلامة، إذ تكشف قراءة المقتل الحسيني ورمزيته، وعودة السبايا عن علامات ذات خصوصية مثيولوجية وشعبوية للوقائع والشواهد والأمكنة، مقابل  مايؤديه الحشد العلاماتي الذي تجسده الجموع وهي تمارس طقس المشي، أو الركض- طويريج أنموذجا.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي حــســن الفــواز ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين فوزي ... تفاصيل أكثر
د . قيس العزاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر