التناص في الق.ق.ج. "ظمأ" لاياد خضير الشمري واستبطان الحكاية الشعبية

عدد القراءات : 133
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
التناص في الق.ق.ج. "ظمأ"  لاياد خضير الشمري واستبطان الحكاية الشعبية

تعد القصة القصيرة جدا تعبيرا عن إيقاع الحياة في عصرنا هذا،عصر التطور التقني ،بحيث اصبح العالم قرية صغيرة في اعين واسماع الناس،وعصر السرعة.ولما كان الامر كذلك،فإن الق.ق.ج.ستكون هي الناطق الرسمي في ما يقدمه هؤلاء الناس من امور متنوعة وعديدة،والاديب هو الناطق الرسمي باسم المجتمع الذي ولد فيه،ان كان الكلام عن الحسن،او كان عن القبح،أي عن الجمال بصورة عامة.

قراءة:داود سلمان الشويلي

 

بين يدي هذه الدراسة ق.ق.ج. بعنوان"ظمأ"للقاص اياد خضير الشمري،ستقوم الدراسة هذه بتحليل وفحص لها،من حيث استبطانها لحكاية شعبية،ودور آلية التناص في ذلك،بما يجعلنا،نحن المتلقين،ان نفهم المعاني والدلالات التي يقدمها هذا النص، بعيداً عن أي تفسير يفسد الغاية التي كتب لاجلها النص،وادبية النص،او شعريته،وفي الوقت نفسه قريباً من التأويل الذي تقدمه تلك المعاني والدلالات لنا نحن المتلقين والدارسين.

***

 النص:

"اشتد به الظمأ، ذهب مسرعا الى النهر،وعند وصوله وجده قد غادره دون ان يترك عنوانا.".

 يتكون هذا النص من ثلاث حركات سردية،وهذه الحركات صبت في قالب بنائي من الجمل الفعلية،هي:

- "اشتد" به الظمأ.

- "ذهب" مسرعا الى النهر .

- وعند وصوله وجده قد "غادره" دون ان يترك عنوانا.

هذه الحركات،او الجمل الفعلية،فيها ثلاثة افعال بصيغة الماضي (اشتد،ذهب،غادر) وهي افعال يمكن ان نسميها افعالا حركية،لانها تستبطن الزمان والمكان بين حروفها. يحمل الفعل"اشتد"ظرف المكان،حيث انه يقدم معنى زيادة في الظمأ في الجسم البشري.وفيها كذلك ظرف زمان،اذ ان فيه فترة زمنية،تشتد مع مرور هذا الزمن.

والفعل "ذهب" يفيد التغير في المكان والزمان،بين مكانين وزمانين.

و"غادر" ايضاً هو فعل يضم بين طيات حروفه الزمان والمكان.

نجد ان"الظمأ"لايحمل دلالة على العطش في هذا النص،سوى وجود لفظة "نهر"،وهي ايضا لفظة لا تحمل دلالة على انها نهر ماء جاري.فالنهر دال يطلق على الكثير من الدوال،إذ من معانيه السعة.والسعة هنا يمكن ان تطلق على أي شيء. 

اذن،عندما"ظمأ"شخص القصة ذهب الى النهر،او ذهب الى شيء متسع،لكي يرتوي،كأن يكون معلماً،او عارفا،او كتابا،او أي شيء يفي غرض العطش والظمأ،وهو الحصول على الماء،اوعلى المعلومة،الا انه وجده قد غادره ولم يترك عنوانا.ولهذا يمكن ان نؤول هذا النص التأويل المجازي،وكذلك يمكن ان نؤوله التأويل الظاهري.وهذه الميزة تحسب للنص.

 الجملة الثالثة،اوالحركة الثالثة،هي مفتاح لما كان يقصده القاص بكلمتي ظمأ، أوعطش.

فالنهر كشيء محفور في الارض،أي كشق محفور،لم ولن يغادر مكانه،بعد ان يغادر(سجف)مائه،لانه عند مغادرته لمكانه لا يسمى نهرا،أي عندما يذهب ماؤه،وانما يسمى شقا في الارض،او حفرة،او يسمى نهراً مندرساً،متروكاً،لان لفظة "النهر"تطلق على أي ماء جاري.لهذا نجد الفيلسوف هيراقليطس يقول:(لايمكن عبور نفس النهر مرتين)،لان الماء يتغير بين لحظة واخرى.

قلت:يمكن ان نؤول النص تأويلا ظاهرياً،أو مجازياً. والتأويل الظاهري هو ما يمنحه النص من معان ودلالات مباشرة،أي انه لا يحتاج لاي تأويل.شخص يذهب الى النهر فيجد ان ماءه قد غادره.

التأويل المجازي لهذا النص، وحسب ما وصلت اليه هذه القراءة،هو على عدة وجوه، ومن هذه الوجوه:

- العطش يعني الحاجة لشيء معنوي،العلم،أوالمعرفة،أوالثقافة،أو أي شيء اخر معنوي.

- يتجه هذا العطشان الى الكتاب،او المعلم.

- يجده غير موجود،او قد غادر مكانه ولم يترك عنواناً يستدل به على وجوده.

أو ان:

- العطش يعني الحاجة لشيء مادي،كأن يكون مولوداً،او مالا ،او كتابا.

- يتجه الى ما يسد حاجته الى المولود،او المال،او الحصول على كتاب،أي يذهب الى المصدر.

- يجد المصدر غير موجود ،قد غادر،وغير معلوم عنوانه.

***

 يحدث في هذا النص تناص على مستوى القصد (مدخل لجامع النص - جيرار جينيت - ت. عبد الرحمن ايوب - دار الشؤون الثقافية العامة - ب.ت.) الذي من انواعه التناص الاعتباطي الذي لا يمكن الوقوف عليه في النص الا اعتماداً على ذاكرة المتلقي .

وهذا ما حدث مع تناص هذا النص،إذ يذكرنا هذا النص بحكاية"سالفة"شعبية،سمعناها من الجدات،وقرأناها كحكاية شعبية،عن شخص فقير راح يبحث عن "حظه"،فدله عارف سأله عن غايته،فذهب اليه في سقف مغارة جبل،على شكل ثقب يقطر ماء، فأخذ يوسع الثقب،فانكسرت الخشبة التي كان يوسع بها الثقب،وبقي الخشب المكسور في الثقب،فانسد الثقب نهائياً، وهكذا كان حظه وحظ شخصية هذا النص القصصي"ظمأ".

القصة القصيرة جداً تستبطن الحكاية الشعبية بوعي،أو دون وعي،او ادراك،لان وعي،أو لاوعي،النص، ولا اقول وعي منشئه،او لا وعيه، كان يعمل ليتناص،او يتثاقف،مع نصوص اخرى ضمها هذا الوعي،او اللاوعي،وقد قرأنا الكثير من هذه النصوص التي تأخذ بجلابيب هذه الآلية الاجرائية داخل النص.

المقارنة التي يمكن اجراؤها في هذه الدراسة ستبين لنا مدى التناص الذي حدث بين النص القصصي والنص الحكائي ، وهو من نوع التناص على مستوى القصد:

* شخص القصة يبحث عما يرويه، وشخص الحكاية يبحث عن حظه.

* يذهب شخص النص الى النهر، في الحكاية يذهب الى المغارة.

* شخص القصة يجد ان النهر قد غادر، شخص الحكاية يجد ان حظه قد سد.

* شخص القصة لا يعرف اين ذهب النهر، وشخص الحكاية لا يعرف كيف يفتح ثقب حظه.

***

بعد ان درسنا النص القصصي مع النص الحكائي المتناص معه،علينا ان نؤكد على ان القصة القصيرة جداً يمكنها ان تستبطن من خلال التناص الذي يعد كآلية اجرائية على مستوى انشاء النصوص،على الحكاية الشعبية كما في نصنا هذا،او ان تستبطن حديثا نبويا،كما قدمناه في دراسة سابقة عن نص"عطف"للقاص عبد الله الميالي،او غير ذلك من نصوص ابداعية من انواع ادبية اخرى. 

إذن القصة القصيرة جداً، كحال النصوص الاخرى من اجناس ادبية سردية، كالقصة القصيرة، والرواية،تتفاعل مع تلك النصوص من جنس ادبي آخر بصورة ابداعية عالية،فتستبطن في ثنايا كلماتها،وجملها،وعباراتها،ثيمات سردية تنصهر بصورة ابداعية،وبصور عديدة،ووضعيات مختلفة. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي حــســن الفــواز ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين فوزي ... تفاصيل أكثر
د . قيس العزاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر