صلاح عواد .. الشاعر الذي مازال جرحه معلقاً على نخيل الفرات

عدد القراءات : 283
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
صلاح عواد .. الشاعر الذي مازال جرحه معلقاً على نخيل الفرات

الشاعر صلاح عواد، هذا الشاعر الممتلئ حيوية وشبابا والمترع بلغة شعرية جعلته متميزا عن أقرانه، بمفرداته التي يختارها بطراوة، ويستقطبها بنفس شعري رفيع ثم يسكبها في قواف ينشدها شعرا متألقا، تحصد المزيد من المعجبين والأيادي التي ترتفع مصفقة لهذا المبدع الذي مازال جرحه معلقا على نخيل الفرات، ينزف عطرا وأريجا ومفردات تلامس شغاف القلب وتمتص رحيق السواقي. إنه يكتب رسالة إلى أمه:

لفته عبد النبي الخزرجي

 

 

 بعدني اغفه اعلى صوتچ من تلو ليلي.... دلو ليلي

تره جرحي چبير وشايله ابحيلي.......

 ولأنه يعشق العناد والتحدي.. ويتصدى لجروح الواقع، ولا يبني قصورا في خيال الأمنيات.. ولأنه معلق في سعفات النخيل والتي كانت وما زالت ترافقه في مسيرته منذ أن تفتحت عيناه في ربوع مدينته، الحلة، التي تمتد بمحاذاة مجرى الفرات، وهو يغرف من هذا المعين الذي لا ينضب، ويعوم في بحيرة الشعر التي تمتد على مساحة الوطن من شماله إلى جنوبه، ويترنم بآهات المحرومين والمعذبين والمهمشين، ويتابع بشغف ومودة دموع اليتامى والأرامل، ويمسح نزيف الجروح ليضمدها، ويغرس صبره في تخوم الوطن:

 ما يردوك تعله ولا تحـط اجناح

وعلى امتون الورق ما توگف احروفك

على اچتافـك رفعت الكون لمن طاح

موش انته التميـل وتنلوي اچتوفك

شد گاع الصبر وامشي اعله چف الماي

تلگه اتطوف دنيا بكعبـة اجروفك

 هذا التناغم المعبأ بمصداقية الحرف، والموشح بالانشداد لسارية الوطن، والمتماسك مع طموح ورغبة عارمة في البقاء في الأرض التي احتضنته صغيرا وشهدت بساتينها وأنهارها ونخيلها مرابع صباه، وتشبعت أنفاسه بحب الأرض وعبق النخيل وخرير السواقي، وهذه الترانيم التي تحكي حب الشاعر وعشقه لصباخ الأرض وبيت الطين وتراب العراق:

 أحب صبخايتي وعاشگني بيت الطين

 وعلى اتراب العـراق اتعودت ريتي

 الرئة التي تتنفس هواءها من ماء دجلة ونخيل الفرات، وتعشق نسمات الفجر وهي تدغدغ أحلام الصبايا، وترسم فوق جبين الأرض قوافي الإبداع والتألق، لاشك لن ترضى غير الوطن دارا، ولن تقبل بغير هواء الرافدين، تعبه في مساماتها، وتنتعش بزفراته، وتسمو بعطره وأريجه.

في ديوانه الموسوم (جرح النخل)، نقرأ في الإهداء:

 للعـراق الشايل اجروح اليتامه

للزرع بينـه رغم حزنه ابتسامة

البيرغ أمي لشدته إحزام الصبرهه

الوالدي الضحه النفس لجل الكرامة

 وفي المقدمة كان الشاعر حامد كعيد، حاضرا في التنقيب عن لمسات الحزن التي ترافق الشاعر في مسيرته وهو يحث الخطى، ليغادر موانئ الحزن والانتظار.

ورغم أن اللغة الشعرية التي يتمسك بها الشاعر صلاح عواد، جعلته من المتميزين في منهجه ونظمه ومسيرته، إلا أن مسحة الحزن التي ترافقه، لا تشكل انتقاصا او مثلبة في منجزه الشعري وإبداعه ومواكبته للحركة الشعرية، سواء على مستوى محافظة بابل أو من خلال تفاعله وتواصله ومشاركته مع شعراء شعبيين في مهرجانات صدحت فيها حناجر الشعراء، فكان صلاح عواد مغردا ومترنما ومنشدا لمفرداته التي تفوح بعطر الملح:

  عجيبة النار تجفل من يمرها

 وحلت لنذال أريدن من يمرها

يتيمة الروح  ظلت من يمرها

بس چف الملح سير عليه

 عن صلاح عواد يقول الشاعر حامد كعيد في مقدمته التي كتبها لديوانه (ولا غرابة أن تجد مسحة الحزن واضحة جلية في قصائد صلاح عواد، ولا ينفرد في هذه الظاهرة وحده، فكثيرون هم متبعو هذه المدرسة،وجيل أدمن على الحرب والعوز والحرمان، لابد أن يبرز ذلك في قصائده)2.

أما الشاعر عبد الرزاق كميل، فإنه يرى في صلاح عواد (متألقا كألق الربيع يكتب من القلب والعاطفة والإنسانية الجياشة)3.

ديوان الشاعر صلاح عواد، يضم بين دفتيه، إحدى وعشرين قصيدة، وفي الختام كانت الابوذية حاضرة أيضا.

 المصايب بالسره اصطفن وجنه

ودمعي ما رضه ايفارگ وجنه

أخبرك نار مـا تحصل وجنة

جفن واثنينهن شـحن عليه

 القصائد التي احتواها ديوان " جرح النخل":

 (باب العواصف، شمس الغور بت، رسالة إلى أمي،گاع الصبر، خيط الفجر، سچة وهم، وشليل العوز، لا ترحل، جرح النخل، يا موت أستحي، عوز الفرح، علة الماعون، وساد الصبر، أتراب البيت، ضفيرة عيد، ثوب الگاع، موسم حصادي، ريل الهجر، چف اليتامى، عباة الليل، صندوگ الأسرار).

 هذه القصائد التي أودعها الشاعر صلاح عواد في ديوانه "جرح النخل" طرزتها موهبته الشعرية، وبراعته، وتمكنت منها ريادته في النظم والإبداع، واستوطنت فيها قدرته على الغوص في المفردات وتوظيفها، فكان ان وضع شعره في خدمة الإنسان وتبيان ما يتعرض له من معاناة وحرمان وعوز وامتهان.

في قصيدته "كاع الصبر" يخاطب الوطن، خطاب العشق والانتماء والهوية:

 من گد ما نحبك ما نفرط بيك

فك حلگ التراب وعاين الجوفك

تلگه شما زرعنه وخضرينه رجال

طاحت روسها وما گدرت اتعوفك

ما يردوك تعله وتعله مـا يردوك

يردون الغمدها اتحـدر سـيوفك

ويكرهونك عراق من الصفات البيك

چي شالت حسين وضمته اجفوفك

 أما قصيدته "شليل العوز" والمهداة الى الشهيد ومؤسس الجمهورية العراقية،و التي أرادها معيارا لنزاهة الحاكم ومصداقيته ومن ثم عقد مقارنة بين الزعيم عبد الكريم قاسم وما يمارسه السياسيون في ظل الفساد والتزوير ونهب المال العام وغيرها من الأمور التي باتت تشكل سياقات منحرفة عن الحكم الرشيد.

 لو مثلك قيادي ايشيل هم الناس

ويلم كسر الزمان الفات ويجبره

چا شط الحزن ما داس فج الگاع

لف جرفه بعباته وغير المجرى

بس امنين أجيبك يا گمر مطعون

وأدري ابحضن دجلة اندفنت الگمره

وفي قصيدته التي اخذ الديوان عنوانه منها " جرح النخل ":

لأن ابن الوطن عايش غريب الدار

لا شبر اليملكه ولا له طابوگة

رابي وي الهضم وأرضع ثدايه الخوف

وأتنفس هواي ابريه مخنوگة

وأدگ باب الفرح مليت أدگ الباب

كف عمري وخلص والباب مطبوگه

 الشاعر صلاح عواد، بدأ مشواره الشعري في منتصف العقد التاسع من القرن الماضي، وهو عضو جمعية البيت العراقي للشعر الشعبي في بابل، وناشط في حضوره في المحافل الثقافية والمهرجانات الشعرية. كما انه رئيس رابطة الشعراء الشعبيين في السدة، وعضو رابطة الشعراء الشعبيين في المحا ويل.

ورغم أننا قد أعطينا الشاعر فرصة الإبحار في مرافئ الحزن، وأبحرنا معه في تلك الموانئ التي حلقت فيها قوافي الشاعر وأناشيده، لكن ان يتحول الحزن إلى تشاؤم صريح وابتعاد عن الأمل الذي نستشعره في ظلمة دربنا، ولن تغيب عنا نظرة التفاؤل والأمل حتى في أحلك الظروف وأشدها قتامه، فإن هذا يجعلنا ندعو هذه القامة الشعرية، وهذا الصوت الشعري المتألق، لإعادة النظر في مفردات التشاؤم ومحاولة مغادرتها، رغم أننا ندرك جيدا ان اختيار الشاعر مساره ومنهجه ومفرداته، أمور تتعلق بشخصية الشاعر وتفاعله مع الأحداث والوعي والمستوى الثقافي والمعرفي، ونحن لا نشك أبدا، في معطيات الشاعر صلاح عواد، وتمسكه الواضح بمدرسته الشعرية التي لا تتعارض مع حركة التطور التي أسهمت فيها قامات شعرية فتحت الطريق رحبا أمام الشعراء لينهلوا من معين الأمل والتفاؤل والانفتاح على الجديد، وهذا ما أكده الشاعر حامد كعيد في المقدمة التي كتبها لديوان الشاعر، حيث يذكر (أن قادم الأيام كفيل بأن يرينا نصوصا للشاعر صلاح عواد يفوح منها عطر الأمل والتطلع الى مستقبل جميل سيؤول اليه الوطن والناس سوية).

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر