في ليلة زفافة .. رائد الاغنية العراقية الحديثة

عدد القراءات : 337
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
في ليلة زفافة .. رائد الاغنية العراقية الحديثة

أبو سرحان، صائغ الكلمات ومهذبها، المحدِث الأول في الأغنية العراقية، كلماته حِكم وصوره الشعريه تتلمسها واقعا، أبو سرحان الحاضر أبدا في مثل هذه الايام من صيف العام 1982، غادر بسيارة من المفترض انها تسير بطريق آمن كي تصل بالشاعر الى بر الامان، غادر بيروت الغربية المحاصرة متجها الى دمشق مرورا بشرق بيروت التي كان الجزء الاكبر منها محتلا والتي لاطريق للخلاص سواه لضمان حياته كونه يعاني من امراض وكان جسمه النحيل لايحتمل اكثر مما هو عليه من منفى وفراق عن بلده وأهله وزوجته وطفله الوحيد (طيف) كان خروجه من العراق مكرها بل خرج هاربا من جحيم آخر كانت كوابيسه تنخر بذاكرته. ماهر ميلان

كل يوم وليلة لا بل كل ساعة ...ايامه في بيروت في ذلك الوقت لم تكن نزهة او سياحة بل كانت ساحة معركة لايعرف مصيره فيها كسائر المبدعين العراقيين من امثاله الذين اختاروا العبور من تلك الساحة الفوضى لعلهم يقولون كلمتهم من خلالها للعالم أن عراقا انتهك فيه الانسان ، واضطهد فيه المبدع الشاعر والكاتب والصحفي والفنان وكثرت فيه السجون والمعتقلات وازداد فيه المعتقلون..

والأكثر من هذا طاردونا الى هنا الى بيروت حيث الاغتيالات على قدم وساق.

ودعناه في وقت هدأت فيه اصوات المدافع وقصف الطيران في هدنة ساعات لاغير لاخلاء الجرحى والشهداء من ساحة المعركة . وهذا اتفاق المتحاربين وليس لشاعرنا فيه لا ناقة ولا جمل.

اودعناه في سيارة ضمن قافلة من السيارات الخاصة والعامة ... حاملا دفترين لا ثالث لهما ... جواز سفر ..وديوان شعر لم يكتمل بعد ..

ولد الشاعر ذياب كَزار (أبو سرحان) في مدينة البصرةعام 1946 وفي شبابه التزم الخط الوطني حيث كان في مقدمة المناضلين بالدفاع والوقوف الى جانب المظلومين والمضطدين من ابناء شعبه من العمال والفلاحين والناس الكادحين معززا ذلك بالتزامه بخط الحزب الشيوعي العراقي . إثر ذلك النضال بين الجماهير تم اعتقاله وهو مازال شابا دون الثامنة عشرة من عمره، دخل سجن (نكَرة السلمان) عام 1963 وكان أصغر المعتقلين سنا كما ذُكر ذلك في وثائق وسجلات الأمم المتحدة .

أتقن اللغة العربية وقواعدها في السجن بوجود مجموعة من المثقفين والسياسيين المناضلين.. ومنهم الادباء والشعراء أيضا كالنحامي والشاعر الفريد سمعان، والشاعر الكبير مظفر النواب ، وهاشم الطعان وغيرهم .. وبعد اطلاق سراحه واصل ( ابو سرحان) نضاله من خلال كتاباته المستمرة في النشريات ومن خلال عمله في الصحف والمجلات العراقية وكذلك في الاذاعة والتلفزيون أيضا مع نخبة من الكتاب والشعراء والصحافيين في جريدة طريق الشعب التي تصدر في بغداد في اوائل السبعينيات.. الى جانب مجموعة من خيرة الكتاب والصحفيين في ذلك الوقت منهم الكاتب والصحفي شمران الياسري ( أبو كَاطع ) ورشدي العامل والفريد سمعان وسعدي يوسف وغيرهم ..

أصدر الشاعر ذياب كَزارالذي عُرف بأبي سرحان ديوانه الأول والوحيد (حِلم وتراب) في أوائل السبعينيات ، ساهم في المجموعة الشعرية المهمة والغنية بمضامينها ومن شارك فيها ديوان (أغان للوطن والناس) والتي صدرت عام 1974 بمناسبة العيد الأربعين للشيوعي العراقي مع شعراء تلك المرحلة مثل عريان سيد خلف ، شاكر السماوي ، فالح حسون الدراجي ، كامل الركابي ، كاظم غيلان ، ورياض النعماني ، رحيم الغالبي ، فاضل السعيدي وأسماعيل محمد أضافة الى الى الراحلين فالح الطائي ، كاظم الرويعي، وغيرهم.

يُعد الشاعر من رواد شعراء الأغنية العراقية الحديثة في مرحلة انتعشت الاغنية العراقية وعرفت برصانتها وجماليتها ، ومازال العراقيون يتناولون تلك المرحلة ويطلقون عليها ، (أغاني الزمن الجميل) كان عاشقا للوطن ، ذواقا للحرية والحب والكلمة الشعبية والجميلة المنتقاة من الواقع ، وهو الشاعر الذي بقي في قلوب واذهان وضمائر الناس فقد اتخذ لنفسه طريقة جديدة في كتابة الاغنية ،كما ويعتبر ظاهرة جديدة، حيث أبتكر أدواته التعبيرية ومفرداته التي استنبطها من الموروث الشعبي، وكانت أغانيه تعبر عن المعاناة اليومية للريف العراقي بصورة كاملة لطبيعة هذا الريف.

 

ان الاغاني التي كتب كلماتها الشاعر(ابو سرحان) مازالت راسخة في اذهان الناس يتذكرها العراقيون يوميا لما فيها من مساس بأحاسيسهم سواء في غربتهم او في وطنهم ومفرداته المميزة .. حيث النخلة، وطيبة أهله وبيوت الطين، والجنوب والاهوار والمكَذلات، وكَصايب البنات، وزفة العروس، وحديث الامهات وجلسات عتبات البيوت، وشاي أبو الهيل والشناشيل ودجلة والفرات والنذور وتسيير الشموع في النهر ( شموع الخضر) ليلا، والريل والديرة، وشدات الورد ،وحمرة الخدود، والليل والكَمره , والكنطرة وابنادم ...

الخ من تلك المفردات التي تلامس أحاسيس الناس .

مرة مرني الطيف نسمة اعلى جنح.. لامل خضير

اغنية ابنادم لـ حسين نعمة

اغنية الكنطرة وخيو بنت الديرة.. لـ سعدون جابر

اغنية شوك الحمام.. لـ فاضل عواد

اغنية شدات الورد.. للراحل ستار جبار

اغنية ثلاثة للمدارس يروحون.. لــ مائدة نزهت

وغيرها من الاغاني الجميلة والراقية.

ويقول الشاعر الكبير فالح حسون الدراجي في مقال له بعنوان ( أبو سرحان والخروج المبكر من النص ): لقد سحق (أبوسرحان) لغة ومفاهيم ونظم النص الغنائي المهترئة ، قال لي أبو سرحان مرة :

( اسمع يافالح ، الأغنية مثل الحكومات ، لها جيش وأمن وسلطة، وفيها أشخاص منتفعون يدافعون عن منافعهم حتى الرمق الأخير، ولكي تخلق أغنية راقية ، يجب ان تكون شجاعا باسلا فتقتحم مواقعهم العتيدة أولا ، ولكي تستطيع بعدها فرض شروطك الفنية فتصنع لك أغنية حديثة متطورة ، تتماشى وحركة التاريخ ، وبخاصة وان الأغنية اليوم سمة من سمات المجتمعات الحية ، تصور ، كم سيكون الأمر مفجعا ، لو بقيت الأغنية على حالها دون تغيير – والى الأبد – بحيث نظل نغني بعد ألف سنة (ولفي الغدار .. يطلبني بثار .. امخليلي شويه نار أباب الدار .. رايد بيها يحرك گلبي أوف أوف ياربي). ويضيف الشاعر فالح حسون: لقد حمل (ابو سرحان) معول الهَدم ، فأطاح بهيكلية الأغنية والحياة والجمال بناء فنيا ثرا..سيبقى الشاعر (ابو سرحان) ذياب كَزار، ابو طيف، معلما للحب والعشق والوفاء لوطنه وشعبه ..الذي تعلمنا منه الروح الوطنية والتشبث بالحرية وروح الصمود في مقارعة الأنظمة المستبدة والفاسدة من خلال إرثه الابداعي وكلماته التي اصبحت حِكما يتداولها الناس وستظل صرخاته مدوية تفيض حنينا وعشقا للانسان.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر