عِبرة عاشوراء ودور المبدعين

عدد القراءات : 1078
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عِبرة عاشوراء ودور المبدعين

بقلم : د . عبدالله راضي حسين 

 

إن ما يمر به في السنين الأخيرة عراقنا الحبيب ( عراق الطف ) والتآمر الأموي في حينها ، والتآمر الصهيوــ أمريكي الوهابي المعاصر ، يثبت لنا دون أدنى شك بأن ملحمة الطف قد أغنت التأريخ الإنساني والعالمي والعربي بما لم يكن موجودا ، ولا يحتمل أن يوجد مستقبلا . إلا أنه عند ممارسة الطقوس الخاصة بتلك الملحمة ، لا يكفي إعطاء الوجدان والقلب لملحمة كبيرة في مضمون فعلها وشخصية رمزها الذي لا يزال حيا في ضمائر الناس . إذن ستكون نقطة الانطلاق لفهم طقوسها من ضرورة وضوح الرؤية العقلية لها ، ومن خلال مضمون الحدث ورموزه ، بل من خلال فلسفتها وعقلنتها من أجل الغور في غاياتها الداخلية السامية وليست مظاهرها الخارجية الشكلية التي قد تؤثر سلبا على ذلك المضمون مما يفسح المجال لاستغلالها لتحقيق منافع معينة بعيدة عن روح الملحمة أو لغرض تشويه حقيقة أغراضها ونتائجها الملموسة بقصد أو بدون قصد وتحت مظلة حرية ممارسة الطقوس الدينية . ومن المفيد أن نشير هنا الى كتاب الكاتب الانكليزي اللاذع السخرية برنارد شو المعنون ( المسيح ليس مسيحيا ) ، والذي يشرح فيه الدور القذر الذي لعبته مصالح طبقات وجهات معينة لتشويه عقيدة السيد المسيح وإبعادها عن المفهوم الإنساني الذي قصده . وعليه يتوجب على علماء الدين الأشهاد والمفكرين والمثقفين ( من أدباء وفنانين ) إزالة تراكمات الغبار الفكري عن ( ملحمة عاشوراء ) من قبل بعض ( الحسينيين الذين ليسوا بحسينيين حقا !! )  والنظر إليها من زاوية معرفية حقيقية علمية – وعلى حد قول الفيلسوف المعاصر سبينوزا :" يوجد في هذا العالم ثلاثة أشياء جديرة بالاهتمام – العدالة ، الجمال ، الحقيقة " . إذن ، ألم تشتمل واقعة الطف على هذه الأشياء الثلاثة ؟ ألا يفترض على المبدعين من مثقفين وكتاب  وأدباء وفنانين أن  يتخذوا ( العبرة / بكسر حرف العين )، وبعد مرور قرابة ( 1376 ) عام على ملحمة عاشوراء – وبالخصوص في ظل ما متوفر من أجواء الحرية النسبية في البلاد حاليا ، تلك العبرة التي أكد عليها الجاحظ  مرارا وتكرارا بخصوص تتابع الأجيال " إننا قد وجدنا ( العبرة ) أكثر مما وجدوا ، كما أن من بعدنا يجد في العبرة أكثر مما وجدنا " . تلك العبرة التي تؤكد لنا أن ثورة ( الحسين –ع- ) ومن استشهد معه ( قدس الله انفسهم ) كانت تجسيدا لطلب " العدل ، الحقيقة والحق "، إضافة إلى "جمالية الموقف الشجاع " ، الذي أثبتته تطورات الواقع الحياتي الملموس ، والتي تؤكد أن ( الحسين –ع- ) كان ( منتصرا) وليس ( مندحرا ) ، بالرغم من استشهاده ، وكان (غالبا) وليس ( مغلوبا )، إذ أن مبادئه وقيمه أصبحت مدرسة على مر العصور ، ولكل الثوار والمضطهدين – وحتى من غير المسلمين أيضا – من أمثال ( غاندي و هوشي من  وغيرهم الكثير ....... حيث يقول غاندي تعلمت من الحسين ( كيف أكون مظلوما فأنتصر) ، إضافة إلى أن الحسين لم يكن ( ظالما ) بل إن الناس ظلموا أنفسهم ، وكان ( مظلوما ) في ( المظهر وليس الجوهر ) لأن لديه ( تبليغا إلهيا عن جده وأبيه بأنه سيكون شهيد كربلاء لرفعة المبادئ والقيم ، وحاشى لله أن يظلم عباده ) . 

 وعليه يتوجب على مبدعينا في العراق ( من كتاب وشعراء وقصاصين ومسرحيين وفنانين ، وحتى موسيقيين ) ، وحتى في الدول الإسلامية والعالمية ، أن يتعاملوا مع مضمون (ملحمة الطف ) ،على أنها ( انتصار الحق ) و(اندحار الباطل ) ، وما لها من طقوس خاصة ، ولا بأس من ( البكاء ) كـ ( عبرة / بفتح العين ) ، نتيجة لتداعيات المواقف اللا إنسانية التي تعرضت لها ( بقية آل محمد – ع- ) بعد الملحمة .     ولكن على المبدعين عموما - والعراقيين خصوصا - (  وكل من زاويته الثقافية والفكرية ) ، أن يحتفوا بالنصر ويبعثوا برسالة إبداعية للعالم أجمع – وللمتغطرسين من حكام ودول على وجه الخصوص – بأن الشهداء من أجل الحقيقة والعدالة ما زالوا أحياء بيننا ، ولن نبكيهم فقط ، بل نتشرف بهم ونحتفي ببطولاتهم في مقارعة الطغاة من أجل المبادئ ، والدليل على ذلك هذه القبب و المراقد الشريفة الشامخة على مر العصور، هذا من جهة أولى ، ومن جهة ثانية ستساهم هذه الأعمال الإبداعية (مسرحية ، قصة ، رواية ، قصيدة ، لوحة تشكيلية ، سيمفونية ) بغلق الطريق أمام التبسيطيين لمضمون الملحمة من روزخونيين منتفعين ما زالوا يستغلون الأجواء القديمة للمساهمة في تحجيم وعي المواطن وتضليله وتركه يراوح في مكانه ويختم على عقله بمفاهيم أسطورية لا علاقة لها بجوهر الملحمة الكبرى لإستشهاد أبي عبدالله ( ع ) والشهداء الأبرار، أسوة بما  كان يفعله دعاة الإسرائيليات اليهودية ومبشري الزرادشتية والكونفوشوسية . ومن جهة ثالثة ، سيساهم هؤلاء المبدعون بإدانة الطواغيت السالفين والحاليين واللاحقين الذين يرومون إذلال بني البشر بشكل عام ، وطليعتهم من الصالحين والمثقفين والثوريين بشكل خاص . وعلى ضوء ذلك سيبعثون برسالة حقيقية حضارية للعالم تجسد فهمنا الحقيقي لتراثنا الخالد ( أولا ) ، وما نشاهده ويشاهده العالم من مقام بارز لأبطال الملحمة وأحفادهم من خلال المراقد الشريفة ( ثانيا ) ، واستبسال مقاتلي الحشد الشعبي في الدفاع عن الحق والوطن والمبادئ تخليدا لواقعة الطف ( ثالثا ) . ألا يحفزنا ذلك على إثارة السؤال الاتي : أين قبور الطغاة من أمثال معاوية ويزيد وعبيدالله ابن زياد وأزلامهم ومن ناصرهم من البغاة ؟ ،  وقبور كل من  موسوليني ، وهتلر، وصدام وأزلامهم ......(رابعا ) ؟ وأخيرا ، سنثبت للعالم بأن كل شيء بدأ من العراق ( ومن دون مبالغة ) ،  ابتداء من نشوء الحضارات بأنواعها لغاية نقل الامام علي (ع) للخلافة من مكة والمدينة الى الكوفة / العراق – ليضع ( سارية حكم العدل والحق ) فيها ، ومن ثم يتم تتويجها بـ ( علم السارية ) ألا وهو استشهاد الإمام الحسين  والعباس( ع) في ( كربلاء ) من أجل العدل والمبادئ والحق ، ذلك العلم الذي مازال يرفرف في ( كربلاء / العراق ) ، إضافة إلى الأضرحة المقدسة السبع لآل بيت النبوة الموزعة ما بين النجف  وبغداد وسامراء ، إضافة إلى مقام الغيبة للحجة ( عج ) . 

     ومن الخطأ  الشائع ، والمتداول بين الناس ليومنا هذ ا ، بأن ( التاريخ يعيد نفسه ) في حين أن من يطلع على ( معجم البلدان / لياقوت الحموي) ، ( الكامل في التاريخ / لإبن الأثير) ، ( وفيات الأعيان / لإبن خلكان ) ، ( مروج الذهب /  للمسعودي ) ، و ( الأغاني ، لابي الفرج الأصفهاني  ) ، وغيرها من كتب التاريخ ، يستنتج نصف الحقيقة . لأن التاريخ لا يعيد نفسه بنفس الشكل ، بل هنالك أحداث تتكرر ، مع اختلاف في المكان أو الزمان ، وقد تكون الأسباب أو المسببات  متشابهة لحد ما . وأغلب تلك الأسباب هو الحفاظ على السلطان أو المصالح ، لكن الحجج المعلنة للناس واهية ، والتهم جاهزة مثل : الشرك بالله ،  الزندقة ، والتصوف ، وهذا ما حصل تجاه العلويين وسيد الشهداء  ع ) ، وشيخ الصوفية ( الحلاج) ، و(الشاعر بشار بن برد ) ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ ، إبان الحكم الأموي والعباسي وما تلاهما من أنظمة شمولية ــ وراثية ، سواء على مستوى الخلافة أو الكنيسة . وقد تتشابه بعض الأمكنة ، إلا أن الأسباب والمسببات واحدة تقريبا . فظهرت في تأريخنا المعاصر حركات فكرية تحمل نفس الأهداف والمسببات لكن بمسميات وأماكن مختلفة ، حركات مثل : الوهابية ، الصهيونية ، والتي جعلت واجهتها ( التكفير ) والأخوان اللا مسلمين لان ما فعلوه من جرائم يندى لها جبين البشرية جمعاء ، و بأسماء ما أنزل بها من سلطان ( القاعدة ، داعش .. / و بقيادة نزلاء السجون والشواذ أمثال(  بن لادن ، الزرقاوي، والبغداديين ــ أبو عمر وأبو بكر . والساحة هذه المرة اتسعت لتشمل اغلب مناطق العراق والوطن العربي من أجل تنفيذ أهداف أتباع ( خيبر) وذيلهم ( الوهابي ) وعملاء الداخل، الذين سيندحرون لا محالة كما اندحروا سابقا ولكن بعزيمة أشد وبلا رحمة .

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عــلــي حــســن الفــواز ... تفاصيل أكثر
نــــوزاد حـــســــن ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
ســعــد العــبــيــدي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حسين فوزي ... تفاصيل أكثر
د . قيس العزاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
نزار حيدر ... تفاصيل أكثر
محمد شريف أبو ميسم ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر