ثلاثون عاماً علــــــى بيـــت الحب والدفء والحنان

عدد القراءات : 1085
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
ثلاثون عاماً  علــــــى بيـــت  الحب والدفء والحنان

فالح حسون الدراجي

سألني صديق عزيز، بعد أن أثنى على مقالنا عن فاجعة الصديق كريم زامل، ورحيل ثلاثة عشر فرداً من اسرته المنكوبة، قائلاً:

أبكيتني يا صاحبي بهذا المقال، مثلما أبكيتنا في مقالات مشابهة أخرى من قبل، فأنت بارع في مقالات الأسى .. !!

ثم التفت لي، وقال مفاجئاً: ألم تجرب الكتابة بلغة السعادة، وتجرب الطرق مرة على باب الأفراح.. أم أن قدرك وقدرنا أن نبرع في أبجدية السواد والدمع، والوداع؟

كان سؤاله صادماً فعلاً، حتى أحالني الى ما هو غائب عني، فاسترجعت في الحال سنوات عمري في الكتابة التي تجاوزت الأربعين، علني أستطيع استذكار خمس مقالات فرحة من بين أكثر من الف مقالة كتبتها في هذه السنوات الأربعين، لكن الغريب أني لم أستطع العثور في صندوق ذاكرتي على مقالة فرحة واحدة، فأية كارثة هذه، حين تقضي اربعين عاماً من عمرك في كتابة المراثي والأحزان فقط!..

 لذلك قررت اليوم أن أكتب عن الفرح الحقيقي، الذي غمر بمائه العذب، الصافي مسامات عمري قبل ثلاثين عاماً، وطرز أيامي بالورد والحب والأغنيات الشجية كل هذه السنين الوارفة بالأمل والأمنيات.

 دعوني أكتب اليوم بلغة الفرح والحب والجمال الخضراء، فقد سئمنا لغة الوجع الداكن، والحزن الفاجع، واسمحوا لي أن أحلق اليوم بثلاثين جناحاً ملوناً، وأشعل لأجل حبي ثلاثين شمعة، أنير بها ليلة العمر التي ما جاءت بعدها ليلة.. 

وها أنا وزجتي أم حسون نردد أغنيتنا الدافئة، مستذكرين ليلتنا المباركة تلك، ومنتشين بحلم حياتنا الجميل الذي انبثق قبل ثلاثين عاماً، ذلك الحلم الذي أثمر قرة عينينا، وعكازة عمرينا: احسان أو (حسون)، كما أحب أن اسميه تيمناً، واعتزازاً بالوالد الورع التقي الحاج حسون ابو خيون، كما أثمر حلمنا عن ولدنا (علي)، وما أدراك ما علي.. فهو شبيه عمه الشهيد البطل أبي سلام (خيون)، ومثيله بالفعل الجسور، والبأس الشديد على الظالمين. 

وكان آخر عنقود حلمنا المبارك، ابنتنا الحبيبة زهراء، التي تدرس الان مادة الإعلام في جامعة سان دييغو بولاية كاليفورنيا، فهي (تريد تطلع مثل دادي) اعلامية، كما تقول !

قبل أيام مرت الذكرى الثلاثون لشراكة قلبينا، أنا وأم حسون، ولم نحتفل وقتها بالمناسبة -رغم أهميتها- خاصة وأنها مناسبة (عقدية)، لكن مرضي، الذي رسم غيمة من الحزن فوق أسرتنا الصغيرة عكر الأمزجة، وأبعد الفرح عن بيتنا ذلك اليوم.

ولعل اصرارنا على الفرح نحن العراقيين، وتشبثنا بالأمل الأخضر الجميل، يدفعنا الى أن نحتفل دائماً وأبداً مهما كانت الأيام، والمناسبات، فما بالك في مناسبة غالية مثل مناسبة اقتران قلبي بقلب من أحب، ومجيء ذكراها بعد ثلاثة عقود كاملة، ألا يستحق هذا اليوم الجميل أن احتفل به مع اسرتي، وأن أضيء سطوره  بحروف النور الساطع، وأن تشاركوني فرحي، الذي انبثق يوم الخامس والعشرين من الشهر الماضي عام 1987؟

الم يشاركني ليلة زواجي، وحفلة عرسي أحبة ورفاق وأصدقاء وزملاء، بعضهم مضى الى الأبدية، وبعضهم لم يزل ينبض بالحياة والحب والوفاء. حفل حين أضع شريط الفيديو وأدقق في الوجوه الوفية التي شاركتني الفرح فيه، يعصرني الألم لغياب بعضها –ولا أريد أن أذكر الأسماء فأقلب الفرح حزناً- وفي نفس الوقت يطربني الفرح والفخر في أن يكون في حفلي مثل هذه الكوكبة الرائعة من الوجوه والأسماء والقامات الإبداعية العراقية الكبيرة .. ولا أريد أن أذكر هنا الأسماء ايضاً خشية أن انسى اسماً من ذلك الحضور، فأحزنه بيوم فرحي، لكني أستطيع القول إن فقرات الحفل -لازدحامها بالأسماء اللامعة – لم تعط مجالاً لفنان كبير مثل كاظم الساهر، فكان إن حشرناه في الحفل حشراً، ولعل الذاكرة تساعدني لأقول إن الفنان الكبير فاروق هلال – بقامته الفنية المديدة - قد شارك في آخر فقرات الحفل بمشاركة قصيرة!!

 أنا سعيد اليوم، ليس لأن الحياة منحتني عمراً، أحتفل به بمرور ثلاثين عاماً على تكوين اسرتي الحميمة فحسب، إنما لأني أملك كل هذا الحشد الكبير من الأصدقاء والمحبين الأوفياء، وهي نعمة لا تأتي الا لمن احبه الله، فرزقه مثل هذا الرزق العظيم.

ولأن الكتابة عندي طقس من طقوس الفرح، لا سيما حين تكون عن البيت الجميل، والزوجة الحنونة، والأسرة الدافئة المكتنزة بالحب الحقيقي، وعن الأصدقاء الذين شاركوني فرحي تلك الليلة المجنونة التي احتفل بها قطاع 43 في مدينة الثورة، وكأنه لم يحتفل من قبل، لذا فإني ساسهر الليلة معكم فرحاً بالمناسبة، رغم أن قلبي يتفطر هذه اللحظة أساً ووجعاً، وأنا اسمع صوت الشيخ ياسين الرميثي، وهو يتلو على روحي سمفونية (يحسين بضمايرنا) الخالدة، فيدق صوته على أبواب قلبي، ليذكره بقدوم الأربعينية العاشورائية.  

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر