جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (7-7)

عدد القراءات : 1307
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (7-7)

وهكذا فالاستنتاج الأرأس من هذه الإطلالة المكثفة يكمن في صحة فرضيتنا المعرفية والعلمية من أن ( قوى الاحتلال البريطاني الأول( 1914-1932) شكلت الدولة العراقية وسلمت مفاتيحها المركزية للضباط العراقيين الذين تعاونوا معها منذ ما يطلق عليه (الثورة العربية) وبخاصة الشريفيين منهم ). ومن نافلة القول: فالتغيير الجذري في 14 تموز 1958 لم يكن هو الذي شرع ابواب السلطة لقدوم العسكر، قدر ما هي محاولة من اصل 41 محاولة تم استخدام الجيش في حل الإشكاليات التي انتصبت أمام السلطة الملكية. لكن ميزة التحرك الأرأس في 14 تموز، تكمن أساسا في التعبير عن مطامح الطبقات والفئات الاجتماعية من خارج نخبة الحكم وبالأخص الفقيرة منها، وهي استجابة لذلك التراكم الكمي النضالي التي خاضتها الحركة الوطنية المعارضة، بأحزابها السياسية، السرية والعلنية، والتي قادت مطلبية التغيير والانتفاضات الشعبية .

 

 د. عقيل الناصري

 

والاستنتاج الآخر، هو أن تأسيس الدولة العراقية الجديدة ، كان النقيض لما كان قائماً قبل الحرب العالمية الأولى من حيث الماهية والشكل ومن حيث الانماط الاقتصادية وبالتالي العلاقات الاجتصادية والبنى الفكرية والتصورات المستقبلية للعراق القادم، حيث اصطدمت هذه الرؤى مع الطبيعة الطبقية للسلطة الملكية، مما أدخلها في صيرورات الأزمة البنيوية المستمدة مما سبق ذكره، بالاضافة إلى:

- واقع التخلف العام والتشظي الاجتصادي ؛

- الإرث العثماني الثقيل وأبعاده الفكرية ومطامعه الاستغلالية ؛

- بين رؤى سلطات الاحتلال والتصورات المستقبلية للعراق والخطاب السياسي الداعي للاستقلال ؛

- من أجواء مرحلة تأسيس الدولة  وتصارع الرؤى السياسية  سواءً على: صعيد قوى الإحتلال او/و تنافر المصالح بين القاعدة الاجتماعية  للحكم ؛

- بين المكونات الاجتماعية العراقية ( الاثنية والمذهبية) ؛

- أو/و بين النزعتين الاستقلالية أو المساومة ؛

- من إشكالية التصارع بين قوام النخبة  السياسية الحاكمة من أصول العسكرية والمدنية ؛

-بين الطبقات والفئات الاجتماعية الحاكمة وتلك المحكومة المطالبة بعدالة التوزيع النسبي للدخل الوطني؛ 

- بين الفئات المتعلمة وتلك المؤسسات التقليدية ومنظومة قيمها ورؤاها ؛

- التنظيم الاجتماعي الرسمية والبنى التقليدية ؛

- المنظومة القيمية للخصال الاجتمانفسية للمجتمع العراقي سواءً بين المدينة والريف أو/و ضمن التكوينات الاجتماعية ؛

-  ضمن الرؤى بين المنطلق العراقوي أو العروبي  ؛

- استمدت الدولة قوتها وشرعيتها من خارج البنية الاجتماعية، اي لم تنشأ الدولة وبنيتها الفوقية السياسية والفكرية نتيجة صيرورة التطور الطبيعي للمجتمع وصراعاته السياسية أو لانقسام طبقي حصل داخله.

 ومن الميزات الأرأسية التي كست تشكيل الدولة الملكية واستمرت إلى نهايتها، فكان الأكثر حدة هو تكريس قانون التفاوت بين المدينة والريف، المطلق والنسبي، حيث اصدرت قوى الاحتلال كما مر بنا، تغيرات في الملكية الحقوقية للأراضي الزراعية وتبنت النمط شبه الاقطاعي منذ عام 1916، واستكملتها الحكومات العراقية المتعاقبة بجملة من القوانين المنظمة للعلاقات الزراعية. بمعنى آخر، إن مرحلة التغيير في حقوق الملكية الزراعية وجملة التشريعات المتعلقة بالأرض كانت تهدف إلى التمهيد إلى الاستعمار الاقتصادي وخلق طبقة إقطاعية عن طريق تمليكهم الأراضي. وكان قانون دعاوى العشائر، أحد وأخطر القوانين إذ ترتب عليه فصل السلطة القضائية بين المدينة، التي تخضع إلى المنظومة القانونية المركزية، في حين أن العشائر قد خضعت لقانون دعاوى العشائر الذي أوكل مهمة القضاء إلى الموظفين الإداريين في الألوية( المحافظات) . وعليه «... فقد عاش المزارع  نصف البدوي في حالة اغتراب عن سلطة المدينة التي بقيت محجوزة لطبقة ثابتة وعوائل عريقة في المال والسلطة. ولا تذكره المدينة إلا لتجبي الضرائب أو لتأخذه جنديا إلى الحروب، وعندما ينزل إلى المدينة لعلاج مريض أو لمتابعة معاملة أرض يعامل باستنكار وتعال... «. 

وطالما أن بنية منظومة القيم العشائرية شديدة السلبية وبطيئة للمؤثرات الخارجية، فبعد تحول المشاعيات القبلية إلى اقطاعية في المناطق الجنوبية والوسطى، بهذا التحول الحقوقي انتقلت السلطة تدريجيا من داخل العشيرة إلى خارجها، وبالتالي لم يستمد الإقطاعيون قوتهم من القبلية، إنما من قوة خارجية وهي السلطة المركزية للدولة، بحيث استحوذت طبقة الإقطاع على مراكز في السلطة التشريعية وكانوا من أرأس العناصر للقاعدة الاجتماعية للحكم الملكي.  

وفي الوقت نفسه، فأن نمو الوعي الاجتماعي العام في تجلياتها السياسية والجمالية والحقوقية والاجتماعية، قد أخذ بالترعرع بفعل عوامل ومؤثرات عديدة وبالأساس التغيير في القاعدة الاجتماعية للانتاج المادي المتسمة  بتعدد الانماط الاقتصادية (قطاع الدولة والقطاع الخاص ونمط الشبه الاقطاعي ونمط الملكية الصغيرة)، ما مهد إلى تغيرات نسبية في البناء الفوقي (تشمل كل العلاقات ما عدا الاقتصادية)، رافقه توسع وانتشار وسائل الإعلام وبالأخص الجرائد، ونمو الأفكار الحديثة مثل الافكار الاشتراكية والقومية والوطنية وتأثيراتها وانتشار التعليم العام وتوسعه، والتحسن النسبي في ظروف معيشية.. مما خلق ووسع من تأثيرات الشرائح الاجتماعية المتوسطة (حاملة فكرة التغيير) وتسنمها لاحقاً، الدور القيادي في صيرورات التغيير المنشود، وأحدها مناهضة النخب التقليدية السياسية في المدينة والريف وعلاقاتهم الداخلية والخارجية، والاجتصادية والأهم لماهيات مستقبل العراق القادم. وهنا يبرز الصراع بين النخب السياسية المحافظة وهذه القوى من طبقات وفئات متنامية ؛ من مثقفين ومتعلمين ومهنيين، لما تمتلك الأخيرة من أرضية جماهيرية. وهذا ما وسم الحياة على مر تاريخ العراق المعاصر.

ومن الناحية الموضوعية والمصداقية العلمية المستندة على تاريخية الدولة العراقية المعاصرة، فلابد من الإقرار بأنه «... على الرغم من أن الملكية الهاشمية كانت من صنع الانكليز فقد كانت خلال العقدين الأولين من عمرها مفعمة بروحية مناقضة اساساً لروحيتهم, ونظراً للتداخل الحميم الذي كان قائماً في البداية بين مصالح الأسرة الهاشمية ومصير حركة العروبة الجامعة، فإن التوجه العفوي الأساسي لهذه الملكية في الفترة 1921-1939 كان باتجاه الذهاب، إلى المدى الممكن في ظروف تبعيتها للانكليز، في عملية بناء الأمة- الدولة في العراق ...   «.  لقد كان  تأسيس الدولة المركزية هو بمثابة انتقال نوعي جديد وكان من أهم معالمه تغيير النمط الاقتصادي السائد كما كان في المرحلة العثمانية، مما افسح المجال للانتقال من اقتصاد الكفاف إلى الاقتصاد السلعي مما ادى الى نمو وتوحيد السوق الوطني وشموليتها للعراق برمته وبالتالي وكعاقبة لهذه التحولات أدت إلى التغيير النسبي للبناء الفوقي( كل العلاقات ما عداالاقتصادية) وإحدى معالمه هو الخروج من التقوقع الفكري والانفتاح على خيارات جديدة المعالم وكان من أهمها تبني فكرة الاستقلال الوطني والهوية الوطنية.   

لقد ساهمت مصادر متعددة في مساعدة قوات الاحتلال على إدارة البلد وبخاصة بعد الانتهاء من احتلال العراق بأكمله والبدء في اقامة المؤسسات الخدمية والامنية بالاساس، كان منها:

- مجموعة الضباط العراقيين الذين خدموا في الجيش العثماني وبخاصة الشريفيين منهم ؛

- الموظفون العراقيون في الإدارة العثمانية الذين بقوا في العراق أو من الذين عادوا إليه بعد الهدنة   ؛ 

- العراقيون الذين تعاونوا مع قوى الإحتلال من الارستقراطية التقليدية والملاك وبعض شيوخ القبائل  ؛

- من بعض الضباط البريطانيين ومن الطاقم الإداري المرافق لقوات الاحتلال  ؛

- بعض العاملين الهنود المرافقين  لقوى الإحتلال المدنيين ومن ضباط  الشرطة.

-  السجناء الهنود  والذين أطلق عليهم (فيالق العمال العسكريين  )

ومن الملاحظ تاريخياً انه«... كان أفراد الجيش البريطاني والإدارة المدنية هما المستخدمان الأكبران للعمل في العراق. وقد استخدمت القوات الريطانية خلال الاحتلال عمالاً هنود جيء بهم لسد النقص العمالة المحلية، إذ بلغ عدد العمال الهنود 8 آلاف عامل معظمهم من السجناء الذين أرادوا العمل في العراق لقضاء محكومياتهم المتبقية... وبعد انتهاء الحرب وعودة بعض العمال الهنود إلى وطنهم صار الاعتماد الأكبر على عمال الجالية الايرانية من الاكراد وكذلك من الاعداد المتزايدة من اللاجئين الآشوريين من شمال العراق...  «. وكرد فعل لهذا التوجه ارتفعت الاصوات رافعةً شعار{العراق للعراقيين} ومنها بدأت العراقوية كتعبير عن (الهوية الوطنية) بالتشكل والتي ترافقت مع الحركة الاستقلالية العراقية منذ مطلع العسرينيات. وعلى ضوء الوقائع التاريخية، فقد فرضت قوى الاحتلال الأول (1914-1932) على كل وزير مستشارا بريطانياً وبالتالي»... ظهر في العراق نمط جديد من أنماط الإدارة، ألا وهو نمط الإدارة الثنائية أو المزدوجة، فكانت الأرجحية فيها للموظفين البريطانيين، حيث كان المستشار البريطاني في الوزارة الحل والعقد في معظم الأحوال...  «.  

وعلى العموم فقد «... واجه النظام الملكي سيلا من الاحباط السياسي، وفي العديد من المناسبات أظهرت النخبة السياسية أنها ليست بحجم مهمة معالجة ذلك الاحباط ، فالنزوع لدفع السياسات من دون استشارة مناسبة، ومضايقة الأحزاب السياسية وإلغاء تراخيص عملها، والرقابة المفروضة على الصحف وإغلاقها، والتلاعب بالعملية الانتخابية، وفي بعض الاحيان تعطيل البرلمان، كلها عملت على التسبب بالضرر الذي احدثته النخبة الحاكمة بنفسها التي لم يساورها القلق لاسيما من إستدعاء الجيش وزجه في شوراع بغداد بغية مواجهة الغضب والاحباط الشعبيين...   «. 

وعليه «... أرى أن حقبة الملكية لم تكن وردية كما يظن الواهمون. ولم تكن « فندقا بخمس نجوم» إلا في مخيلة مرضى الضمير. على العكس، لقد كانت تلك الخروقات الدستورية والانتهاكات الجسيمة للحريات الشخصية والعامة الأساس الحسي المنظور والفاعل المؤسس لمرحلة سيادة العنف الشامل، التي حلـّت بسقوط النظام الملكي...  . 

بالاضافة إلى ضيق سعة النخبة الألولغاركية السياسية وعدم تداول السلطة سلمياً بين الطبقات والفئات الاجتماعية وهيمنة من ذوي الأصول العسكرية طيلة المرحلة الملكية.. لهذا، في اعتقادنا، أن السلطة الملكية قد فتحت الأبواب إلى ولوج الجيش في تغيير الحكم، وكانت المرة الأولى خارج سيطرة النخبة.

 ونصل إلى استنتاج مفاده وماهيته تكمن في أن كل العهود القديمة والحديثة التي مرت على العراق «...كانت شديدة الوطأة، وكان الدم  فيها أرخص من التراب، والذين يطالبون برغيف خبز نظيف بلا منّة أو امتهان ، كانوا يصلبون في الساحات العامة ويلقي بجثثهم بالأنهار والسواقي وقرب صناديق القمامة، وفي مثل هذه الأجواء صار الناس يهتفون للحاكم بأمر نفسه نهارا جهارا وينهشون بلحمه سراً. وشمساً وبعيدا عن الرقباء - وكتاب التقارير وما يسمى اليوم ( العلاّسة ) ثم أنتصر علينا الخوف وصرنا مثل الزواحف، نغير ألولننا وأفكارنا وأشعارنا حسب الفصول والمواسم، وفي خضم ذلك ليس مستغربا أن تكون الشخصية العامة للمجتمع مع وضد في آن واحد...   «. وخير مثال يضرب هنا ليس من عمق التاريخ بل من الجمهورية الثانية ( 9 شباط 1963- 9 نيسان 2003) وبخاصة في الانقىلاب الدولي عام 1968، وبالأخص عندما اغتصب السلطة صدام حسين عام 1979، والتي تعتبر، حسب الكثير من الآراء، من أسوأ فترات الحكم في العراق الحديث..  

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر