جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (6-7)

عدد القراءات : 1353
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (6-7)

وتاسيسا على ذلك، يمكننا القول إن تأسيس الدولة العراقية الحديثة لم يكن على وفق تعاريف الفكر السياسي والقانوني الحديثين، إذ كانت دولة عصرية من حيث الشكل الخارجي أما جوهرها فكان استمرارا للدولة السلطانية التسلطية حيث تنعدم فيها ظواهر الدولة الحديثة باعتبارها دولة مؤسسات وقانون وحقوق والسلطة فيها ملكية عمومية لم تكن قائمة على مبدأ التداول السلمي بين المكونات الاجتماعية. وهذا يفسر إلى حد كبير مأزق الدولة العراقية الحديثة منذ التأسيس عام 1921 وإعادة التأسيس عام 2003.

 

 د. عقيل الناصري

 

ومما زاد الطين بلة، أن المؤسسات الدستورية الحديثة والافكار الجديدة لم تنبثق من خلال الصراع الاجتماعي للمجتمع، بل تم فرضها من الأعلى ولم تكن نتاجها ظروفها الداخلية، بل على وفق منظومة المفاهيم الغربية ومن مجتمعات لا تتشابه مع الوضع العراقي لا من حيث التجربة التاريخية ولا من ماهيات الصراع بكل ابعاده الاجتماسياسية والفكرية ولا من حيث المؤسسات القانونية والسياسية وبالاخص اوالية (ميكانيزم) النظم الدستورية والاحزاب والبرلمانية. لذا فقد تعمقت التشويهات البنيوية للازمة السياسية  للمرحلة الملكية برمتها، وكان من ابرزها العملية الانتخابية التي كانت على درجتين منذ أول انتخابات ولغاية 1953، حيث أمست بصورة مباشرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان تدخل مثلث الحكم ( مؤسسة العرش والوزارة وقوى الانتداب لغاية 1932، والسفارة البريطانية لغاية 1958) فيها. ويذكر توفيق السويدي، احد أعمدة الحكم الملكي، : "... إن مشكلات  البلد ناشئة في الدرجة الأولى من ضعف الوزارات التي قامت في البلاد، لأنها لم تستند إلى مجالس تشريعية منتخبة انتخابا حراً لتمثيلها تمثيلاً صحيحاً، وإن فقدان التمثيل النيابي الصحيح هو الذي باعد بين الشعب وحكومته ، فلو أن مجلساً تشريعياً تجري انتخاباته وقام في البلاد، لقلَّت هذه المشكلات إلى درجة محسوسة...   ".  

وعلاوة على ذلك فإن احدى مشاكل الحكم البنيوية في العراق المعاصر، كما في إعادة تأسيس الدولة العراقية بعد الاحتلال الثالث (9 نيسان 2003- 31 كانون أول 211) قد كمنت في تأسسها "... على يد قوى ونخب محلية استقوت بالمحتل البريطاني، واستمدت قوتها وشرعيتها منه على الرغم من الإجراءات والأساليب الديمقراطية الشكلية المتمثلة بمجلسي النواب والأعيان، مما افقدها السيطرة السياسية وكيفية الاستجابة للأفكار الثورية الناشئة من دون تقويض العلاقات الاستراتيجية التقليدية...  ". إذ بدأت الافكار اللبرالية بالتسرب منذ آواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن السابق،  والافكار الاشتراكية منذ أواسط العشرينيات من القرن المنصرم على يد الرواد الأوئل للفكر الاشتراكي ( حسين الرحال وجماعته  ). 

 

القاعدة الاجتماعية للحكم الملكي

 

لقد استندت الدولة الجديدة عند انبثقها عام 1921 إلى ثلاثة عناصر أساسية أندمجت مكوناتها الأرأسية في كل موحد، لتمثل قاعدة الحكم الجديد المنطلق نحو مركزة ذاته وتقويتها في السيطرة على الحكم، رغم التناقضات الكامنة بين مفردات كل عنصر من هذه العناصر من جهة ؛ وبين هذه العناصر المتنافرة ككل من جهة ثانية ؛ وللمحدودية التاريخية لأفق تطور بعض هذه العناصر من جهة ثالثة ؛ ولإختلاف وأهمية دور كل عنصر في سياق توطيد الحكم وإعادة إنتاج قاعدته الاجتماعية على وفق منطوق تطوره الداخلي من جهة رابعة ؛ وطموح كل عنصر منها، فِراداً، لتوطيد مكانته على حساب العناصر الآخرى من جهة خامسة. وهذه العناصر هي:

1- قوى الاحتلال الأجنبي والكادر الإداري المرافق لها ؛

2- القوى الاجتماعية التقليدية المحلية  المتكونة من :

2.1- المدينية : وتتمثل بالأشراف والعوائل الارستقراطية القديمة والتجار والملاكين ؛

2.2- الريفية المتمثلة بمجموعة القبائل والعشائر وخاصة الكبيرة منها.

2.3- الدينية بخاصة الإسلامية ( السنية) واليهودية ؛

3- مجموعة الضباط العراقيين في الجيش العثماني بخاصة الشريفيين منهم  .

هذه القاعدة الاجتماعية تتماثل مع رؤية قوى الاحتلال لعراق المستقبل، وقد لخص برسي كوكس المعتمد البريطاني في العراق هذه الرؤية كما أوضحها في مذكراته المعنونة ( مستقبل ما بين النهرين) والمؤرخة في 12 نيسان 1918  حيث يقول: "...إن العناصر التي ينبغي علينا تشجيعها هي الآتية :

 أولاً الطائفة اليهودية  في بغداد ؛ ثانياً : الوجهاء والأشراف العرب من سكان مدينتي بغداد والبصرة إن هؤلاء عنصر مفلس متأخر بعض الشيء، إلا أنه من الضروري تشجيعهم وآخذ آرائهم قدر الإمكان؛ ثالثاً: عنصر الملاكين الأغنياء من العرب واليهود على السواء والشيوخ الأكابر للعشائر المتوطنة...  ". ولهذا نرى أن قوى الاحتلال الأول قد غيرت من جملة التشريعات وبخاصة تشريعات الأرض منذ عام 1916 بغية تقوية العشائر الموالية لها، كما تعاونت مع الضباط العراقيين في تأسيس الدولة وسلمتهم المفاتيح الأرأسية للسلطة، في حين عززت من الارستقراطية القديمة والملاك والتجار وسلمتها مفاتيح السلطة الرئيسية والثانوية واستوردت لنا ملكاً.

ومن تحليل هذه البنية الاجتماعية نرى أن الدولة العراقية المعاصرة قد قامت على قاعدة اجتماعية أكثر ملائمةً نسبيا للتطور آنذاك مقارنةً بالمرحلة العثمانية (المظلمة)، رغم أنها كانت تستند على ثنائية متناقضة هي الحداثة والتقليد،كما مر بنا، نظرا لما اكتنفها من عناصر وفئات جديدة ( الضباط العراقيين في الجيش العثماني، الطاقم الاداري لقوى الاحتلال، مؤسسة العرش، فئات اجتماعية وطبقية جديدة كالعمال والانتلجنسيا والفئات المتوسطة والطلبة وغيرها) ؛ واخرى تقليدية (الارستقراطية التقليدية في المدن والمؤسسة الدينية وشيوخ العشائر وبخاصةً الكبرى منها). لكن كانت الغلبة في إدارة الدولة للعناصر الجديدة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية وضباطها المحوريون التي "... لم تكتف بدورها الطبيعي السيادي، بل نهضت بأدوار سياسية داخلية أيضاً، فكانت منها النخب السياسية والأحزاب وكانت– في عدّةِ من الحالات- مصنع القرار السياسي. حتى أن طبقة الإداريين (البيروقراطية) التي أدارت أجهزة رئيسية في الدولة كانت منها احياناً! ولعل الكثير من النتائج نجم عن أداء هذه الوظيفة السياسية الداخلية من قبل الجيش، وليس أقله ما اتصل بالحق العام في السياسة والسلطة الذي صودِر...   ".

 والدليل الملموس أن منصب رئيس الوزراء طيلة المرحلة الملكية قد استحوذ عليه ذوو الأصول العسكرية، وعدد المرات التي ترأسوها فهذا ما يوضحه الجدول التالي:

       جدول رقم (1) يوضح الأصل المهني لرئيس الوزراء خلال المدة 1920-958 ونسبتهم المئوية.

 

 

 ** احتسب الزمن على أساس المعدل العام لعمر الوزارة الملكية، وهو ما يقارب 8 أشهر. المصدر: مستل من كتابنا الجيش والسلطة، 322، مصدر سابق.

ومن الجدول أعلاه يتضح بأن الذين تسنموا رئاسة الوزارة 58 شخصاً،( لم تحتسب الوزارة النقيبية الأولى لانها تشكلت قبل تأسيس الدولة المركزية)  كان 23 منهم من ذوي الأصول المدنية أي بنسبة لم تتجاوز الـ 38.9%، في حين بلغت هذه النسبة أكثر بقليل من 61.1% لذوي الأصول العسكرية، الذين تسنموا رئاسة الوزارة 35 مرة، وبالتالي مكثوا في الحكم 280 شهرا من اصل 464 شهراً وهي المدة بكاملها أي بنسبة أكثر بقليل من 60.4 %. ومن الملاحظ أن الضباط الشريفيين كونوا النواة المركزية للنخبة الأوليغاركية، حيث كانت مدة مكوثهم في رئاسة الوزارة أكثر 50% .

وهكذا استحوذ ذوو الأصول العسكرية ومن ضباط الجيش العثماني الآخرين، على منصب رئيس الوزراء، فقد ترأس كل من: نوري السعيد الوزارة 14 مرة، جميل المدفعي 7 مرات، عبد المحسن السعدون 4 مرات، علي جودت الايوبي 3 مرات، جعفر العسكري وياسين الهاشمي وحمدي الباجه جي وأرشد العمري مرتين لكل منهم. وكل من ناجي السويدي وناجي شوكت وحكمت سليمان وطه الهاشمي ومزاحم الباجه جي ومصطفى العمري ونوري الدين محمود، مرة واحدة لكل منهم. ليس هذا فحسب، بل هيمن وتسنم ذوو الأصول العسكرية على شاغلي المناصب الوزارية السيادية ، وهناك جدول يوضح عدد شاغلي مناصب الوزارات السيادية حسب الأصول المدنية للفترة 1921-1958 ونسبتها.المصدر: كتابنا الجيش والسلطة، ص.329 ، مصدر سابق.

 

وهذا يبين سيطرة ذوي الأصول العسكرية على الوزارات السيادية وتوجيهاتها حسب تصوراتهم وفلسفتهم وبهذا فقد ركزوا مصادر القوة ومركزة القرار المركزي للدولة بأيديهم، وإذا اضفنا نسب رئاسة الوزارة إلى ما ذكر أعلاه، فسوف تتضح الصورة بجلاء وهي سيطرة ذوي الأصول العسكرية على المفاصل الأرأسية والرئيسة للسلطة الملكية. 

ليس هذا فحسب، بل امتدت سيطرة ذوي الاصول العسكرية حتى على السلطة التشريعية (مجلس الأمة: الأعيان والنواب) إذ تولى رئاستهما 49 شخصاً كان 24 منهم من ذوي الأصول العسكرية، اي بنسبة 49%، وإن تباينت هذه النسبة بين مجلس وآخر، فكانت نسبتهم  في رئاسة مجلس الأعيان في حدود 38,5%( 5 من 13)، أما رئاسة مجلس النواب فكانت نسبتهم 52,8% ( 19 من 36). 

أما إذا اضفنا مؤشراً آخر لحضور المؤسسة العسكرية، المتمثل في سريان مفعول الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية (الجزئية والكلية لعموم العراق)، ومضمونها الحد من سريان مفعول الدستور، وقد بلغ عدد هذه المراسيم للمرحلة الملكية برمتها،27 مرسوما  . وعلى ضوء هذا المعيار وفعاليته، فيمكننا تقسيم المرحلة الملكية إلى فترتين: الأولى:

- 1921- 1932( مرحلة الانتداب) وسريان مفعول الأحكام الاستثنائية برمتها ؛ 

- الثانية : 1932-1958 (مرحلة الاستقلال الشكلي) حيث أعلنت الأحكام العرفية 16 مرة، غطت أكثر من 40% من المساحة الزمنية. وقد إزدادت كثافتها منذ الاحتلال الثاني (  1941- 1947) حيث بلغت مدتها ما مقداره 3138 يوماً، اي 8 سنوات من أصل 17 سنة. .

ومن المعايير الأخرى لسيطرة المؤسسة العسكرية تتمثل في التوسع المضطرد لوزارة الدفاع طيلة المرحلة الملكية وبخاصة منذ عام 1935، إذ عدل نظامها الداخلي في عهد الوزارة الهاشمية الثانية( 17/3/1935- 29/10/1936) بغية إستيعاب التوسع الكمي الذي حدث في الجيش نتيجة إقرار التجنيد الإلزامي. ولهذا ارتفعت ميزانية وزارة الدفاع في ذلك العام أكثر بقليل من نصف المبلغ الإجمالي لميزانية الدولة العراقية (55%). 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر