صبراً آل زامل !

عدد القراءات : 1400
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
صبراً آل زامل !

فالح حسون الدراجي

لا أريد أن أخرج عن جادة الدين، وحاشا أن أذهب بعيداً عن تراث الإسلام، وثقافته، ومحدداته الإجتماعية والفكرية التي باتت أقرب الى القدسية منها الى التراث، لكنني في ذات الوقت لا أريد أن اخرج من جلدي، ولا أغادر عاطفتي ونبضها الحار، فأنا إنسان تبكيه قصيدة لمحمود درويش، وهو يحن فيها لخبز أمه، وقهوتها.

 وانا شاعر مسكون بالألم والأسى، فيوجعه نغم الصبا، ويفجعه سيد محمد حين ينزف أنيناً فاجعاً من حنجرته التي تغرف أساها من نهر (المحمداوي) الدامي، الطور الذي يفطر القلب، ويشق الروح شقاً. وأنا ابن مدينة الثورة التي صرخت بكل قطاعاتها عندما صرخ قحطان العطار بأعلى درجات غربته: (يمه يا يمه اسمعيني) !!

أنا الذي أبكي لكسر جناح عصفور، يثقله الوجع، ويبعده عن الفضاء الرحب، فيقعد مختبئاً خلف سلة رمان في سوق مريدي.

أنا فالح الذي يمرض قبل أن يمرض جاره العجوز، جاره الذي يعافيه كل صباح بموسيقى الجمال السومري، قائلاً له بكل عذوبة ميسان: ( صباح الخير والعافية عمي ابو حسون) !

فكيف يصبر من كان مثلي على مشهد الأسى، والفجيعة، والكارثة الظالمة التي حلت بفتى عراقي طيب، ووديع، وناعم، وناحل، بل هو أكثر نحولاً من ناي الجنوب، وأرق من عود  القرنفل، وأصغر من عصفور الكناري ..؟!

كيف يسكت من كان مثلي يملك قلماً ولساناً طويلاً حاداً، وهو يرى بأم عينيه فجيعة (الكفر) التي ارتكبت بحق صاحبه،  وصديقه  العذب ؟

وهل يبقى متزناً، مؤمناً، مُحترِماً لما سيأتي به (السيد القدر)، وهو يراه يرتكب جريمة غادرة، ولا أقول غير ذلك خشية أن أتهم بالكفر!!

إن ما حدث لهذا الفتى (الكريم)، كان بمثابة جريمة فاحشة، بكل المقاييس السماوية والأرضية والإنسانية.

 نعم، هي جريمة ارتكبتها الأقدار الظالمة بحق هذا الرجل، دون أن تفكر لحظة واحدة بما سيحدث له من أحداث، ودون أن تفكر بما سيكون عليه هذا الإنسان الوديع حين يأتي المساء، ويقف متفقداً داره، وأهله وأحبابه ويلقي عليهم السلام، فلن يجد أحداً منهم يرد له السلام؟

أي فعل أشد ظلماً من هذا الفعل القدري، الذي ارتكب يوم الجمعة الماضية على طريق بغداد – النجف، والذي راح ضحيته ثلاثة عشر فرداً من اسرة صديقنا لاعب الكرة السابق كريم زامل؟ 

 وأية جريمة أفظع من أن يرى كريم بعينيه كيف تشوى امامه عائلته، كما يشوى الدجاج (حسب وصف كريم زامل نفسه، وهو يروي لي تفاصيل  الحادث الظالم)!

 فالسيارة التي كانت تقله مع عائلته الى النجف لزيارة قبر أخيه الشاب (رحيم) بمناسبة اربعينيته، اشتعلت فيها النيران بسبب لهب تشكل من انفجار الإطارات الخلفية، ولامس خزان البنزين، فاحترقت مؤخرة السيارة أولاً – حيث كانت مقاعد النساء – ثم امتد الحريق ليلتهم بقية السيارة، والمصيبة أن النساء والأطفال كانوا يشكلون أغلب الضحايا، ربما بسبب عجزهم عن الخروج من السيارة، أو لكون الحريق قد بدأ من حيث كانوا يجلسون، لذلك احترقت أجساد شقيقات كريم الست، وأمه، وأخوه، وابن وبنت أخيه (رحيم) وغيرهم من افراد الأسرة.

 أمس، حين احتضنت كريماً في مجلس الفاتحة الذي كان أشبه بمجلس عزاء حسيني، من كثرة أعداد المعزين، ومن حجم اللوعة التي كانت تكوي افئدة الجميع، بكى صاحبي، وبكيت قبله، بل وصرخنا بكل ما في قلوبنا من وجع، فقلت له: أأقول     لك البقية في حياتك ياكريم؟

فرفع عينيه المدميتين، وقال لي:

أية حياة تريدها أن تبقى يا صديقي.. وهل هناك حياة لي بعدهم؟!

همست في أذن صديقي عباس، الذي كان يجلس جنبي، وقلت    له:

لقد قال النبي محمد لعمار بن ياسر بعد مقتل أمه ورحيل أبيه على يد المشركين: (صبراً آل ياسر)!

 فماذا سيقول صلى الله عليه واله وسلم، لكريم اليوم، لو رأى فاجعته، ودرى    بكارثته، وما حل به؟!.

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر