جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (5-7)

عدد القراءات : 1407
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
جدلية وماهية تكوين الدولة العراقية (5-7)

أما سيرورة التصويت وشكلها وماهياتها، فقد اصدرت وزارة الداخلية، استنادا إلى قرار مجلس الوزراء، بيانا حددت فيه كيفية التصويت، موجها "... إلى متصرفي الألوية كافة، طلبت فيها تسجيل آراء الأهلين في قرار مجلس الوزراء الصادر في 11 تموز 1921 وهيأت لجانا للإشراف على عملية التسجيل، فأوفدت كل لجنة إلى أحد الألوية، فكانت اللجان المذكورة، بعد أن تحل بالمدن والقصبات والقرى، تدعو الأهلين إلى الإجتماع في كل محلة من محلات المدن والقرى، فيتلوا أحدهم خطابا عن مهمة اللجنة، ويعدد فضائل الأمير الهاشمي، فتردد الأصوات كلمة ( موافق، موافق) ويفض الاجتماع، بعد ان تكون اللجنة قد نظمت محضرا بذلك وملأت المضابط المعدة لهذا الغرض، وكانت كلها بصيغة واحدة ...

 

 د. عقيل الناصري

 

 وهكذا تحققت أول مسرحية من مسرحيات الاستقلال التي مثلها البريطانيون في العراق ببراعة ما فوقها براعة ...  ". وبهذا تكون بريطانيا (الديمقراطية) قد قامت بأول عملية تزوير، بالمضمون والشكل، رسمية (شفافة) لإرادة الشعب العراقي من خلال التصويت بالمضابط .

 كما وبهذه العملية السياسية تكون الدولة الوليدة قد انجزت خطوتها الأولى في مسيرة طويلة لإرساء تقاليد  التزوير السيئة في الانتخابات النيابية، بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة بين المكونات الاجتماعية العراقية وأحزابها السياسية. مما وسم السيرورات الانتخابية في المرحلة الملكية برمتها، حيث كان تزوير الانتخابات من أكثر سمات المرحلة بروزاً، بحيث ساهم مثل الحكم آنذاك بهذا التزوير والمتمثل بـ : مؤسسة العرش ؛ السلطة التنفيذية متمثلة برئاسة الوزارة ؛ قوى الاحتلال لغاية 1932، والسفارة البريطانية لغاية 1958. ومن الأمثلة الصارخة للتزوير ما قامت به الوزارة السعيدية الأولى (23/3/1930 - 19/10/1931) وهي تستعد لإبرام اتفاقية عام 1930الاستعمارية. فلقد "... أحدثت المعتمدية البريطانية وحكومة نوري السعيد طريقة جديدة لانتخاب المجلس الجديد، خلاصتها أن يُطلب من كل شخص ترشح للحكومة أن يقدم تعهداً خطياً بالموافقة على إبرام المعاهدة الجديدة . وعلى هذا فقد جمعت الحكومة سبعين نائباً من مجموع عدد النواب البالغ 88 نائباً. وبهذا الأسلوب غير الشرعي تم إبرام هذه المعاهدة في 16 تشرين الثاني سنة 1930...   ".

وهكذا كانت (طبخة الملكية) كما يحلو لعالم الاجتماع الدكتور علي الوردي أن يطلق عليها  ، تم (استيراد) فيصل الأول وتعيينه ملكا على العراق، إذ دعمه وساند ترشيحه كل من وزراتي الخارجية والمستعمرات البريطانية ومجموعة المكتب العربي في القاهرة ، علماً أنه سبق وأن تعامل مع هذا المكتب منذ 1916، عندما  التجأ أبوه اليهم، كما مر بنا، وطُلب منه الانتفاض على السلطة العثمانية منذ عام 1916 بعد اتفاقية سايكس- بيكو. وتم تثبيت هذا التعيين في مؤتمر القاهرة المذكور عام 1921. كما تمت الموافقة في المؤتمر على تشكيل جيش للدولة الوليدة يتولى حفظ الأمن الداخلي، وعلى ضوء هذا القرار وافق المندوب السامي البريطاني بتاريخ 26 ايار 1921، على ضرورة الاسراع بسن قانون التطوع المؤقت للجيش العراقي، وكذلك بقية أجهزة الشرطة بأقسامها المختلفة على وفق شرعنة الانتداب البريطاني ومقتضياته، كما تأسست الإدارات الرسمية في مختلف شؤون الحياة  ، أما النواة الأولى للتنظيم الإداري للعراق على وفق الدولة الحديثة، فقد تم  أثناء الحرب على العراق، من قبل الإدارة البريطانية خلال الفترة 1914 - 1921  .

 وأعتقد من الضروري التوكيد على:

- أن الانتفاضة الكبرى ( ثورة ) عام 1920 وما سبقها من إنتفاضات وبخاصة انتفاضة النجف عام 1918 المرتبطة بالرؤية الوطنية العراقوية وبحرس الاستقلال ذات الخطاب الاستقلالي إبان الانتفاضة، تُعد العتلة المركزية، بل الأرأسية في تأسيس الدولة العراقية المعاصرة ، كعامل أول ؛ 

- وأيضاً على وفق الوعود (اللفظية) البريطانية باستقلال الدول العربية المشرقية وتكوين الدولة الموحدة، وتوصيات مؤتمر السلام حول تقرير المصير، بتأسيس حكومة من ابناء البلد، مع المحافظة على مصالح المحتل في البلاد كعامل ثان ؛

- كما أن هنالك عوامل أخرى فرضت ظروفها على تبني إنشاء الدولة العراقية المعاصرة، منها، على سبيل المثال، التكاليف المرتفعة للجيش البريطاني عند الحكم المباشر من قبل قوى الاحتلال، حيث كانت نفقات بريطانيا بالعراق للسنة المالية 1919 - 1920 قدرت بحدود 80 مليون باون  وانخفضت  للسنة المالية 1920 - 1921، إلى 32 مليون باون.. واستمرت بالانخفاض بخاصة بعد سحب قواتها حتى بلغت في السنة المالية 1925 - 1926، اربعة ملايين ونيف .

وبعد أن فرغت قوى الاحتلال من اختيار الملك وتأسيس الدولة العراقية، عملت "... على اضفاء الشرعية على وجودها عبر سلسلة من الاتفاقيات والتعاهدات، تمكنت من تبديل أوضاع الاحتلال والانتداب إلى وضع يضفي الشرعية على تواجدها العسكري في العراق، ويحفظ مصالحها السياسية والاقتصادية. وتكمن أهمية تلك الاتفاقات والمعاهدات في أنها خلقت وضعا سياسياً جديداً أحدث تغيرات عميقة في جميع أوجه الحياة في العراق، إذ إنها استحدثت إجراءات سياسية وإدارية جديدة أدت فيما بعد إلى خلق نظام جديد من الولاءات والانتماءات. لقد عمدت معاهدة 1922 الاستراتيجية البريطانية الهادفة إلى جعل العراقيين يسددون ثمن حكم بريطانيا لهم، في ظل اعتبار المعاهدة نفسها شهادة ميلاد الدولة العراقية الجديدة دون السماح لأي نص لاحق ينقضها بما في ذلك القانون الأساسي...  "

وهكذا تأسست الدولة العراقية الجديدة، التي هي نقيض لما كان قائما قبل الحرب العالمية الأولى من حيث ماهية وشكل وطبيعة الانتاج الاجتماعي وتعددية الانماط الاقتصادية، وكانت الدولة المعاصرة مثقلة ببذور أزمتها البنيوية منذ تشكيلها، والتي كانت مستمدة من:

-واقع التخلف العام والتشظي الاجتماعي؛

-وذلك الارث العثماني الثقيل؛ 

-من أجواء مرحلة التأسيس بالغة التعقيد وتنافر المصالح بين المكونات الاجتماعية ؛ 

-تداخل وتصارع مصالح عناصر داخلية وخارجية؛

-تجارب قادتها المحوريين وتحالفاتهم الزبائنية السياسية والدولية؛

-سكونية التطور منذ الاحتلال العثماني؛

-من البنية الطبقية للمجتمع العراقي غير الموحد ؛

-غائية الاحتلال البريطاني ؛

-ربط اقتصاد العراق بالسوق الرأسمالية.

وبهذه التركيبة المتناشزة جمعت الدولة العراقية قوى أساسية في المجتمع "... كانت تمثل ايديولوجيات وتقاليد سياسية متضاربة، من المدرسة البرلمانية – الدستورية (بريطانيا) إلى المدرسة القومية العربية ذات النزعة المركزية (الضباط الشريفيون) إلى آيديولوجيا النسل العربي الشريف (العرش ممثلاً بسلالة الشريف حسين) إلى آيديولوجيا القرابة والعرف (رؤساء القبائل) إلى مدرسة الشريعة الاسلامية (رجال الدين والنقباء) ...  " .

كما ولِدت الدولة العراقية المعاصرة كبقية أقطار المشرق العربي المنسلخة من الامبراطورية العثمانية, على يد المراكز الرأسمالية الغربية وبالأخص بريطانيا وفرنسا, وكانت "... تحمل في ثناياها العديد من التشويهات المفتعلة على الحدود المصطنعة وانتهاءً بالضعف الداخلي لمؤسساتها. وقد واجهت هذه الدول منذ نشأتها مشكلات وتحديات هائلة من الداخل والخارج على السواء.. فلا هي استفادت مما في تراثها من حكمة المؤسسات المدنية التقليدية (قبل الحديثة) ولا هي سمحت بمساحة عامة كافية للمؤسسات الحديثة لكي تنمو وتزدهر. ونتيجة لذلك وجدت الدول العربية الجديدة نفسها تحارب على جبهات داخلية وخارجية عديدة...   ". حسب قول د. سعد الدين إبراهيم.

ولقد تمثلت إحدى هذه التشويهات في تطبيق الفكرة النفعية (السلطة - التملُك)، التي مفادها إن النخبة الحاكمة الأوليغاركية بالعالم الثالث ومنها العراق، وبخاصة الضباط الشريفيين منهم، عندما سيطروا "... على جهاز الدولة وهيمنوا على مجتمع مفكك البنية، كسبوا قوة الدولة مما يجعل مهمتها تتجاوز عملية تسيير جهاز الدولة إلى أن توجه هذا التسيير لخدمة مصالحها بالدرجة الأولى ومصالح الفئات الاجتماعية المرتبطة بها والتي تشكلت من بين أوساطها... وعليه فإن الدولة في مجتمعاتنا لا تحتفظ بنفس العلاقة بينها وبين المجتمع والسائدة في البلدان الرأسمالية المتقدمة، فهي نشأت بمعنى ما، ( متقدمة) بمراحل عن الحاجات الحقيقة للمجتمع وبناه الاجتماعية والانتاجية وبذلك فهي تجابه المجتمع باعتباره نقيضاً لها محاولةً القضاء على كل ما يتعرض فرض هيمنتها عليه أو كل ما يشكل منافسا لسطوتها وتغلغلها... فإن جوهر هذه العلاقة وطبيعتها لم يتغير متمثلاً بسيادة الدولة على المجتمع وهيمنتها عليه...  ".

 وعليه فيمكن "... وصف السياسة خلال الحكم الملكي العراقي، بأنها صراع مستمر بين أعضاء النخبة  من أجل  القوة والنفوذ الشخصي على حساب بناء قيم وممارسات عملية جديدة ( كالكفاءة والخَلق والمبادرة ) حيث كان الأفراد يقيمون وفق معايير شخصية لا موضوعية ( الحسب والنسب والصداقات) ومن ثم تطبيق الاحكام والقوانين وفقاً للاعتبارات الشخصية. لقد كانت السلطة الرسمية ضعيفة حيث استمدت أساسا ودعمت من خلال تبوء الفرد المنصب الوزاري أو عدة مناصب وزارية في آن واحد. ومن ناحية أخرى فإن القوة استمدت من عدة مصادر متداخلة ذات طبيعة رسمية ولارسمية اشتملت ( بالإضافة للمنصب الرسمي) على الثروة، رابطة الدم، الشللية، والنفوذ الأجنبي (البريطاني). ومن ناحية أخرى استعمل المنصب الرسمي، كرسي الوزارة في هذه الحالة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة لدعم قيم القوة الشخصية كالثروة أو المحسوبية أو المحاباة...   ".

 وهكذا "... وبرغم التنافس والصراع بين أعضاء النخبة استمر لما بعد التاريخ المذكور (عام 1941) وحتى الخمسينيات. إلا أن صراع القوة هذا تميز بسمة فريدة حيث أنه لم ينطلق من اختلاف وجهات نظر سياسية بين أعضاء النخبة، وإنما كان حصيلة استمرار التنافس حول السلطة والمصالح الشخصية. وتبعا لذلك فإن أنماط التفاعل التي اثرت على سلوكية أعضاء النخبة، اختلفت عن تلك التي شهدتها الفترة ما قبل سنة 1941...   ". هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن هذا الصراع بين النخبة الاوليغاركية قد ادى الى استبعاد كل من مؤسستي: العشائر والعسكرية بعد العام المذكور، كما كان سائدا منذ تأسيس الدولة ولغاية فشل حركة مايسمى التحررية.. من أجل الحفاظ على النظام الملكي. 

لا توجد تعليقات

أضف تعليقك

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha

كتاب الحقيقة

عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
غرام الربيعي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
د. حسين القاصد ... تفاصيل أكثر
نشوان محمد حسين ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر
طارق الحارس ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
حــمــزة مــصــطــفــى ... تفاصيل أكثر
محمد توفيق علاوي ... تفاصيل أكثر
عدنان الفضلي ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
علي قاسم الكعبي ... تفاصيل أكثر
علي شايع ... تفاصيل أكثر
علي علي ... تفاصيل أكثر
عبد الحليم الرهيمي ... تفاصيل أكثر
علي حسن الفواز ... تفاصيل أكثر